رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حتى في الدول المتقدمة..

كلما تطرقنا في إعلامنا أو مناقشاتنا أو كتاباتنا لشأن من شؤون حياتنا الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية، ثم اتضح لنا حجم السلبيات والنقائص لجأنا إلى الهروب من مواجهة الحقائق إلى الاحتجاج بأن مثل ذلك يوجد حتى في الدول المتقدمة كأمريكا وأوروبا!
إن كان حديثنا عما يشوب مجتمعنا من تخلف وعدم انضباط والتزام بالأنظمة والقوانين والاستهانة في مراعاة الصالح العام في التعامل مع الطريق والمرافق وفي علاقات التواصل المتحضرة مع بعضنا البعض، أو كان منصبا على مشاكلنا الأسرية، ظواهر العقوق، المشاحنات، الجفاء الأسري، العنف وحتى الجرائم الجنائية فيها. فما أسرع ما نقول: هناك أيضا جرائم وحوادث عنف وسطو واغتصاب وتحلل أخلاقي وتفكك أسري ومآس لا حدود لها في أمريكا وأوروبا.
وننسى أو نتناسى أنهم من ناحية يعترفون بكل ذلك على مدار الساعة، يجندون لعلاج هذه المشاكل الخبراء والدارسين والمفكرين والعلماء في كافة الاختصاصات لتشخيص كل حالة على حدة وتقديم الحلول والآليات التي تسهم في الخلاص منها أو التخفيف من حدة وجودها أو تعقيداتها، من خلال الدورات والزيارات التي يقوم بها الإختصاصيون الاجتماعيون والنفسيون أو المصحات والتثقيف العام. فضلا عن أن ما نقوله عن الغرب يتناقض مع ما نراه ونسمعه ونلمسه ونحسه، فلو كان الغرب منحلا منهارا داعرا ولو كانت الأسر الغربية متفككة لما أصبح يتحكم في صيرورة إيقاع حياتنا من منبه الساعة في الصباح مرورا بكل دقائق أدوات وأجهزة ومواد حياتنا الخاصة والعامة العملية والرفاهية إلى مصباح الضوء الذي نطفئه ونحن نأوي إلى فرشنا.
وإذا تحدثنا عن أزماتنا الاقتصادية وعن المشاكل التي تنجم عن عدم قدرة مؤسساتنا الاقتصادية على استثمار الموارد البشرية والطبيعية وغير الطبيعية لخلق اقتصاد صناعي قوي مؤثر، لا يستهلك نفسه، لا نتردد في الاستشهاد بما يعانيه الغرب من تضخم وديون وعجز في ميزانياته وفقر وبطالة وأن الناس مستنزفة دخولهم بالضرائب والرهونات والتأمينات، ثم ننسى أو نتناسى أن بلدانهم كالحدائق العامة وبيوتهم محطات استراحة لأن ما خارجها متاح لهم، وأنها دول تقود ولا تقاد، تساعد وتستثمر ولا تلهث لاستجداء المساعدات واستحلاب الاستثمار، ولا ترقد مثل العرب على أضخم ثروات العالم الطبيعية وأعظم آثاره وأحسن مواقعه ومع ذلك فالتضخم، العجز، الديون، الأمية، الفقر، والبطالة تستشري فيها وتحتل مراتب مزرية بين الأمم.
ومتى ما جرى الحديث عن الفكر والثقافة والوعي يتبرع بعضنا بالتأكيد على أن ثقافتهم مادية نفعية ينخرها الابتذال والجنس والمخدرات وأنهم يعانون فراغا روحيا وأزمات نفسية طاحنة وننسى أو نتناسى أننا نحن العرب والأعراب نتكالب على الأفلام الغربية في السينما والفضائيات والروايات والكتب المترجمة ونحرص على ابتعاث أولادنا للغرب والذهاب معهم إن أمكن ولو للنزهة!!
كما لا نود الإقرار بأن كتب الاجتماع، النفس، الفلسفة، العلوم البحتة والتطبيقية، الأدب، الفن، النظريات الفكرية والسياسية والاقتصادية، وكل ما بين أيدينا وأيدي العالم معنا في مجمله ثقافة غربية أو قائم عليها.
فهل نخر الجنس والفراغ الروحي كل ذلك ومعه أكثر من عشرة آلاف جامعة وآلاف المراكز البحثية والمعاهد والمكتبات وكلها تنتج معرفة وعملا لا تترك للفراغ في أرواح البشر هناك فرصة للوجود فيما مجموع دولنا العربية يلعلع في روحها الخواء وهي لا تنتج قدر (1 %) مما تنتجه إسبانيا وحدها في العام الواحد.. فعن أي فراغ روحي نتحدث؟!
المؤسف أننا فوق ذلك، وحين تحاصرنا الحقائق الدامغة لا نتردد في المغالطة والصراخ، منددين بما في الغرب من فساد، مشيرين للفضائح التي تنشرها وسائل الإعلام عن سلطاته وعن المسؤولين ورؤساء مجالس الشركات والمديرين والرشا والصفقات غير الشرعية .. إلخ، لكن صراخنا ينسى أو يتناسى أننا ندين أنفسنا، لأن مجرد إقدام وسائل إعلامهم على فضح هذا الفساد، دليل على يقظة الرأي العام، علاوة على أن الفاسدين هناك غالبا ما ينتهون إلى السجن وينالون عقابهم .. فسلطة ريتشارد نيكسون كرئيس لدولة عظمى وقوة ونفوذ كبار مسؤولي مؤسسة "إنرون" لم تشفع لهم لكي يغنموا من فسادهم، بل تم طرد الأول وحوكم الآخرون".
وبعد.. هل نحن مسكونون بمديح الجانب المظلم من القمر والتغطية على الجزء المليء من الكأس؟ يبدو الأمر أشبه بهذا.. وإلا لماذا نستميت في التغطية على عاهاتنا بسلبيات الغرب؟ كان الأروع لو أصابنا مس بريق الجانب المضيء من القمر وفتحنا أعيننا على الجزء المملوء من الكأس، لربما حدث ما ليس في الحسبان فأصبح الغرب يقول عنا: حتى عند العرب يوجد كذا.. وكذا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي