استعدادات لرفع الحظر عن مواشي القرن الإفريقي .. و20 مليون دولار لإقامة محجر جيبوتي
ينتظر أن تستورد السعودية نحو 500 ألف رأس من الأغنام الإفريقية كمرحلة أولى عبر محجر جيبوتي الجديد، وهو المشروع الذي تم إنشاؤه بتعاون سعودي ـ جيبوتي مشترك للحيلولة دون وصول مواش مصابة بالأمراض إلى المملكة.
ويعول تجار المواشي السعوديون وأصحاب محلات بيع اللحوم "الجزارون" كثيرا على هذا المشروع في إعادة الحياة إلى محلاتهم التي كانت تحتضر طيلة سنوات ماضية بسبب نقص المعروض من المواشي الحية في السوق المحلية الذي جاء نتيجة حتمية للحظر المفروض على عدد من البلدان ومنها دول القرن الإفريقي، إلى جانب احتكار استيراد المواشي الأسترالية التي تعتبر المورد الوحيد للسوق السعودية حاليا من قبل بعض المستوردين وبالتالي التحكم في الأسعار.
وتستورد المملكة أكثر من خمسة ملايين رأس من الأغنام والماعز، وأكثر من 42 ألف رأس من الجمال، ونحو عشرين ألف رأس من الأبقار سنوياً.
ويأمل التجار أنفسهم أن يسهم هذا المشروع في فك الحظر وعوده حركة تصدير المواشي الإفريقية "الصومالي" و "البربري" و "السواكني" إلى المملكة، بعدما تسببت فترة الحظر في تراجع حجم التجارة البينية مما تقلص معه الوضع الاقتصادي في دول القرن الإفريقي، وكذلك الوضع بالنسبة إلى السوق السعودية, حيث ارتفعت أسعار المواشي المحلية نتيجة نقص المعروض إلى ثلاثة أضعاف.
وتعمل الشركة المنفذة للمحجر حاليا على وضع الترتيبات النهائية لإطلاق المشروع، إلا أن البدء الفعلي للتصدير سيكون مرهونا بإعلان وزارة الزراعة السعودية رفع الحظر المفروض على مواشي القرن الإفريقي رسميا، وهو بالفعل ما يخطط له الجانبان، بهدف إعادة أواصر الترابط التجاري فيما يتعلق بمجال تصدير الثروة الحيوانية إلى السعودية بعد قطيعة دامت لأكثر من خمس سنوات.
وفيما يتوقع أن يتم تدشين المشروع رسميا مع حلول شهر رمضان المبارك أي بعد ـ 35 يوميا تقريبا ـ فإن هناك وفدا سعوديا متخصصا سوف يتوجه إلى جيبوتي قبل تدشين المحجر بأيام يضم متخصصين في الحجر البيطري في وزارة الزراعة ومسؤولين في وزارتي الصحة والتجارة والصناعة، وذلك للوقوف على الإمكانات الفنية والصحية للمشروع، ومن ثم اتخاذ القرار ووضع تدابير وشروط معينة يتم على ضوئها شحن الدفعة الأولى من المواشي الإفريقية إلى المملكة وبقية دول الخليج.
ويؤكد الشيخ محمد سعيد قايد رئيس مجلس إدارة شركة أبو ياسر الدولية، الشركة المنفذة لمحجر جيبوتي لتصدير المواشي الحية إلى دول الشرق الأوسط والسعودية أنه تم رصد نحو 20 مليون دولار كمرحلة أولى لإقامة المشروع، حيث ستكون هناك مراحل أخرى مستقبلا.
ويبين قايد أن المشروع يقع على مساحة تقدر بنحو 605 هتكارات على بعد عشرة كيلو مترات من العاصمة جيبوتي، وأن طاقته التصديرية تصل إلى نحو خمسة ملايين رأس من الأغنام و200 ألف رأس من الأبقار و100 ألف رأس من الجمال سنويا، حيث يستوعب المحجر أكثر من مليون رأس من الأغنام خلال مدة الحجر التي تصل إلى 21 يوما.
ويقول إن الكثير من التجار والمستثمرين في قطاع المواشي واللحوم يعلقون آمالاً كبيرة على فتح الاستيراد من دول القرن الإفريقي حتى تعود تجارة المواشي إلى سابق عهدها، إذ إن هناك تجاراً يعتمدون في توريد الأغنام على الاستيراد وخاصة لمشروع الهدي والأضاحي التابع للبنك الإسلامي للتنمية الذي ارتفعت أسعار التوريد فيه بنسبة وصلت إلى 200 في المائة مقارنة بالسنوات التي سبقت فترة الحظر.
