ماذا يحمل المستقبل للمستثمرين في سوق الأسهم؟

ماذا يحمل المستقبل للمستثمرين في سوق الأسهم؟

بعد هذا الارتفاع المبالغ فيه الذي وصلت إليه السوق قبيل 25 شباط (فبراير) الماضي، وبعد أن هُمشت جميع النظريات الاقتصادية والأدوات الأساسية للتحليل المالي أصبحت القوائم المالية للشركات هي مجرد "دقة قديمة" لا تعني ولا تشير بالضرورة إلى الأسعار العادلة أو إلى الاتجاهات السعرية للشركة. قد جفت أقلام بعض المحللين (لأن البعض الآخر كان مشغولاً في البحث عن مستويات الدعم والمقاومة) الذين حذروا من كارثة حتمية ستصيب السوق، لكن في المقابل أصبح البعض يقول كما قال اليابانيون قبل انهيار مؤشر نيكاي عندما وصلت مكررات ربحية بعض الشركات إلى 100 و 200 مرة "إنها الإمبريالية المالية اليابانية العظمى"! لكن بعد 1989 أيقن اليابانيون أن إمبرياليتهم لم تكن سوى فقاعة! وبعد انهيار سوقهم بدأت مرحلة إعادة الحسابات وتقييم الاستثمارات وما أجمل أن يتعلم الإنسان من خطئه. فهل أيقنا نحن أن الارتفاع الذي عايشناه كان مجرد فقاعة؟ وبعد ما يقارب ستة أشهر من انهيار السوق السعودية يبقى الهاجس الأول لدى الكثير من المستثمرين هو معرفة ماذا تحمل السوق السعودية للمستثمرين من مفاجآت؟ هل سيسترد ما خسره (ما يقارب 45 في المائة إلى ساعة كتابة هذا المقال)؟ للإجابة عن هذا السؤال سأعرض بعض المعطيات الاقتصادية والتاريخية ومستوى الحالة النفسية للمستثمرين وسأترك الجواب للقارئ!.
1- لعل أعظم وأكبر انهيار بكل المقاييس شهده التاريخ هو انهيار سوق الأسهم الأمريكية. وصل مؤشر داو جونز Dow Jones إلى أعلى نقاطه (386 نقطة) في أيلول (سبتمبر) 1929. وبقي المؤشر أقل من أعلى نقطة كان قد وصل إليها لمدة 25 سنة أي أنه استرد ما خسره بالقيمة الحقيقية في تشرين الثاني (نوفمبر) 1954. وفي بداية الثمانينيات تعرض مؤشر نيكاي إلى موجة ارتفاع سعرية وسجل في 29 كانون الأول (ديسمبر) 1989 أعلى نقاطه (38.915.87 نقطة) وبعد 17 سنة أي إلى يومنا هذا لا يزال مؤشر نيكاي أقل بنسبة 60 في المائة مما قد وصل إليه في نهاية الثمانينيات.
وها هو التاريخ يعيد نفسه في السوق الأمريكية فقد قفز مؤشر "ناسداك" إلى مستويات سعرية مرتفعة جداًً بقيادة شركات التكنولوجيا والإنترنت، وقد سجل أعلى نقطة له 5048.62 نقطة في العاشر من آذار (مارس) 2000. وبعد ست سنوات من الانهيار الذي تعرضت له السوق لا يزال مؤشر "ناسداك" عند ما يقارب 2066.99 أي أقل مما حققه في عام 2000 بـِ 59 في المائة. بعد هذه النبذة التاريخية عن أهم الأسواق المالية فهل ستتعافى السوق وتعود إلى مستوياتها فيما قبل الانهيار قريباً!؟
2- رفع سعر الفائدة في السعودية مرتبط بشكل مباشر برفع سعر الفائدة على الدولار الأمريكي وذلك بسبب اتباع نظام سعر الصرف الثابت بين الريال السعودي والدولار، وبذلك يتعين فهم المتغيرات الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية للتنبؤ بحركة سعر الفائدة في المملكة. يتخذ البنك الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي الأمريكي) سياسة رفع سعر الفائدة منذ حزيران (يونيو) 2004 في محاولة للحد من ارتفاع معدلات التضخم، رغم أن لجنة السوق المفتوحة لم تعلن هذا الشهر عن زيادة معدل الفائدة، بل قالت إنها ربما تقوم بذلك في أيلول (سبتمبر) المقبل. فإذا تم ذلك فسيكون له أثر سلبي في تقييم أو تسعير الأصول Asset Valuation بنوعيها: الأصول المالية والأصول المادية. فكما تنص النظرية الاقتصادية في تقييم الأصول على وجود علاقة عكسية بين سعر الفائدة وأسعار تلك الأصول وذلك ناتج عن مبادئ تكلفة الفرصة البديلة. فالأسهم على سبيل المثال ترتبط عكسياً بمعدل الفائدة فإذا ارتفع سعر الفائدة انخفضت قيمة السهم والعكس صحيح ولا تنطبق هذه النظرية على سوق الأسهم فحسب بل على السندات والأصول المادية أيضا. أضف إلى ذلك أن البنوك التجارية والشركات ستقل ربحيتها بسبب ارتفاع تكلفة الودائع بالنسبة للبنوك، أما الشركات فزيادة سعر الفائدة ستزيد من تكلفة رأس المال Cost of Capital وبذلك تكون عملية الدخول بأي مشروع مكلفة وإن كانت مربحة. وهذا ما يعرف أيضا بتأثير طرد الاستثمارات Investment Crowding out Effect وبذلك ستكون الربحية المستقبلية المتوقعة للشركات أقل (هذا ينطبق على شركات العوائد فقط لأن شركات المضاربة لم تكن لها ربحية تذكر!). وبهذا يكون ارتفاع سعر الفائدة عاملا سلبيا على حالة السوق الكلية والجزئية المتمثلة في ربحية الشركات. ومع استمرار توقع المحللين الاقتصاديين وشريحة لا بأس بها من المستثمرين باحتمال رفع سعر الفائدة إلى معدلات أعلى في المستقبل القريب، فهل ستتعافى السوق وتعود إلى مستوياتها فيما قبل الانهيار!؟

3- بعد الانهيار الذي شهده المستثمرون في سوق الأسهم السعودية ومرورهم بتجربة لا يحسد عليها أي مستثمر، يفترض أن يصحح المستثمرون تقييمهم للمخاطر. وذلك سيكون عن طريق رفع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون جراء استثمارهم في السوق. وبما أن ارتفاع علاوة المخاطر يؤثر عكسياً على سعر الأصول، فهل ستتعافى السوق وتعود إلى مستوياتها فيما قبل الانهيار قريباً!؟

4- لا تزال ذاكرة الانهيار وأزمة السوق المالية التي حلت علينا عالقة في ذهن المجتمع عامة، ناهيك عن ردة فعل هيئة السوق المالية التي رفعت أياديها وتركت الحال يتجه جنوباً دون أي ظهور إعلامي! مما جعل صغار المستثمرين يفقدون الثقة في عمل ودور الهيئة وأنا بالطبع لا أطالب بتدخل الهيئة في قوى العرض والطلب، بل أطالبهم بمزيد من الشفافية في ذاك الوقت الذي كان المستثمرون في أشد الحاجة إليه. فأصبحت حساسية المستثمرين جداً عالية، وما شهدناه من تذبذب وردات فعل غير مبررة في الأسابيع القليلة الماضية خير برهان. فبعدما يقارب ستة أشهرلا تزال هذه الذكرى الأليمة عالقة في أذهانهم وهم بحاجة إلى فترة زمنية قد تفوق عدة سنوات لكي يتخلصوا من هذه الذكرى وتعود الثقة بهيئة السوق المالية بقيادتها الجديدة، واستكمالها لبناء وتطوير القواعد الأساسية والتنظيمية للسوق المالية.
فبعد هذا الطرح هل يعتقد القارئ أن السوق ستتعافى وتعود إلى مستوياتها فيما قبل الانهيار قريباً؟

الأكثر قراءة