رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إلى المناوئين لعمل المرأة: ما يحصل الآن أكثر مما تخشون وقوعه!

لم يحصل أي قرار من القرارات الإدارية الحكومية على مثلما حصل عليه قرار سعودة وتأنيث محلات بيع الملابس النسائية من تفاعل وترقب وجدل وإرهاصات, كان يقابلها إصرار من قبل الحكومة, ممثلة في وزارة العمل, على تنفيذه في وقته المحدد, مما فتح الأمل في نفوس القاعدات البائسات الباحثات عن العمل من المواطنات اللاتي يقدر عددهن بمليون امرأة, كما جاء على لسان بعض المسؤولين في وزارة العمل, لا يجدن غير النوم والقنوات الفضائية, الهابطة في معظمها, وسيلة لقتل الوقت, وربما التسكع بعد ذلك في الأسواق واجترار مرارة الألم والعدم ونظراتهن ترتد حسرة من رؤية المعروضات والاحتياجات النسائية المتنوعة لقلة ما في اليد وما في الجيوب.
وبقدر ما كان الأمل كبيرا ومتعلقا بالقرار لفك الاختناق وإيجاد منافذ لتطبيق قرارات الدولة وتوجهاتها لفتح الفرص وتوسيع مجالات عمل المرأة وإشراكها في تنمية بلدها, فقد كان لسقوط القرار, أو إسقاطه بالأحرى بالحجة الظاهرة وهي سد الذرائع ودرء المحاذير التي قد يجرها التطبيق, ردة فعل مضاعفة في الأوساط الاجتماعية, ولا سيما في نفوس أولئك البائسات, رغم أنه لم يعلن تفسير واضح لما حصل, أو موعد محدد للتأجيل مثلا, تستكمل فيه الاستعدادات وتتخذ فيه الخطوات اللازمة لنجاح التطبيق، كما لم يصدر عن أي جهة بيان حول ذلك يشخص الأسباب الشرعية أو غير الشرعية للعدول المفاجئ عن القرار, بعد أن كان المسؤولون في وزارة العمل يؤكدون ويصرون في كل لقاء ومحفل على حتمية التطبيق, وعدم التراجع عنه. غير أن المتتبع للاعتراضات الكثيرة التي كانت تلوح وتعلن في كل الوسائل من قبل المستفيدين من الوضع الحالي والمعارضين لمبدأ السعودة من أساسه, ومن يقف معهم, كان يلمح وجود حملة منظمة قوية توشك أن تطيح بالقرار, مثلما أطاحت بغيره من القرارات التي تبنتها الدولة في مجال السعودة, ومحاولة التخفيف من آثار مشكلة البطالة, كقرار توطين سائقي سيارات الأجرة العامة, وقرار سعودة بعض المحلات, وقرار نسبة الـ 30 في المائة في بعض مجالات الأعمال, وغيرها من القرارات. وكأني بالمناوئين لمثل هذه القرارات, وما سوف يأتي بعدها, عاقدون العزم على الاستمرار في المناوءة والاعتراض, طالما أن ذلك سيسفر عنه التراجع, أو التأجيل إلى أجل غير مسمى.
ومهما قيل من أسباب للاعتراض بالنسبة إلى القرار الأخير, التي تبدو في ظاهرها مؤطرة بمحاذير شرعية ودينية يخشى من الوقوع فيها, إلا أن الأسباب الحقيقية لكثرة الاعتراضات أتت من أصحاب المحلات التجارية, ومن يقف وراءهم, لعلمهم أن التنفيذ سينشأ عنه تكاليف تتمثل في أن راتب الموظفة المواطنة سيكون أعلى من راتب العامل الأجنبي, وساعات عملها أقل, بطبيعة الحال, فضلا عن التكاليف المادية للتعديلات التي فرضها القرار على بيئة المحلات وتصميمها لكي تناسب عمل المرأة, وإلا فإن ما يقع من محاذير في ظل الوضع الحالي, أسوأ بكثير مما قد يقع في ظل التغيير, مما لا يعلم عنه الكثير, ويستحيل كشفه. فماذا ينتظر في ظل وضع تكون فيه المرأة والبائع, الذي قد يكون وسيما أو متموسما, في المحل لا ثالث لهما, وهو يقلب بين يديها قطع الملابس الداخلية قطعة قطعة, ويشير عليها بهذا النوع أو ذاك, ويقترح عليها من باب التسويق أو التشويق, صنفا ولونا معينا, ويدعي أنه يعرف مقاسات جسمها أكثر مما تعرفها هي؟ ولا يتردد في إطلاق العبارات المغلفة بالإعجاب, مثل: هذا يناسبك, وهذا مثير, وهذا.. ؟ ومن البائعين من يطلب رقم هاتف المرأة بدعوى الاحتفاظ به في المحل والاتصال بها عندما ترد بضائع جديدة, أو عندما تكون هناك تخفيضات على البضائع, ولا يتردد في الاتصال حتى لو لم يكن ثمة شيء من ذلك, إنما أحيانا ليزف لها بشرى فوزها بهدية قيمة من المحل ويدعوها إلى الحضور لأخذها. بل إن بعض البائعين عندما يلمح على المرأة تعلقها بالبضاعة, وترددها في شرائها بسبب السعر, يدعوها بمقولة: المحل محلك, إلى أخذها والدفع لاحقا, وبتكرر هذه العملية مرة أو مرتين, وتراكم الدين ينشأ نوع من العلاقة والاتصالات بدعوى المتابعة والاطمئنان في العلن وتعزيز الأمل في المقايضة في الباطن, والحال نفسه يقع في بعض محلات بيع العطور ومستحضرات التجميل, عندما يمسك البائع أحيانا بيد الزبونة لتجربة الكريمات والعطور, ويمتدح بعضها بعبارات مثيرة, على نحو ما يقال في اللغة الإنجليزية ..!
