كلية الدراسات الحضرية وأزمة العلوم الاجتماعية
<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>
هناك توجه لدى وزارة التعليم العالي إلى إنشاء المزيد من الكليات الجديدة أو تحويل بعض الأقسام إلى كليات. وهذا توجه محمود يحسب للوزارة, إذ إنه من المسلم به أننا في حاجة إلى تطوير الجامعات كماً ونوعاً. إلا أنه في الوقت ذاته هناك اندفاع محموم نحو التخصصات العلمية البحتة والطبية والهندسية وإهمال للعلوم الاجتماعية, وكأن المجتمع ليس في حاجة إليها. وهذه مفارقة عجيبة غريبة, إذ كيف يعقل في ظل ما نواجهه من مشاكل اجتماعية كبيرة وكثيرة تطول الجميع ابتداء من الإرهاب والمخدرات والفقر والسطو المسلح وانتهاء بالتحرش الجنسي أن تغفل أهميتها وتقلص برامجها؟ أعتقد أن هناك مشكلة ما تتعلق بقصور فهمنا لهذه التخصصات الاجتماعية إما لعدم توظيفنا هذه العلوم توظيفا صحيحا فاعلا يسهم في حل المشكلات الاجتماعية, وإما سيطرة الثقافة المادية والاعتقاد أن حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية يكمن في التقدم التقني والفني فقط! وهذا خطأ كبير يجب أن ينتبه إليه قبل فوات الأوان, فالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية تحتاج في الأساس إلى حلول وأطر اجتماعية نعمل من خلالها. إن إعادة هندسة المجتمع متطلب أساس لهندسة وبناء المشاريع والتقدم المادي. فلا نستطيع أن نتصور مجتمعا دون أساس قانوني (شرعي)، سياسي، اقتصادي، تاريخي، جغرافي، تربوي، وإداري, وغيرها من التخصصات الاجتماعية. هذه هي الأرضية التي ننطلق منها نحو مجتمع قادر على معرفة ماذا يريد؟ وأين يتجه؟ وكيف يحقق أهدافه؟ ومن ثم تأتي العلوم التطبيقية نتيجة لذلك، وفي الوقت ذاته أداة لتحقيق بعض الأهداف التنموية وليس بالضرورة جميعها.
لم نر العالم الغربي المتقدم تخلى عن العلوم الاجتماعية فأوقف تخصصات التاريخ والجغرافيا أو التربية والعلوم السياسية أو غيرها, بل لا أبالغ إذا قلت إن سر تألقهم وتقدمهم هو حرصهم على التوازن بين العلوم الاجتماعية والعلوم التطبيقية والبحتة. إن التقدم المادي الحضري هو نتاج قرارات وسياسات وليس العكس، ولذا كانت أهمية إعداد كوادر قادرة على صنع القرارات والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أكبر من إعداد متخصصين في العلوم التطبيقية، أي أن هندسة المجتمع قبل هندسة المباني والطرقات والمشاريع. إن تدريس مادة مثل الجغرافيا وحصرها في مفهوم ضيق لا يتعدى التضاريس والمناخ إجحاف في حق التخصص الذي يعنى في المكان بجميع أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وعلى جميع المستويات من المدينة أو المكان الحضري إلى الأقاليم أو جزء من الدولة إلى العالم بأسره، أو أن يختزل التاريخ بسرد وقائع دون التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفهمها من خلال إطارها التاريخي ومبررات السياق التاريخي ولماذا حدث ما حدث وربطها بالواقع المعاصر والدروس المستفادة. وهذا ينطبق بطبيعة الحال على جميع التخصصات الاجتماعية, ولذا لم يكن مستغربا أن تهرول وتتسابق الجامعات بتشجيع من وزارة التعليم العالي إلى تقديم برامج وتخصصات علمية دون