في الصيف ضيعت اللبن يا وزارة الصحة
<a href="mailto:[email protected]">maalabbas@kku.edu.sa</a>
في الأسبوع الماضي وتحت قبة مجلس الشورى دارت مناقشات ساخنة وحوار صريح بين وزير الصحة معالي الدكتور حمد المانع وأعضاء مجلس الشورى. هموم, توقعات, إحصاءات وكشف الوزير أشياء وسكت عن أشياء. للأسف لم نحظ بجميع تفاصيل الحدث والحوار الساخن الذي لم يبث على الهواء بالرغم من أهمية الحدث والنقاش والوزير المحاور.
طُرحت هموم وزارة الصحة في جرأة وزير أكد نقص التمويل والكوادر و(رفض) وزارة التعليم العالي ابتعاث الطلاب والطالبات والأطباء السعوديين منسوبي وزارة الصحة لديون بلغت 12 مليونا فقط وعجز عن توفير وظائف استشاريين لضعف الراتب, حتى كوبا.. لم ترض.
ثم وفي خضم النقاش وعرض الهموم تأتي أرقام في استشهاد معالي الوزير تغير مسار الفهم تماما, وزارة الصحة بحاجة إلى 31 مليارا لأن الاحتياجات تبلغ 62 مليارا (أي أن حصة وزارة الصحة من ميزانية العام بلغت 31 مليارا وأن الوزارة ما زالت بحاجة إلى المزيد), ومع الاعتراف باحتياجات الوزارة، إلا أنني لا أفهم كيف تعجز الوزارة ومعها كل هذه الميزانية أن تسدد 12 مليونا لوزارة التعليم العالي و تسهل ابتعاث الدارسيين بدلا من أن تجوب العالم حتى كوبا, الأمر الذي كلفها كثيرا جدا, وخصصت للأدوية 1.8 مليار، بينما هي تحتاج إلى 4.20 مليار لتفتح باب الأسئلة على مصراعيه حول أسس التخصيص والتقدير التي تتبعها الوزارة.
نعم نعترف أن وزارة الصحة تحتاج إلى الأدوية وإلى الأطباء وإلى المراكز الصحية، لكن معالي الوزير لم يشر إلى حاجتها إلى نظام رقابة داخلية شديد الكفاءة إذا جاز استخدام كلمة شديد هنا. إن وصول الوزارة إلى العجز الذي وضحه معاليه بحيث لم تستطع دفع 12 مليونا أو تقنع أطباء كوبا على الرغم من حصة الوزارة في ميزانية كل عام (تصل إلى ما يقارب 10 في المائة) يدل على خلل في نظم الرقابة و التقارير المالية. إن مجرد مراجعة بسيطة لعيادة في مركز صحي أو زيارة لمستشفى في عياداته الخارجية أو قسم الطوارئ ستصور لك المستوى الذي وصلت إليه أنظمة الرقابة الداخلية في وزارة الصحة. من السهل على أي ممرض أو صيدلي أن يصرف الدواء الذي يريد ويأخذ مستند الصرف عليه ولا تسأل عن سعر الدواء و أهميته, والأشعة تعلّى على حساب جبر الخواطر ثم ما زالت الوزارة بحاجة إلى 4.20 مليار لتوفير الدواء, الصيف ضيعت اللبن يا معالي الوزير.
إن قدرة نظام الرقابة الداخلية الكفء لا تقف عند مجرد الضبط الداخلي وحماية الممتلكات، بل تتعداها إلى ضمان جودة التقارير وتحديد المسؤوليات بشكل واضح ودقيق لا لبس فيه ولا غموض.
إن رد معالي الوزير على سؤال أحد أعضاء المجلس حول مختبر الأربعة عشر عاما ولم ينفذ, يشير إلى خلل كبير في نظام التقارير داخل الوزارة, دقتها ووقتيتها ومناسبتها للمستوى الإداري.
تحتاج وزارة الصحة قبل كل الاحتياجات الأساسية إلى نظام رقابة داخلية صارم والذي من خلاله تحدد الهياكل الإدارية السليمة. لا معنى لمستشفى لا نعرف من المسؤول فيها. الاستشاري لا يُحاسب ولا يُسأل عن عيادته ولا لائحة الانتظار الطويلة لديه في المستشفى الحكومي والتي تحسب بالسنوات, بينما العمليات أولا بأول في المستشفى الخاص. المدير الطبي غير المدير الإداري و لا تعرف من هو الأعلى ومن يتبع من ومن هو الأولى بالرعاية. كل ذلك له انعكاس على نوعية وجودة التقارير التي تصدر من المستشفى ولك في تقارير الإجازات عبرة لأولي النهى.
إن مستشفى غير قادر على تحديد مواعيد لمرضاه رغم وجود برنامج إلكتروني لقضية تحتاج إلى وقفه جادة وتضع الأسئلة حول نظم الرقابة وشعار الوزارة "المعاملة الحسنة لا تحتاج إلى إمكانيات" وإذا سألت كيف لا يستطيع هذا البرنامج تحديد موعد بعد شهر أو شهرين، على الرغم من تكلفته الباهظة فأنت تسأل عن عظيم لأن الاستشاريين السعوديين لا يمكن تحديد إجازاتهم وعياداتهم على وجه الدقة.
مشكلة الرقابة الداخلية لا تقف عند مستوى حماية الأصول ودقة التقارير و جودتها بل تصل إلى القمة عندما تسأل عن النظام المحاسبي الذي تعمل في ظله الوزارة. 31 مليارا تديرها سبعة حسابات رئيسية فقط وتعليمات لا تفيد في ضبط شركة عائلية صغيرة فضلا عن وزارة. نعم أتجاوز وزارة الصحة في هذا الشأن، ولكن هذه تابعة لتلك ولا يمكن لوزارة أن تراقب وتنظم وتدير وتوجه وتخصص وتتحدث عن برامج واحتياجات وتستقي كل تلك المعلومات من نظام محاسبي ضعيف يديره مديرو مالية لا تسأل عن تخصصاتهم أقسام المحاسبة. إننا إذا تحدثنا عن احتياجات تبلغ 62 مليارا فلا بد أن نتكئ على معلومات موثوقة من نظام محاسبي كفء اعتمادا عليه يمكن أن نتنبأ ونخطط. 62 مليارا بالتأكيد تحمل في طياتها أخطاء السنين وضعف نظم الرقابة وعدم القدرة على التحليل والتصنيف، أضف إلى كل هذا عدم القدرة على اعتماد نظم محاسبة المسؤولية.
ضاعت قدرات وزرة الصحة عندما ضاع نظام الرقابة فيها ولم يطور، على الرغم من تطور المستشفيات والأجهزة الطبية. نعم التغيير مكلف وتطوير النظام المحاسبي للدولة مكلف جدا لأنه لم يطور في وقته لأسباب نعرف أغلبها، ولكن الصبر أكثر على هذا النظام المتهالك يعني صعوبة وتعقد الحل مستقبلا وزيادة الهدر وعدم القدرة على تحديد الاحتياجات بكل دقة وشفافية. نعم التطوير سيكلف الكثير ويحتاج إلى إعادة تأهيل وتطوير القدرات الموجودة في الدوائر الحكومية ككل لكن لامناص من ذلك ونحن مقبلون على تدفق نقدي هائل. ومع هذه الطفرة الجديدة وفي ظل النظام المحاسبي الحالي ونظم الرقابة الداخلية المصاحبة له ستكون هناك طفرة أيضا في الهدر ومبالغة في تحديد الاحتياجات وضياع للفرص الحقيقة وعند اقتراب إقفال الحسابات عليك بالعهد.