رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


قيادات مميزة.. وسر النجاح

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

في مجلس ضمني بنخبة من القيادات المتميزة في قطاع الأعمال في المنطقة الشرقية يمثلون بحق الجيل الجديد من رجال الأعمال، جيل كسر قيود نمط التفكير التقليدي في التجارة وعالم الأعمال فلم يعد يكفيهم تسجيل أكثر ربحية بأسرع وقت وأقل مخاطرة والاستكانة إلى أوضاع قائمة قد تكون مفيدة ومرغوبة في المدى القصير، لكن ليس بالضرورة في المدى الطويل. لذا تجد وأنت تتحدث إليهم عن موضوعات اقتصادية شتى أن همهم ليس الانخراط في اللعبة وإتقانها وتحقيق الربحية المنشودة ولكن تغيير قوانين اللعبة ذاتها! والارتقاء بقطاع الأعمال والتعاملات التجارية والبحث عن الجديد ليس في المنتج وحسب، ولكن بإيجاد بيئة اقتصادية تفسح المجال لخيارات وبدائل أكثر في عملية صنع القرار للمستثمر والمستهلك. وهذا بلا شك يحتاج إلى فكر نير ومبادرات شجاعة واطلاع واسع وقدرة على التعلم والاستفادة من التجارب وربط المتغيرات والتحليل المنطقي ولكن أهم من ذلك كله في اعتقادي هو الذكاء العاطفي بما في ذلك معرفة الذات والتحكم فيها، التحفيز الذاتي، التحكم العاطفي والمهارات الاجتماعية. فهم لا يعيرون الأمور الشكلية أي اهتمام في التعامل مع الآخرين ولا يضعون حواجز نفسية ولا يتقوقعون داخل زيف المركز الاجتماعي ولا المستوى الاقتصادي، يهمهم المقال لا القائل, تركيزهم الدائم على الموضوع ونقاشهم حول الموضوع ينصتون بكل حواسهم إلى المتحدث أيا كان في محاولة لاستخلاص فكرة أو فهم حكمة جديدة. إنهم يعيشون الحياة بكل أحاسيسهم وعواطفهم وقيم ومبادئ متأصلة فيهم ثابتة لا يغيرها الزمان ولا المكان، فهم ليسوا إمعات ينساقون وراء ما يقوله الآخرون بل لديهم ثوابت لا يحيدون عنها, فتجد سلوكياتهم وتصرفاتهم هي ذاتها في جميع المواقف لا تهزهم الأحداث ولا تغيرهم صروف الليالي والأيام. هكذا أدركوا معاني الحياة الحقيقية طعما ورائحة لا يصدهم عن ذلك ترف ولا تعال ولا جاه. وهذا في ظني ما يجعلهم قيادات ناجحة, لأن صفاء النفس وحسن الخلق والثبات على المبادئ جميعها تؤدي إلى وضوح الرؤية وسلامة التفكير، لذا وأنت تستمع إلى حديثهم عن المستقبل تخالهم وكأنهم قد أطلوا من نافذة على المستقبل فراحوا يصفون ما يجب عمله والمشاريع المطلوبة وكيفية تحقيقها. إنها مهارة وقدرة لا يستطيع عليها أحد إلا أولئك النفر الذين أنعم الله عليهم بنعمة الخلق والفكر والمال فجمعوا بينها وجعلوها في مرضاة الله.