وأشار إلى أن المشروع سيعمل على التخفيف من حدة المخاطرة الاعتماد على مصدر واحد للمواشي، إضافة إلى تغطية القص الحاصل في السوق المحلية، خاصة أن المحجر سيكون بمثابة بوابه رئيسة لتصدير المواشي الإفريقية من السودان، الصومال، جيبوتي، وإثيوبيا التي تشكل الثقل الأكبر في عمليات التصدير المتوقعة.
وأفاد رئيس مجلس إدارة شركة أبو ياسر الدولية أن المحجر سيقوم باستقبال المواشي من دول القرن الإفريقي كافة، ومن ثم العمل على التأكد من سلامتها وخلوها من الأمراض من خلال إخضاعها لفترة حجر معينة تصل إلى 21 يوما وعمل متابعة دقيقة تحت رقابة صارمة من قبل وزارة الزراعة الجيبوتية التي ستتولى بدورها منح شهادات فحص معتمدة تثبت خلو هذه المواشي من الأمراض، ليتم بعد ذلك تصديرها إلى السعودية والدول الأخرى.
وتسبب حظر المواشي من دول القرن الإفريقي في تدهور الوضع الاقتصادي في تلك الدول، حيث كانت صادرات الصومال إلى السعودية ودول الخليج من المواشي تزيد على ستة ملايين رأس من المواشي سنوياً، يستهلك منها في السعودية فقط أكثر من أربعة ملايين رأس.
ويقول ضياء الدين سعيد بامخرمة سفير فوق العادة ومفوض جيبوتي في الرياض، إن المحجر سيضع حلا جذريا للحظر الذي تفرضه المملكة على واردات دول القرن الإفريقي من المواشي الحية واللحوم، حيث سيكون هذا المحجر الصحي المتطور على مضيق باب المندب مركزا معتمدا لتصدير المواشي واللحوم الإفريقية إلى جميع دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول العربية.
وأضاف قائلا: أن إقامة هذا المحجر ستمكننا من التحكم في جميع صادرات المواشي من دول القرن الإفريقي، بعد أن يتم الكشف عليها بشكل دقيق والتثبت من خلوها من الأمراض المعدية، مشيرا إلى أن العاملين في مشروع الهدي والأضاحي التابع للبنك الإسلامي للتنمية سيكونون من أكثر المستفيدين.
وزاد: إن هذا المشروع يرى فيه المسؤولون في السعودية وجيبوتي الحل الأنجع لتجاوز عقبة استمرار الحظر الذي تفرضه المملكة على مواشي القرن الإفريقي منذ وقوع كارثة حمى الوادي المتصدع قبل خمس سنوات.
وبين بامخرمة أن فكرة المشروع نبعت إثر حظر السعودية المواشي المستوردة من دول القرن الإفريقي بشكل عام وجيبوتي خاصة في أعقاب ظهور مرض حمى الوادي المتصدع الذي أصاب منطقة الجنوب السعودي قبل خمس سنوات.
وتابع: "إنني أرى أن إقامة هذا المحجر أمر مطلوب منذ فترة طويلة بهدف تنظيم التصدير والقضاء على العشوائية ووضع حد للكثير من التجاوزات في عمليات التصدير لمواش مريضة لبعض دول الجوار".
وأشار السفير فوق العادة ومفوض جيبوتي في الرياض إلى أن هذا المحجر سيسهم بشكل كبير في توفير العدد المطلوب من المواشي والتي تلبي احتياجات مشروع الهدي والأضاحي واحتياجات مواسم رمضان والأعياد والحج. واعتبر أن سوق المواشي الحية في السعودية هي إحدى الأسواق الرئيسة للكثير من الدول التي تصدر أغنامها إلى الخارج، حيث تستوعب السوق نحو خمسة ملايين رأس سنوياً نظراً لأن معظم المواطنين والمقيمين يفضلون شراء اللحوم الطازجة بشكل يومي في حين لا تجد اللحوم المبردة الإقبال نفسه.
وأتفق عدد من تجار المواشي وأصحاب محلات اللحوم في الرياض، على أن فسح الأغنام الإفريقية سيؤدي بدوره إلى خفض أسعار المواشي السائدة في السوق المحلية بنسبة تصل إلى 50 في المائة.
وقال سعود الحميد، من كبار تجار المواشي في الرياض، إن الأغنام الإفريقية تجدا طلبا كبيرا من قبل المستهلكين في السوق السعودية، كما إن أسعارها منافسة للأغنام الأخرى المتوافرة في السوق في الوقت الراهن، إذ لا تتجاوز قيمة الرأس الواحدة من الأغنام الإفريقية الـ 200 ريال مقارنة بالأغنام الأسترالية والتي يصل سعرها إلى 400ريال للرأس، والنعيمي 700 ريال.
وقال الحميد إن إقامة محاجر صحية متطورة في الدول المصدرة للمواشي هو الحل الأفضل لاستيراد مواش خالية من الأمراض إلى البلاد، حيث يوجد طلب كبير على هذا النوع من المواشي لدى الفنادق والمطاعم في جميع المدن والقرى السعودية، وهي تحتل مكانه متقدمة في سلم التفضيل في السوق السعودية.
وثمِّن الحميد لوزير الزراعة الدكتور فهد بالغنيم، اهتمامه الكبير بمربي المواشي ودعم المستوردين والتجار لتوفير مواش حيه خالية من الأمراض في السوق، معتبرا أن مساندة وزارة الزراعة لإقامة محجر جيبوتي يدل على اهتمام المملكة بالثروة الحيوانية المحلية والمستوردة بشكل عام وبذلها جهودا جبارة لحمايتها والمحافظة عليها من الأمراض والأوبئة. وقال الحميد "نحن ضد فتح الحدود لاستيراد المواشي من جميع الدول، لكننا نأمل أن تصلنا مواش بطرق أمنة ومدروسة على غرار ما سيتم تطبيقه في القرن الإفريقي".
وعلى الصعيد ذاته اعتبر إبراهيم السميح صاحب محلات للجزارة في سوق اللحوم في الرياض، أن رفع الحظر عن بعض الدول التي زال عنها الخطر ولا توجد فيها أمراض، يعد أحد أهم المحركات الرئيسة للسوق، إذ تعتبر الأسعار الحالية مرتفعة جدا مقارنة بالسنوات السابقة لأن الطلب أصبح أكثر من العرض وهو الأمر الذي جعل صغار التجار يرفعون أسعار المواشي المحلية من الأغنام والأبقار والجمال دون استثناء.
وقال السيمح "إن نقص المعروض أثر بدوره في تجار المواشي الذين خرج أكثرهم من السوق بسبب الخسائر التي تراكمت عليهم"، وأضاف: "إن الحل الوحيد يكمن في توافر كميات كبيرة من المواشي كي تتحرك الأسعار نحو الانخفاض، إذ إنه كلما تم ضخ كميات جديدة في السوق كلما أخذت الأسعار في التراجع حتى تصبح في متناول أيدي المستهلك وفي الوقت نفسه تحقيق هامش ربح جيد للتاجر".
أما فهد ناصر السليم، وهو مستثمر في قطاع اللحوم في الرياض، فهو يقول إن نقص المعروض في السوق المحلية جعل السواد الأعظم من الجزارين يتجهون إلى شراء الضأن والماعز والعجول الكبيرة في السن وذات الأوزان المرتفعة بأسعار قد تكون مقبولة كي يستطيعوا تحقيق هامش ربح معقول يمكنهم من ممارسة نشاطهم التجاري، لكن "في أغلب الأحيان لا تجد قبولا من المستهلك كونها تحتاج إلى فترة أطول للطهي ولا تناسب طلب الكثير من الزبائن".
وزاد: "وقف الاستيراد وحالة النقص التي تشهدها سوق اللحوم دفع بعض أصحاب المحلات إلى شراء الأبقار "العجول" من مزارع الألبان في الخرج بأسعار مرتفعة جدا وبالتالي عرضها بأسعار مرتفعة أيضا مما يجعل المستهلك ينصرف عنها ويتهمنا بالغلاء والغش".
وتحدث السليم عن تجارته وأن سوق الجزارين في الرياض كان يستقبل أكثر من خمسة آلاف رأس من المواشي يوميا، والآن لا يتجاوز عدد المذبوح فيه الـ 100 رأس فقط، معتبرا أن ذلك يعد تراجعا كبيرا في نشاط السوق وحيويتها.
وفيما يتعلق بمحجر جيبوتي ورفع الحظر عن القرن الإفريقي، دعا السليم إلى أن تكون الأغنام المستوردة من إفريقيا ذات مواصفات جيدة ترضي المستهلك، من خلال الاستفادة من الإمكانات البيطرية الحديثة التي يوفرها محجر جيبوتي الذي تشرف عليه الجهات الرسمية في جيبوتي.
واقترح السليم على الجهات المعنية في وزارة الزراعة أن تشترط على جميع الدول التي تصدر المواشي إلى السعودية إقامة محاجر مماثلة بعد التثبت من نجاح المشروع بهدف دخول مواش خالية من الأمراض، وكذلك السيطرة على مشاكل الحظر المتكررة التي دائما ما تضر بالسوق بشكل كبير، خاصة في موسم الإجازات وعيد الفطر والحج.