التكامل بين البيئة والتنمية.. يدعم مشروع جسر أبحر العظيم
<a href="mailto:[email protected]">dr._saaty@yahoo.com</a>
بمناسبة الاحتفال بيوم البيئة العالمي الذي يصادف الخامس من حزيران (يونيو) من كل عام والذي احتفلت به المملكة العربية السعودية مع جميع دول العالم.. وجدتها مناسبة جيدة كي أعود مرة أخرى وانضم إلى قاطرة المطالبين بقوة بتنفيذ مشروع جسر أبحر أبحر العظيم. وأرجو أن يفهم أخي الدكتور غازي جمجوم وزميلي الأخ الدكتور طلال بكر أنني لا أدعم التوجه نحو تنفيذ هذا المشروع من باب الترف الاجتماعي، وإنما أؤيد تنفيذه لضرورات اقتصادية واجتماعية وبيئية.
إن إخضاع تنفيذ برامج ومشاريع التنمية لأسباب بيئية تعسفية.. سوف يترتب عليه إيقاف تنفيذ كل برامج التنمية، ويجب أن ندرك أن مفهوم البيئة تجاوز المفاهيم التعسفية التي كان البيئيون يتنادون بها. وكانوا يجزمون أن هناك تعارضا بين التنمية والبيئة، وهو مفهوم قاصر يفتقد إلى النظرة الشاملة لتحقيق التوازن المطلوب بين ركائز التنمية التي تمثل البيئة أحد أهم أركانها. ولكن مع تقادم الأيام أصبح المبالغون قلة قليلة، وفي مقابل ذلك تنامى الوعي البيئي وانتشر الفهم الموضوعي لطبيعة البيئة وقضاياها المتشابكة، والآن يسود في أوساط المنظمات البيئية والتنموية أنه لا يمكن فصل البيئة عن التنمية بأبعادها المختلفة خاصة الاجتماعية والاقتصادية منها والتي تؤدي في النهاية إلى تكامل منظومة التنمية المستدامة.
وقد تبنت قمة الأرض التي عقدت في عام 1992م في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو مفهوم التنمية المستدامة الذي يقوم على التصالح بين البيئة والتنمية.
ويومذاك اجتمعت كلمة المجتمع الدولي على ضرورة تعبئة كل الجهود للتعامل مع قضايا البيئة والتنمية والتصدي للخلل المدمر الذي يهدد جهاز مناعة الطبيعة، من خلال العمل المشترك الجاد والتضامن الإنساني والحضاري بين الأمم.
وأذكر بهذه المناسبة أن الأستاذ هشام ناظر وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق الذي رأس وفد المملكة إلى قمة الأرض الذي عقد في البرازيل في عام 1992م قال في مجلس ضمنا في داره في العام الماضي:
إن المؤتمر ناقش أشياء كثيرة تتعلق بالتداخل بين البيئة والتنمية، وأكد ضرورة ألا تكون البيئة سببا في إيقاف مشاريع التنمية، لأن إيقاف التنمية بذريعة المحافظة على البيئة هو تكريس للتخلف، كما أكد المؤتمر ضرورة أن تكون التنمية وسيلة من وسائل نشر الوعي البيئي في كل أنحاء المجتمع.. ولذلك يجب أن تراعى مشاريع التنمية الأضرار الناتجة عنها إلى أدنى مستوى ممكن، ولكن ما يجب أن نسلم به أن كل مشروع، له أضرار على البيئة، ولذلك يجب أن نوازن بين فوائد المشروع ومضاره البيئية، بمعنى أن التوازن بين البيئة والتنمية المستدامة.. هو الشيء المطلوب التركيز عليه، أما التفوه بإيقاف أي مشروع له آثار سلبية – حتى ولو كانت طفيفة – فهذا شيء يتعارض مع مبادئ التنمية ونشر البيئة النظيفة بين ربوع المجتمع.
وبهذه المناسبة أذكر أن أحد الكتاب السعوديين كتب مقالا عن كمية العادم والهباب التي تحرقه طائرة واحدة من طراز 474 بوينج في رحلتها بين فرانكفورت ونيويورك، وأشار الكاتب إلى أن كمية الوقود التي تحرقها الطائرة الواحدة تتوازى مع كمية مياه تغمر حمام سباحة بحجــم 15 × 15 متراً مربعاً وأن كل هذا الهباب يتناثر فوق آلاف المدن والأنهار والبحار التي تحلق فوقها الطائرة. وإذا قدرنا بأن عدد الطائرات التي تقطع المحيطات يوميا بمئات الألوف من الطائرات ونرصد أحجام الهباب الذي ينزل كالمطر على الكرة الأرضية جراء قيام مئات الألوف من الطائرات التي تجوب الفضاء طوال الـ 24 ساعة، فإن التلوث سوف يذهلنا ويصيبنا بصاعق يشل تفكيرنا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل قام الكتاب وأصحاب الرأي في دول العالم المتقدم بالمطالبة بإلغاء حضارة المواصلات الجوية وقفل مصانع الطائرات وقفل مؤسسات الخطوط وإلغاء المطارات وتسريح ملايين العاملين، أم أنهم طالبوا بالعمل على تخفيف الأضرار المحيقة بالبيئة والناجمة عن قيام الطائرات بنثر الهباب فوق الكرة الأرضية.