وكم هي الحاجة إلى هذا الصنف من رجال الأعمال القادرين على استشراف المستقبل والعمل على تحقيق أهداف اقتصادية تنقل الاقتصاد الوطني إلى آفاق أرحب ومجالات أوسع. إنهم رأس المال البشري أغلى ما يملكه أي مجتمع وهو الفارق الحقيقي بين الأمم وسبب التفاوت في مستوياتها الاقتصادية. إن أي اقتصاد في هذا الكون هو نتاج حزمة كبيرة من الخيارات وسلسلة طويلة من القرارات بمستويات متفاوتة، تبدأ بالكبيرة الرئيسة الحاسمة التي منبعها عقل وتفكير وتوجهات رجال الأعمال، وكلما كان تفكير ودافعية ورؤية رجال الأعمال طموحة تتناول القضايا الاستراتيجية بعيدة المدى وتهيئ لمناخ اقتصادي يكون مربحا للجميع وتهتم للإسهام في تطوير الاقتصاد الوطني وتنميته كان ذلك في صالحهم وصالح الأجيال المقبلة. بمعنى آخر لا يغرقون في الجزيئات والمصالح الذاتية الآنية ويغفلون عن توجيه الاقتصاد وأنشطته نحو تنمية مستدامة، تنمية تقوي وترتقي بالاقتصاد الوطني لا تنمية هشة استهلاكية. بطبيعة الحال هذا يتطلب النظرة الجماعية للقضايا والأوضاع الاقتصادية وأن هناك مصلحة مشتركة يلزم تحقيقها في السعي إلى تكبير الكعكة الاقتصادية ليستفيد الجميع بحصص أكبر.
من هنا كان الاهتمام بإعداد القيادات الإدارية في القطاعين العام والخاص أمرا في غاية الأهمية إذ تقع على عواتقهم مسؤولية اتخاذ القرارات الحاسمة والمهمة، وهي ذات تأثير يطول الجميع ويستمر ردحاً من الزمان وتكاليفها باهظة والأهم أنه لا تراجع عنها. ولذا كان من الضروري إيجاد نظام يستكشف القيادات المميزة في القطاعين العام والخاص ليستفاد منها في المناصب القيادية أو المجالس واللجان والاستنارة بآرائها . كما أنه بات من الضروري فسح المجال أمام الشباب وإعطاء الفرصة لمن يتوسم فيهم القدرة القيادية بما في ذلك من مهارات ذهنية وفكرية وقدرة على التحليل وفهم المتغيرات والربط بينها, إضافة إلى النضج الثقافي والقدرة على موازنة الأمور. إن إيجاد قاعدة بيانات تضم معلومات عن قيادات لها نجاحات في مشاريع ومواقع وقطاعات مختلفة قد يكون الخطوة الأولى في المسعى نحو استكشاف القيادات المتميزة ومن ثم جاهزية المعلومات عنهم في حين الحاجة لشغل مناصب قيادية.
إن أهم ما تجلبه القيادات لمكان العمل هو الأفكار الجديدة وأسلوبها القيادي الذي يحفز العاملين نحو تحقيق هذه الأفكار الجديدة وجعلهم يتحمسون لها. إن القدرة على إحداث تغيير نوعي في نمط التفكير والتجديد في كيفية أداء الأشياء ووسائل اتخاذ القرار والاعتماد على النتائج في تقييم الأداء في مكان العمل هي ما يجب أن نلحظها ونقيم أداء القيادات عليها وليس العمل الروتيني وتطبيق الإجراءات. إن هناك فرقا واضحا بين أدوار الإدارات الوسطى وأدوار القياديين، ومن هنا كان لزاما عدم الخلط بين القدرات القيادية والقدرات الإدارية وإلا لن نستكشف القيمة الحقيقية للقيادات والتمييز بينها وبين القيادات الوسطى. إن الخبرة العملية حتى ولو دامت مدة طويلة في أعمال روتينية لا تتطلب الإبداع والابتكار لا تعكس بالضرورة خبرة قيادية، إذ إن المحك الرئيس هو الخبرة في إحداث تغيير نوعي ووضع رؤى وتصورات مستقبلية لما يجب عمله. إن ما يعاب على بيئة العمل في السعودية هو التركيز على الكفاءة الاقتصادية وتغييب مقياس الفاعلية. فهناك اهتمام كبير بتنفيذ الإجراءات والعمليات الإدارية، ولربما وصف المدير بأنه مدير نشط يشار إليه بالبنان لأنه يبذل جهدا وطاقة في الأعمال الروتينية واللهث وراء تنفيذ الإجراءات اليومية. الإشكالية في ذلك هي عدم السؤال أين ستقودنا تلك الإجراءات؟ وهل تم تحقيق الأهداف الاستراتيجية؟ بل قد لا يكون هناك أهداف استراتيجية في المقام الأول, وهذا أدهى وأمرّ. إن حال بعض القياديين الذين يهتمون بالإعمال الروتينية دون الاستراتيجية، كمن يجري في المكان نفسه دون محاولة الوصول إلى خط النهاية!