لقد حدثتني من أثق في روايتها أن ذلك وأكثر منه هو ما يحدث في بعض المحلات المتخصصة, مما يستعصي كشفه ومراقبته, فهل يقارن ذلك بما سيكون عليه الوضع لو كانت البائعة امرأة لا يدخل عليها سوى امرأة أو امرأة وزوجها؟ ما الذي يمكن أن يحدث مما يماثل ما هو حادث الآن؟ وهل نترك ما هو حاصل من محذورات واضحة إلى ما يخشى حدوثه مما لم يقم عليه دليل؟
أجيبوني, كيف تصرف بعض الفتيات العاطلات على زينتهن وملابسهن وهن يرين صديقاتهن يتمتعن بما هن محرومات منه, خاصة إذا كن من الطبقة الفقيرة ولا يوجد من يصرف عليهن أو كان أولياء أمورهن فقرا ومعدمين؟ أليس الفراغ والبطالة دافعان إلى الفساد؟
وإذا كنا نخشى من الخلوة بين امرأة وامرأة في محل تجاري أفلا نخشى منها بين امرأة ورجل في المحل نفسه كما يحصل الآن؟!.. وهلا نخشى منها بين امرأة وسائق أجنبي عنها يجوب بها الشوارع والطرقات؟! ويسكن معها في منزل واحد، كما هو الحال بالنسبة إلى بعض الأرامل والمطلقات؟!. ألم يعطنا الله عقولاً لكي نفكر ونستخدمها لتمييز الصالح من الطالح، والضار من النافع أو الأكثر ضرراً؟ ونوازن بين ما ينفعنا وما يضرنا، ونحسب لكل أمر حسبته، حتى إذا ما تراءى لنا ما يحقق المصلحة، أو يدفع الضرر الأكبر أخذنا به!!
إن باب سد الذرائع، أو باب: الباب الذي يأتيك منه ريح سده واستريح، هي مقولات ليست صائبة في كل الأحوال، إلا بعد إعمال العقل والمنطق، فقد تكون محتاجاً إلى نسمات الريح كي تستنشق وتعيش، وقد يكون إغلاق الباب سبباً في الاختناق، أما مقولة سد الذرائع أو درء المفاسد مقدم على جلب المصالح فينبغي عدم إعمالها على علاتها، والأخذ بالجانب السلبي فيها وهو السدّ، إلا إذا كان هناك تيقّن مقرون بالدليل على أن الفتح سيجلب مفاسد أكثر مما يحول دونه السدّ، أو مما هو حاصل على أرض الواقع، وهو ما لم يتأكد في حالة عمل المرأة في بيع مستلزمات أختها! أما إذا كان الفتح سيجلب مصالح تغلب على ما قد يتوقع أن تجلبه من مفاسد، فإن الفتح في هذه الحالة أولى وأوجب، بل إن الواجب على علماء الأمة، ومن بيدهم تحديد مصائر الناس، الموازنة والمقارنة بين الإيجابيات والسلبيات، والمصالح والمفاسد، لكل مسألة على حدة، في ضوء العوامل المحيطة بها، والمؤثرة فيها، وما يفضي إليه الوضع القائم، والنتائج المتوقعة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح في حالات بعينها، عندما تكون هذه المفاسد متأكدة بالدليل، وعندما تكون أكثر من المصالح المنتظرة، وأشد أثرا في حياة الأمة، أما عندما تكون المصالح هي الغالبة، وهي التي تتماشى مع توجه ولاة الأمر، ومتطلبات الحياة، ومصالح الأمة، ولا تتعارض مع الثوابت، فإنها يجب أن تقدم، وإلا أصبح مبدأ درء المفاسد مضخماً على حساب جلب المصالح، ومحمولا على غير محمله، ووسيلة للتضييق، وزيادة الحرج على الأمة وولاتها، وتقييد الحياة الناس بغير ما أنزل الله!!.
إنني، على قدر تأملي في هذه المسألة، لم أجد سبباً وجيهاً للعدول عن القرار، بل إنني أرى أنه أخذتنا العجلة في إجهاضه، تحت تأثير ضغوط استغل فيها الجانب الأخلاقي والديني على طريقة: كلمة حق أريد بها باطل، دون روّية أو تبصر، أو موازنة أو تدبر!!. وأقول، بكل أمانة، وبدون أن يكون لي في المسألة ناقة أو جمل، غير ناقة الواجب الديني، وواجب المواطنة، ومعرفة تامة بأحوال المجتمع، وما يجري فيه، وما تجلبه بعض الأوضاع القائمة من مفاسد نتيجة تغلغل الأجنبي في كل شيء، ونبذ المواطن والمواطنة وإقصائهما عن كل شيء، إننا أخطأنا في حق الوطن، وتجاهلنا مواجهة المشاكل وغشيت أبصارنا غمامة جعلتنا نتقمّص دور النعامة، مما يخشى معه أن يزداد الفساد، وتضيع مصالح العباد!!
والله من وراء القصد.

كاتب في الشأن العام
فاكس 4705374

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي