الاقتصاد السعودي: القيادات الاقتصادية والمالية
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
قبل أيام قليلة عين السيد هنري بولصن رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في قولدمان ساكس (أحد أبرز البنوك الاستثمارية في نيويورك) وزيرا للخزانة الأمريكية وهو ثالث شخص ينتقل من إدارة شركة كبرى إلى هذه المسؤولية في فترة الرئيس بوش، حيث سبقه رئيس شركة الكوا للأمنيوم وشركة مواصلات، فالسيد بولصن هو الوحيد من مؤسسة مالية. كما ذكر أن السيد بولصن تنازل عن وظيفة ذات دخل عال, حيث كان دخله عام 2005م نحو 38 مليون دولار ليقبل بوظيفة وزير براتب قدره 180 ألف دولار سنوياً، أي أقل من 1 في المائة من دخله السابق، وذكر أن ما دفعه إلى القبول هو قوله إنها مسؤولية أخلاقية أن يخدم بلاده بعد أن حقق نجاحات عملية ومالية.
دفعتني متابعة هذا الخبر إلى التفكير في كيفية إعداد القيادات لدينا، ليس من سبيل المقارنة فقط ولو أن هذا ضروري أحياناً لأننا لا نعيش في فراغ بمعزل عن العالم حولنا ولكن أيضاً في محاولة لاستقراء واستطلاع آفاق فرص التقدم لدينا. المقارنات النظرية التي تبحث عن تطابق وتماثل ليست عملية بل قد تكون ضارة أحياناً، لذلك علينا تحسس مرحلة الاقتصاد السعودي وعمق تجربة تطور القوى البشرية ورغبتنا في تسلق سلم التنمية والتطور الاقتصادي فهذه هي ما تحدد رغبتنا في تعاملنا مع التغير.
يلاحظ المراقب أن الغالبية العظمى من المسؤوليات القيادية لدينا في الجهاز البيروقراطي وخاصة في المجال الاقتصادي والمالي تأتي من الأجهزة الحكومية دون تجارب في قطاعات خاصة أخرى أو من القطاع الأكاديمي فهؤلاء يأتون في الغالب دون سابق خبرة والبعض منهم ليس لديه سجل عملي يدافع عنه. القليل جداً يأتي من القطاع الخاص.
ليس القصد هنا التقليل من تجربة البعض في العمل الحكومي ولا قدرة بعض الأكاديميين على الفهم السريع والتعلم واختصار المسافات، ولكن تجارب القطاع الخاص بما فيها من ربحية وخسارة لا ترحم وأداء أكثر وضوحاً وشفافية وأكثر دقة في التميز بين من يستطيع أن يسهم ويفيد البلاد ومن يتعلم على حساب حاجة المملكة للسرعة والتكيف مع الاقتصاد العالمي الجديد. المرحلة الجديدة بما فيها من تعقيدات واستحقاقات تتطلب قدرة على القرار السريع بمعلومات قد لا تكون كاملة, لذلك تحتم علينا تجنيد أفضل الطاقات. الصفة الملازمة للبيروقراطي هي أن لديه رغبة جانحة في الهدوء وتفادي المخاطرة بأي قرار شجاع وأي مبادرة نافعة، لأن التجربة علمته أن التكيف وتفادي المسؤولية المباشرة هو الطريق الأسلم للحفاظ على الوظيفة وعدم إزعاج أحد ولو على حساب المسؤوليات الأخلاقية والمهنية. فالبيروقراطي المتمرس يراهن غالباً على السلامة على حساب العمل والوطنية.
تاريخياً لازمت الاقتصاد السعودي صفة مجيء القيادات من القطاع الحكومي والجامعات لأن القاعدة البشرية كانت صغيرة في القطاع الخاص ولم تكن هناك مؤسسات مالية كبيرة وذات عمق إداري وتجربة طويلة لكي تتمكن من إعداد الكوادر القيادية والفنية القادرة، ولكن بعد تجربة العقود الثلاثة الماضية دخل الاقتصاد السعودي مرحلة جديدة. تغير الاقتصاد السعودي أفقيا فكثرت القطاعات والمؤسسات الحكومية ورأسياً حيث تعمقت الحاجة للتخصص, بالإضافة إلى تداخلات الاقتصاد الوطني مع الاقتصاد العالمي مما توج بدخول المملكة كعضو في منظمة التجارة العالمية ورغبة المملكة في تشجيع وجذب الاستثمار الأجنبي. لدينا اليوم مؤسسات حكومية متخصصة لمراقبة وتنظيم قطاعات كثيرة فهناك هيئة سياحة وهيئة سوق المال وهيئة غذاء ودواء وهيئة مواصفات ومقاييس وهيئة للكهرباء والماء وهيئة اتصالات ومعلومات وغيرها من الهيئات المتخصصة. هذه البيئة الجديدة تتطلب أنماطاً جديدة من القيادات. في المدى الطويل لا شك أن تغير أساليب التعليم هي نقطة البداية الأساسية، وقد لفت انتباهي حديث الأمير خالد الفيصل في حفل وضع حجر الأساس لجامعة الفيصل حتى قال سوف نركز على التعلم وليس التعليم فالأول حديث عن القدرة على التفكير والإبداع والثاني على التلقين وخزن المعلومات الموجودة على قرص ممغنط لا تتعدى قيمته 5 ريالات، وبعد ذلك بناء الخبرة والتجربة وقياس الإنتاج في قطاع الأعمال الخاصة. الكثير من المؤسسات الحكومية يحتاج إلى هزة خارجية وهذا يأتي من قيادات جديدة من بيئة جديدة.
يفضل أن تتاح فرصة لمن نجح في القطاع الخاص بأن يخدم القطاع العام وأن يكون هناك تلاقح في الخبرة بين القطاعين. فالتلاقح يعمق خبرة الجميع ويثري المجتمع. وصول قيادات من القطاع الخاص إلى مؤسسات حكومية ليس فقط على رأس الهرم بل في الطبقات الوسطى من القرار الحكومي سوف يعمل على تغيير أنماط الإدارة وتقريب طبيعة القرار الحكومي البطيء إلى واقع العمل والأعمال في القطاع الخاص. إحدى الملاحظات أن النظام الإداري السائد اليوم يعطي كبار الموظفين في الحكومة حافزا لعدم العمل في القطاع الخاص, حيث إن من وصل إلى رتبة عليا يستمر في التمتع بها حتى بعد ترك الوظيفة لذلك يفضل أنه كما في الغرب أن تفقد ما يأتي مع المسؤولية بعد تركها كالراتب مثلاً، فيفقد القطاع الخاص الوطني تجربة هؤلاء. أحد المظاهر الحديثة الإيجابية هي وصول عدد لا بأس به من السعوديين إلى وظائف ومسؤوليات كبيرة مع شركات عالمية إقليمياً ودولياً. يحبذ أن تستفيد الحكومة والاقتصاد الوطني من تجربة هؤلاء. لن يمانع البعض في رد الجميل لبلادهم والعمل في وظائف حكومية لفترة محدودة، وبذلك يستفيد الاقتصاد السعودي من بعض عناصره البشرية القادرة على العطاء.