نحن نريد أن نناقش مشاريعنا بموضوعية وشفافية، يجب أن نسأل أنفسنا ما الأضرار وما هي الفوائد وكيف نحقق التوازن بين البيئة والتنمية المستدامة.
وإذا لم نفعل ذلك وأخذنا بالرأي الآخر القائل بإلغاء مشاريع التنمية التي تساهم في زيادة معدلات التلوث، فإننا نضطر آسفين إلى قفل مصانع إنتاج السيارات والقطارات والأجهزة الإلكترونية والأدوية وبناء المستشفيات والمفاعلات ومحطات الكهرباء حتى لا ينتشر العادم بين الناس ونخرس البواري الهاتكة للبيئة ونسرح ملايين البشر ونقفل آبار البترول والوقود ونوقف بناء المصانع، كذلك ينبغي أن نوقف بناء العمارات لأن مخرجات هذه العمائر من زبالات وفضلات وصرف صحي وخلافها ضار بالبيئة.
أما الموضوع الأخطر فهو إيقاف مشاريع تحلية المياه بسبب الأضرار الحادة التي تلحقها بالبيئة وأنا أحد المتضررين لأنني أسكن في شارع التحلية تحت أقدام التحلية، حيث تنثر المحطات هبابها في الفضاء الفسيح فيختلط الهباب مع هواء المدينة، وكلنا يعرف مشكلة نقص المياه وما سوف تعانيه البشرية في العقود المقبلة من شح في المياه واتجاه نحو الصدام والحروب.
إذن الخلاص من التلوث هو السعي وراء إيجاد الصيغ المناسبة لتحقيق التوازن بين البيئة النظيفة والتنمية المستدامة وهو ما يجب أن نسعى إليه وأن تتعاون جميع دول العالم في عصر العولمة من أجل ترسيخ صيغة التوازن بين التنمية والبيئة.
إن منطق التوازن بين البيئة والتنمية هو المنطق السائد في مناقشات لجان منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤتمرات والورش ولم يعد مطروحاً إيقاف البرامج والمشاريع التي تضر بالبيئة، بل المطروح هو السعي إلى التوازن وتخفيف الأخطار والأضرار قدر الإمكان.
ويجب أن نستغل العصر الكوني الذي نعيشه ونستثمر انضمامنا إلى منظمة التجارة العالمية ونعمل مع العالم المتقدم يدا بيد لتحقيق بيئة نظيفة.
ونأخذ مثلا جسر أبحر العظيم، فأنا أؤكد بضرورة تنفيذه ولكن مع الحرص على التخفيف قدر الإمكان من الأضرار التي قد تؤثر سلبا في البيئة وهي أضرار مهما بالغنا في رصدها فهي أضرار بسيطة قياسا بأهميته وفوائده من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
إن العالم كله يتجه نحو بناء الجسور والأنفاق للتوسع في التواصل وتحقيق المصالح المشتركة، هذه المصالح تتضمن المحافظة على البيئة جنباً إلى جنب مع بناء الجسور والأنفاق، والأمثلة لا تكاد تحصى، وقبيل أيام توجت الجارتان الشقيقتان قطر والبحرين المصالحة بينهما بالتوقيع على تنفيذ مشروع أطول جسر في منطقة الخليج العربي، وأجزم بأن الدولتين تعلمان أن هناك أضراراً بيئية تنتج من تنفيذ هذا المشروع ولكنهما مضيا إلى تنفيذه لأن المصلحة العامة تقتضي ذلك.
وإذا درسنا كم نسبة ما تسهم به الجسور في كل مدن العالم من أضرار على البيئة مع ما تسهم به مصانع الطائرات والسيارات ومحطات التحلية والأدوية، فإننا نجد أن فوائد الجسور على البيئة أكثر بكثير من أضرارها على البيئة.. ولو قام الصديقان برحلة ركوب الجسور وبدآ بركوب جسر سان فرانسسكو في أمريكا ثم عرجا على جسر ناقازاكي في اليابان، ثم ركبا جسر قصر النيل في القاهرة، واختتما رحلة ركوب الجسور برحلة بين الخبر والمنامة على جسر الملك فهد، فإنهما سوف يتحولان من معارضين لتنفيذ مشروع أبحر العظيم إلى مؤيدين بقوة لتنفيذ المشروع لأسباب بيئية واقتصادية واجتماعية.