هل وقع اكتتاب طيبة في فخ اكتتاب الدريس؟
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
في مقال سابق كتبت تعليقا على الأحداث التي صاحبت اكتتاب شركة الدريس للخدمات البترولية "الدريس" وقلت إنه لم يكن مجرد اكتتاب، بل كان منعطفا مهما وأشرت إلى أهمية دراسة تلك الأحداث وأن القضية لم تكن إقبالا ضخما فاق عدد المكتتبين فيه عدد الأسهم المطروحة، بل كانت, في نظري, قضية تخطيط ومشكلة دراسة واعتبار النجاح أمرا محسوما وتحصيل حاصل. لقد كان النجاح الظاهري يخفي مشاكل عميقة في الدراسة والمناقشة والتخطيط المحكم من قبل كل الأطراف المعنية بدءا من إدارة الشركة مرورا بالمتعهد "ساب" وحتى هيئة السوق التي وافقت على خطة الطرح وتسعيره. كانت القضية بالنسبة للمتعهد تنحصر في إمكانية التصريف والعمولات وبالنسبة للشركة في إقبال السوق وقبول الطرح والهيئة يهمها تعميق السوق لذلك بدت النتائج مضمونة و لم يسأل أحد تلك الأسئلة البسيطة "وما ذا لو؟" وقلت سيكون لهذا الاكتتاب ما بعده، حيث يواجه أي طرح جديد قضايا شائكة جدا وستدخل تكلفة الفرصة البديلة في معادلة السعر، نظرا لحجم الأموال التي تعطلت في وقت كانت السوق في أوج ازدهارها ورونقها وحتى عندما أدرج سهم "الدريس" كانت السوق تعاني ويلات الانهيار.
للأسف وقعت شركة طيبة في الفخ الذي نجا منه اكتتاب الدريس بأعجوبة ألا وهو الاستعجال في الطرح والتخطيط له. ليست القضية عندي مجرد فشل طرح، بل سابقة وأحداث مثيرة تثير العديد من الأسئلة وتوحي بالكثير من الاستنتاجات. لمناقشة هذه النقطة سوف أسأل الأسئلة البسيطة في محاولة لتقييم الأحداث بصورة أكثر تجردا وعلمية. كيف تم تقييم نجاح الطرح والإقبال عليه؟ كيف توقعت الشركة والمتعهد ومعهما هيئة السوق أن المستثمر سوف يقبل على شراء طرح يفوق سعره سعر السهم السوقي أو حتى يعادله؟ كيف حددت وسمحت هيئة السوق بعلاوة إصدار بهذه القيمة مع توقعات التصحيح؟ كيف لم تستطع إدارة شركة مثل طيبة أو متعهد طرح مثل "ساب" التنبؤ بالتصحيح وما تبعه من أحداث على الرغم من كل التحذيرات التي تحدث عنها المحللون والشركات المتخصصة؟ وإذا كنا نعتب على المستثمر الصغير عدم استجابته لكل التحذيرات ونعطيه العذر لأسباب عدة منها قلة الخبرة فكيف لنا أن نجد العذر لإدارة شركة طيبة ومتعهد الطرح؟ ثم وبافتراض أن الشركة كانت مضطرة إلى طرح الاكتتاب خلال فترة التصحيح والانهيار فكيف حدد سعر الطرح بهذه القيمة المغالى فيها بالنسبة لسوق تصحح و في طريقها إلى الانهيار؟ وبافتراض أيضا أن السعر حدد قبل الانهيار فلماذا لم تعط هيئة السوق تحذيرات لشركة طيبة؟ في تجربة مماثلة مرت على السوق المصرية تم فيها إلغاء الاكتتاب تماما بعد أن انحدر سعر السهم السوقي إلى ما دون سعر الطرح فلماذا لم تتخذ الشركة مثل هذه الخطوة لحماية المستثمرين؟
أسئلة كثيرة ومحيرة جدا ولكن يبقى الأكثر غموضا هو ما يتعلق بالسوق نفسها. لقد أعلنت شركة طيبة في نشرة الاكتتاب عن طرح 15 مليون سهم قبل التجزئة (أي 75 مليونا بعد التجزئة) وبسعر قدره عشرة ريالات وعلاوة إصدار 23.60 ريال أي أن سعر الاكتتاب بلغ 33.60. وخلال فترة الطرح كان سعر السهم السوقي يتأرجح بين 32 و47 ريالا, أي أن سعر الطرح كان يفوق سعر السوق في بعض الأيام ويقل عنه في أيام أخرى ومع ذلك فقد تم الاكتتاب في ما يقارب 45 مليون سهم، وهنا يأتي التساؤل حول قدرة السوق على التقييم الصحيح لتكلفة الفرصة البديلة حيث يبدو لي أن المستثمر كان يقارن دوما سعر السوق بسعر الاكتتاب فإذا تجاوز سعر السوق سعر الاكتتاب بعدة مستويات أقبل الجميع على الاكتتاب العكس بالعكس. لحسم هذه النقطة لا بد من تتبع حركة الاكتتاب اليومية وتأثرها بسعر السهم في السوق وأيضا تبقى الأسئلة مفتوحة حول تدخل الصناديق الاستثمارية للبنوك المشاركة في الطرح لرفع سعر السهم حتى يصبح سعر الاكتتاب مغريا لتغطية التعهد على الأقل.
يحتاج الأمر إلى مزيد من الدراسة والتأمل والمقارنة وخصوصا مع طرح شركة الكابلات التي نجح الاكتتاب فيها تماما. يبدو لي أن نجاح اكتتاب الكابلات يعود إلى دقة التخطيط وتوقع الأحداث ومسايرة الواقع حيث تم الطرح دون علاوة إصدار أي بسعر عشرة ريالات. وإذا كانت شركة الكابلات تجنبت علاوة الإصدار لضمان نجاح الاكتتاب فيمكن تتبع مسار اكتتاب شركة مكة في هذه الأيام وهي تطرح اكتتابها بعلاوة إصدار.
وتبقى أسئلة أخرى ادعى للتأمل فكيف تعلن شركة طيبة بعد انتهاء مدة الاكتتاب وتمديداته الاكتفاء بالقدر الذي تم الاكتتاب به وبما يساوي عدد الأسهم المكتتب بها البالغة 47 مليون سهم تقريباً ليصبح هو نفسه رأس المال المكتتب به والمدفوع؟ بل كيف تحدد المبلغ الأول بأنه هو المبلغ الضروري لإتمام برامجها ومشاريعها المستقبلية؟ هل كانت نشرة الاكتتاب خاطئة أم مغالى فيها؟ وكم من اكتتاب مر بهذه الصورة حيث إن الشركة تطلب أكثر مما تحتاج؟ وما الآثار المستقبلية لتضخيم رأسمال الشركة بهذه الطريقة؟ وكم من شركة اليوم متضخم رأسمالها حسب طريقة شركة طيبة ولم تمتلك الشجاعة لإعلان التخفيض.
بقي أن أقول إن علاوة الإصدار سلاح ذو حد واحد إذا عاد على الشركة فلن يرحمها وكم من اكتتاب قتلته علاوة إصداره.