نظرة متوازنة بل إنه في المقابل تم إلغاء بعض التخصصات التي يعتقد أن لا فائدة مرجوة منها! أكثر ما أخشاه أن يكون وضعنا مثل ذلك الشخص الذي فقد شيئا في مكان مظلم وذهب يبحث عنه في جهة أخرى فقط لأنها مضاءة! لا يعني أن طلب التقدم والتطور أن نقفز فوق الأشياء أو أن نختصرها في أخذ جانب من النظام في الدول المتقدمة ونهمل جوانب أخرى ظناً أن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق ما توصلوا إليه من تطور حضاري وتقدم تقني. لا أحد يستطيع أن ينكر أن تدريب جراح القلب يأخذ من الوقت والجهد والمال الشيء الكثير وهو بلا شك فخر وإنجاز علمي عظيم يحتاج إليه المجتمع. إلا أن الاحتياج الحقيقي حسب أولويات المرحلة الراهنة هي للعلوم الاجتماعية التي ستقوم بمعالجة فكر وتوجهات أفراد المجتمع وتوجد وتعزز الوحدة الوطنية التي تقود بالتالي إلى إنقاذ المجتمع برمته من براثن الجهل والفقر والفكر الانحرافي والإرهاب, إن ذلك سيقود إلى الحفاظ على أرواح الكثيرين يتعدى عددهم أضعافاً مضاعفة عدد الذين تجرى لهم عمليات القلب وتنقذ أرواحهم!
إن ما علينا إدراكه هو مواجهة التحديات ووضع الحلول الواقعية الناجعة بدلا من البحث عن مخارج وافتراضات غير صحيحة واختيارها فقط لأنها سهلة ومقنعة، فيتم الترويج لفكرة التخصصات العلمية والتقليل من شأن التخصصات الاجتماعية بدلا من الاعتراف بأننا فشلنا في المواد الاجتماعية بحثا ودراسة ومنهجا وتدريسا وتطبيقا, وبالتالي لم نر الفائدة المرجوة منها, وكيف أن بإمكانها الإسهام في حل المشكلات التي تواجهنا أو على أقل تقدير فهمها أو التقليل من تأثيرها. لكن العامل الأساس في ظني الذي أسهم في تقليل الاستفادة من العلوم الاجتماعية هو عدم تطبيق المعايير العلمية والمهنية في أداء الأعمال. وإذا كان كذلك فكيف نتوقع أن يستفاد من العلوم الاجتماعية في معالجة المشاكل الاجتماعية؟ إنها حلقة جهنمية, فمن ناحية لا تدرس العلوم الاجتماعية ولا تعرض بطريقة يمكن تطبيقها, ومن ناحية أخرى تعطل في مكان العمل ولا تطبق. وإلا كيف يبرر إيقاف بعض التخصصات مثل الإدارة العامة مع أن القطاع العام يمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد الوطني بل إنه الركيزة الأساسية والدافع الرئيس لجميع الأنشطة في القطاع الخاص وهو في الوقت ذاته يئن من المشاكل الإدارية والفساد الإداري ويحتاج إلى كفاءات وطنية مؤهلة لصنع القرارات العامة وتقديم الخدمات العامة. إن غياب القانونية والمهنية في تأدية الأعمال وقصور الفهم بالتخصصات الأكاديمية والعملية هو السبب وراء ذلك. فحتى الآن لا يفرق الكثيرون بين تخصص العمارة وتخصص التخطيط والتخصصات الهندسية. فلا يستغرب أن يقوم كل تخصص مقام الآخر في مكان العمل مع الفارق الكبير بينها. وفي السياق نفسه أن يتولى تقنيون وفنيون مناصب قيادية دون تدريب إداري وامتلاك مهارات صنع القرار. ما علينا إدراكه في تصحيح الأوضاع والنهوض بالاقتصاد وتطوير المجتمع هو إيجاد نظم إدارية وتعليمية قادرة على تحديد أهدافها الاستراتيجية ومن ثم احتياجاتها من القوى العاملة المؤهلة في التخصصات المختلفة، بدلا أن نلقي باللائمة على وفرة التخصصات أو قلتها.
إن اتباع طرق التدريس التقليدية التي تعتمد على التلقين وحشر المعلومات وسلب الإرادة من الطالب ومصادرة حرية التفكير وقتل روح الإبداع كل ذلك مدعاة إلى الفشل في الاستفادة من العلوم الاجتماعية فضلا عن العلوم التطبيقية والبحتة. إن العلوم الاجتماعية إذا ما درست بطريقة تستهدف تنمية الفكر وإعمال العقل وربطها بالواقع وبالقضايا الحقيقية للمجتمع فستؤدي, بإذن الله, إلى إعداد خبرات وطنية وتثقيف جماعي ورفع الوعي لدى الأفراد في فهم ما يدور حولهم وتحصينهم سياسيا واجتماعيا, وكذلك رفع مستوى إسهامهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي لا تعني بالضرورة فقط التقدم المادي. ولتحقيق ذلك يلزم أن يكون هناك استقلال مالي وإداري لإدارات المدارس وأن يكون تقييم الأداء مبنيا على تحقيق أهداف يتفق عليها وليس إلى أي مدى تم تطبيق الإجراءات الروتينية أو الحفاظ على الهدوء القسري داخل المدارس وسلب الطلاب كرامتهم وآدميتهم وفرض الرأي الواحد دون أن يكون لهم حول أو قوة. إن هذه مسألة جديرة بالوقوف عليها ومراجعتها وتغيير فلسفة التعليم، إذا ما أردنا تحقيق إنجاز وطني والتقدم إلى الأمام. من هنا كان لا بد من تفعيل المجالس التعليمية في المناطق ليكون لها دور فاعل في وضع الاستراتيجيات والسياسات للتعليم في المنطقة والتخفيف من المركزية. لقد حان الوقت لتحديد المسؤوليات وتحملها وتحمل نتائج القرارات والمحاسبة عليها.
أما فيما يتعلق بالجامعات الحكومية فقد بات من الضروري تحويلها إلى مؤسسات غير ربحية حتى تكون أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات سوق العمل. وذلك من خلال إدارتها عبر مجلس للأمناء يمثلون قطاعات مختلفة ليكونوا عناصر وصل بين قطاعاتهم والجامعة. إن الجامعات تحتاج إلى إحيائها مرة أخرى لتكون انعكاسا للواقع, وفي الوقت ذاته فاعلة قادرة على إحداث التغيير الاجتماعي المطلوب. يجب أن تكتسب الجامعات قيمة اجتماعية وقبولا اجتماعيا حتى تتمكن من إحداث التغيير المطلوب, وهذا لن يتأتى إلا من خلال التعرف على احتياجات المجتمع واحتواء التوجهات وتطلعات وقيم المجتمع. وفي الوقت ذاته قيادات تعليمية لديها أفكار جديدة وتصورات مستقبلية وفلسفة واضحة عما ينبغي عمله، قادرة على نقل الجامعات إلى مستويات أفضل وانفتاح أكبر على المجتمع ودور متميز في تطوير الأعمال.
في ظل نظام التعليم الحالي لن تتاح الفرصة لتقديم أفكار جديدة, فالأقسام الأكاديمية لا حول لها ولا قوة. ويزداد الأمر سوءا للتخصصات الاجتماعية في ظل سيطرة التخصصات العلمية فلا يترك لها مجال التطوير والانطلاق في الإسهام في معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية. إنه وضع يحتاج إلى مراجعة، وقرارات جريئة تتعلق برؤى مستقبلية واضحة واستراتيجيات وسياسات جريئة على مستوى المجتمع ككل وليس قرارات تجزيئية تركز على قطاعات وتهمش أخرى. وتبعا لما سبق سأطرح في مقال الأسبوع المقبل بإذن الله فكرة تحويل قسم التخطيط الحضري والإقليمي في جامعة الملك فيصل إلى "كلية الدراسات الحضرية" وما تشمله من تخصصات حيوية مطلوبة مثل: إدارة المدن، العقار، السياحة، النقل الحضري، تخطيط المدن والأقاليم، التنمية المحلية، وكيف تم وأد الفكرة في مهدها!