الشباب يتطلعون إلى صيف مثمر
<a href="mailto:[email protected]">fah_arab@yahoo.co.uk</a>
مازالت هناك فئة تلوم الشباب عند التحاقهم بالوظائف وتكرر بأنهم دون المستوى المطلوب، ويمكن الاستغناء عنهم, لأن غيرهم من ذوي الخبرة أفضل وأنبه وأسرع وأكثر فائدة. للأسف بعد كل هذه الجهود المبذولة والمصاريف والمبالغ المخصصة لإزاحة هذه "المطبات الاصطناعية" من شوارعنا الفكرية المؤدية للتنمية, مازال تفكيرنا موجها نحو تكرار العبارات دون أن نسعى إلى تمهيد وتسوية الطريق للسير بأبنائنا نحو مستقبل نفتخر ويفتخرون به. لنقل إن في هذه العبارات صحة إلى حد ما, ولكن ينسى الجميع أننا كأولياء أمور ومسؤولين ومستثمرين تسببنا في هذا الخلل على مدى العقود السابقة وليسوا هم. إن ما حصل كان بداية من البيت عندما غاب عن دوره بحجة أن "الحياة أصبحت صعبة" و"الوقت أصبح ضيقا" وغيرها من الجمل والأدلة التي نلوي معانيها, متناسين أن جوهر المشكلة يكمن في تغليفنا لهروبنا من الالتزامات بإنكارنا ما علينا من مسؤوليات. ثم يلي ذلك دور المدرسة والجامعة عندما أصبح المدرس أو الأستاذ فيهما مجرد جهاز تلقين, والمدير اهتم بالطابور الصباحي, ورئيس القسم اهتم بمحاضر الاجتماعات, فغابت الأبجديات والمعاني الأصيلة لمقام ودور المعلم. ثم يأتي دور الإدارة العليا في أجهزة الدولة، حيث ترمي بحملها على عدم وجود وظائف أو ضعف المخصصات, ثم تنغمس بل تغمس نفسها في إجراءات العمل اليومية، وتردد بأن "المطلوب كثير" و"الكوادر أصلا غير مؤهلة للعمل" و"هذي مسؤولية تلك الجهة" ... إلخ. ثم يرسم المستثمر الضلع الرابع للمربع بطلبه خريجا لا يتكلم إلا باللغة الإنجليزية ولا يطبع إلا تقارير متخصصة, ويتقن عمل كل ما يكلف به, وكأنه يتوقع منه أن يكون روبوت.
هل هو نسيان أم تناس, أم هي أحلام نصحو بعدها على المآسي؟ لِمَ لا نخصص الوقت للجلوس أو التواصل معهم؟ هل نعلم ما هو احتياجنا فنؤهلهم إلى ما ينفعون به أنفسهم وينفعوننا؟ الدول الصناعية والمتقدمة تضع برامج تدريبية متكاملة للمواطنين كافة لتنمية الوطن ابتداء بالتعريف عن العمل ومواقعه ومخرجاته وفوائده إلى تنمية روح المنافسة في تطوير الذات وحتى كتابة السيرة الذاتية. ثم يضعون معايير لقياس وفحص نتائج هذه البرامج في مدى ترسخ قيم المهنة لدى الشاب, ومدى ما اكتسب من أخلاقيات مهنية يحترم بها الوظيفة والموظفين والمستفيدين كبيئة عمل متكاملة تشكل له مصدر الرزق. ولا بأس لديهم من رصد المبالغ، ويحسبون ذلك حسابا دقيقا فما إن يبدأ الشاب في تكوين نفسه يعيد جزءا مما صرف عليه لإشعاره أنه صرف على نفسه بتعليم نفسه. وطالما أن هذا يكاد ينعدم لدينا في المحطات الأربع فإن إلقاء اللوم على الشباب الآن سابق لأوانه. لذلك دعونا نقلب الصفحة ونبدأ صفحة جديدة, شريطة أن تكون الجهود مبنية على تنسيق وتخطيط جماعي. لنبدأ العناية بهؤلاء الشباب بتنمية ثقافتهم المهنية، والاهتمام بتعريفهم بماهية المطلوب منهم وتأهيلهم للخدمة، ومن ثم تطوير قدراتهم فيما بعد. سيكون ذلك أول حافز تشجيعي لهم ليصبحوا "أيدي عاملة لا أيدي خاملة". لِمَ لا نخصص لهم الملايين الآن؟ إذا علمنا أننا سنجني بهم المليارات فيما بعد. هم يريدون منا أن نتحرى كيفية استخدام السلطة الإدارية لا التسلط الإداري, فنرفض الفوضوية ونتبنى التقدير بالإنتاجية. لنجعلهم لنا شركاء لا أبناء فقط, فنستبدل بالإهمال الاهتمام, وبعدم التخطيط تفعيله, وبسوء التنفيذ بجودته. ولا بأس من أن نتعلم كيف نخلق الفرص لهم ليتعلموا كيف يحافظون عليها, فما هم إلا امتداد لنا في المستقبل.
إذا كان هذا ما يخص خريجي وخريجات الجامعات والكليات الجامعية والمتوسطة والمعاهد المهنية, فماذا عن أكثر من 190 ألف طالب وطالبة سينتقلون من الصف الثاني إلى الصف الثالث الثانوي؟ هؤلاء الشباب المتقد من المتحركين في الصفوف الثانوية وينتظرون تخرجهم بعد عام, يبحثون عما يشغل وقتهم في الصيف ويؤهلهم لغويا للسنة الثالثة أو مهاريا ومهنيا ليكونوا أفضل عند التحاقهم بأي من جهات التعليم العالي أو إذا خرجوا إلى سوق العمل. أعتقد أننا في حاجة إلى إعداد الخطط لاستيعاب 70 في المائة من هذه الأعداد على الأقل وفي مناشط مختلفة. هذا يعني أن المراكز الصيفية بتواضع أعدادها التي لا تزيد على 126 مركزا تقريبا على مستوى المملكة, وتواضع برامجها ومحدودية بيوت الشباب لن تستوعب الأعداد، ولأن الإجازة الصيفية ستكون 90 يوما (وما أطولها!!), فإن المدة ستكون مملة بقضائها في المسابقات والحوارات المتكررة كل عام. وبالتالي قد أقترح أنشطة حيوية مختلفة كالتالي:
فئة يمكن استيعابها في برامج السياحة المختلفة, وفئة يمكن أن تساند الأمانات في تشجير المدن والقرى. ففي بريطانيا مثلا تقوم شركات عالمية بتقديم عروض في الصيف توظف فيها مثل هؤلاء الشباب في تجميل الحدائق، بل بنائها بالكامل وتشكيلها، ومن ثم إعداد مسابقة لاختيار الأجمل منها بهدف تعويدهم الابتكار والتجديد، والهدوء والصبر على تحمل أعباء الحياة. فتكسب المدينة رئة ومتنفسا جديدا, ويكسب الطالب خبرة ومبلغا ماليا يعينه في عامه التالي, وتكسب الشركة انتشارا لاسمها وأسهمها.
فئة يمكن أن تستفيد منها الرئاسة العامة لرعاية الشباب في فتح القنوات مع الشباب العربي في التواصل الحواري، وتنشيط الأفكار التنموية والاستفادة من بيوت الشباب في هذا الجانب.
الماهرون في استخدام الحاسب يمكن أن يستفاد منهم في مراكز الأبحاث الوطنية لجمع بياناتها وتكوين قواعد بياناتها المطلوبة لمستقبل الدراسات التطويرية والتنموية الاجتماعية. كما يمكن تشغيل ذوي التميز المهني الحرفي وتطوير مهاراتهم تمهيدا لإحلالهم تدريجيا في هذه المهن للحفاظ على التراث وإبرازه بأيدٍ شابة ووطنية.
يمكن الإفادة من البنين والبنات في التدريب على التوعية الصحية لتعزيز برنامج الصحة للجميع.
قد تكون برامج الفتيات مختلفة إلا أن المشغولات والمصانع النسيجية إحدى القنوات التي ستجعلهن مبدعات إذا ما علمنا أن البنات اليافعات اللائي عشن في الدول الاسكندنافية فكرن في حياكة ملبوسات رياضية خاصة لهن كمسلمات تمكنهن من ممارسة الرياضة. وها هن الآن بدأن يقمن ببعض التجارب على الأنواع النسيجية وتصميم الملبوسات بأسلوب مختلف لترويجه عالميا لمعرفة مدى ملاءمتها أو مدة تحملها أو أنسبها لممارسة الرياضة بها في الظروف الجوية المختلفة.
ليس هذا كل ما يمكن اقتراحه لشبابنا في الصيف, فأنا متأكد أن في جعبة المسؤولين والمستثمرين والمفكرين ما سيتوهج به صيف الشباب ويرفع من هممهم التي أراها منخفضة الحرارة.