إن الفاعلية تعني إلى أي مدى تم تحقيق الأهداف؟ وهل هي أهداف مطلوبة؟ هذا يتطلب بطبيعة الحال المتابعة ووضع معايير للرقابة, وهذا أمر لا نعيره اهتماما كبيرا في بيئة العمل السعودية، وربما اهتممنا بوضع الخطط والتنظيمات ولكن نقف عند هذا الحد دون محاولة التعرف على ما تم إنجازه ومستوى الأداء. إنها حالة ثقافية تتصل بنمط التفكير الإداري تحتاج إلى التحول من التركيز على الأعمال الروتينية إلى الاهتمام بتحقيق الأهداف والإنجاز. وهذا يتطلب الربط بين الأداء والإنجاز. وعليه لم يعد ممكناً أن نقيم أداء القيادات الإدارية بالطريقة نفسها التي نقيم بها أداء الإدارة الوسطى. فالقيادات الإدارية العليا تتعامل مع متغيرات مستقبلية، مجهولة، غير ثابتة، سريعة، تحتاج إلى قدرات خاصة في تحويلها إلى صور ذهنية وترجمتها إلى رؤى لها معان يمكن توصيلها إلى الآخرين عبر صياغتها كأهداف واستراتيجيات وإجراءات وعمليات تحقق التصورات الجديدة وتنقل منظمات الأعمال إلى آفاق أرحب وحدود جديدة تستكشف لأول مرة.
إن ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع حديث دار بيني وبين الأخ الفاضل عايض القحطاني الرئيس التنفيذي للشركة الأولى للتطوير أحد القيادات المميزة في قطاع العقار عن أهمية تنمية القدرات القيادية الشابة. إذ ألمح لي بأنه بصدد الإعداد لمشروع وطني يتم من خلاله وضع مسابقة لاختيار أفضل عشرة قياديين يتم تدريبهم داخل السعودية وخارجها، ومن ثم توظيفهم في "الأولى للتطوير". إن هذا التوجه المهني الوطني في آن واحد هو في ظني سبب تألق "الأولى للتطوير" وتميزها . وأجزم أن سر النجاحات التي تحققت وتحققها "الأولى للتطوير" في فترة وجيزة من عمرها الذي لا يتجاوز خمس سنوات يعود إلى هذا النمط من التفكير. فـ "الأولى" الشركة العقارية الوطنية التي اقتحمت أسواقا جديدة عقارية خارج حدود السعودية في دول عربية مثل سورية ومصر، لديها خطط ومشاريع تشمل دولا أخرى في العالم الإسلامي. كما أن الأسلوب القيادي والفلسفة المبنية على المشاركة واقتسام المنافع الاقتصادية مع الآخرين هي العامل الرئيس وجوهر النجاح.
اعلم أن هناك شركات أخرى ناجحة وقيادات وطنية مميزة لا يتسع المجال لذكرها وإنما اختصصت "الأولى للتطوير" بالذكر بسبب فكرة برنامج تطوير القيادات الشابة الوطني. وعلى أية حال قد يكون من المناسب بعد تجربة طويلة وثرية للاقتصاد الوطني أن يكون هناك مشروع لكتابة السير الذاتية للقيادات الاقتصادية السعودية الناجحة لتوثيق تجاربهم كجزء من كتابة التاريخ الاقتصادي السعودي وقاعدة نؤسس عليها طموحات المستقبل وننقل من خلالها التجربة للأجيال المقبلة ليتعلموا السر الحقيقي وراء النجاح وهو الإبداع والابتكار والاجتهاد في تحقيق المطلوب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي