الملك عبد الله وسياسات إعادة توزيع الدخل

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

بنظرة فاحصة للقرارات الجريئة والمبادرات الشجاعة التي يتبناها الملك عبد الله نجد أنها في جوهرها محاولة جادة في إعادة توزيع الدخل ورفع المستوى المعيشي لجميع المواطنين وعلى الأخص الفئات الأقل حظاً. وهذا بلا شك يعكس ليس فقط إنسانيته وحبه لشعبه، ولكن أيضا اطلاعه على حقائق الأمور وإحساسه بنبض الشارع وإدراكه معاناة البعض الذين يعيشون أوضاعاً اقتصادية عصيبة. لقد عرف الجميع اهتمامه حفظه الله ورعاه بالمحتاجين والمعوزين منذ زيارته أحد الأحياء الفقيرة في العاصمة الرياض واستكشاف أحوالهم عن كثب، والاطلاع على أحوالهم بنفسه، فدخل بيوتاتهم وتحدث معهم في حديث أبوي حان لا تنقصه الشفافية والصراحة والمودة والاحترام والتقدير ووعدهم خيراً. لقد أحس سكان ذلك الحي الأمل وأن المقبل من الأيام سيكون أفضل بإذن الله، لم لا وولي الأمر يهتم بشأنهم ويحرص على التعرف على معاناتهم ورفع الحرج عنهم والتقليل من ضائقتهم، وهو بذلك يحفظه الله يذكرنا بالرعيل الأول من هذه الأمة وحرصهم على نشر العدل وبذل الخير وتحقيق الرخاء بين الناس.
والحديث عن إعادة توزيع الدخل يجب ألا يقتصر فهمه على الدفعات التحويلية، وهي أن الحكومة تقوم بالمعونة المباشرة إما نقدية أو عينية أو خدمية، وهي بلا شك إحدى وسائل إعادة توزيع الدخل والأسرع في تحسين أوضاع المعوزين ولكن ليست الوحيدة بكل تأكيد. هناك وسائل أخرى غير مباشرة في التقليل من معاناة الفقراء وهي في مجملها تتضمن حزما من السياسات تتعلق بخفض الرسوم الحكومية وأخرى بزيادة الدخول. وأحسب أن السياسات الأخيرة التي تبنتها الحكومة تتضمن الصنفين.
لقد أحسنت الحكومة صنعا عندما قررت خفض سعر المحروقات (البنزين والديزل) بتوجيه كريم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، إذ إن ذلك من شأنه تقليل تكاليف المعيشة بشكل مباشر وغير مباشر، فتكاليف النقل تؤثر في الجميع دون استثناء. ولم يعد أحد يستطيع الاستغناء عن استخدام وسائل النقل في ظل اتساع المدن وتباعد المسافات وتعدد الخدمات الحضرية. كما أن خفض تكاليف النقل يؤدي تباعاً إلى خفض أسعار السلع والخدمات، وبالتالي يمكن القول إن خفض أسعار المحروقات له تبعات إيجابية متعددة تتعدى التأثير الأولي المباشر. وهنا تكمن أهمية قرار خفض أسعار المحروقات كونه قراراً سياسياً إيجابياً فاعلاً يؤثر في جميع فئات المجتمع وخاصة الأقل حظا منها، وليس قراراً محدود التأثير ويخص فئة دون أخرى أو أنه يخدم الأغنياء دون الفقراء كما في بعض السياسات الحكومية المتعلقة بالقروض والمنح وأنظمة المشتريات وغيرها. إن نجاح قرار خفض أسعار المحروقات منذ اليوم الأول من تطبيقه، يدعونا إلى تكرار التجربة في قطاعات أخرى لها التأثير الجماعي نفسه. على سبيل المثال خفض رسوم الكهرباء التي تشكل نسبة عالية من مجموع التكاليف المعيشية للمواطنين، وفي الوقت ذاته يلزم إعادة النظر في شرائحها بحيث توسع الشريحة الأولى وتصغر الشرائح العليا ويزاد عددها. وهذا شبيه إلى حد كبير بالضريبة التصاعدية، أي أن الأغنياء يلزمون بدفع رسوم أكبر من الفقراء. وتبرير ذلك أن المنفعة الحدية للريال عند الأغنياء أقل منها عند الفقراء، وبذلك نقلل من المعاناة الاجتماعية بأخذ أكثر من الأغنياء وأقل من الفقراء لأن غير المتساوين يجب أن يعاملوا بطريقة غير متساوية، إذ ليس من العدل المساواة! فالشخص الأقل قدرة يجب ألا يدفع السعر نفسه الذي يدفعه شخص مقتدر والعكس صحيح. إن التمايز في الرسوم الحكومية بين فئات المجتمع حسب مستواهم الاقتصادي يؤدي إلى إعادة توزيع الدخل بطريقة غير مباشرة. كما يجب ملاحظة أن استهلاك الكهرباء في موسم الصيف أكثر منه في الفصول الأخرى وهو بطبيعة الحال ليس نتيجة السلوك الاستهلاكي للأفراد وإنما بسبب حرارة الطقس، من هنا كان من الأجدر خفض التسعيرة وبعدل أكبر في فصل الصيف. خفض الرسوم الحكومية كآلية لإعادة توزيع الدخل يشمل أكثر الخدمات الحكومية مثل الجوازات وتأشيرات الخدم والسائقين ورخص البناء وتكاليف توصيل الكهرباء والماء والصرف الصحي ورخص القيادة ورخص سير المركبة وغيرها. فجميع هذه الخدمات غدت من ضروريات الحياة لا غنى لأحد عنها وإن بدت في ظاهر الأمر أنها خدمات ترفيهية كمالية. ومن هنا يتطلع المواطنون إلى خفض الرسوم الحكومية التي غدت تثقل كاهلهم وتستقطع الكثير من دخولهم. إن الرسوم الحكومية المرتفعة تعني تحول إنفاق الأفراد وقراراتهم الاستهلاكية من السلع الخاصة إلى السلع العامة. وإذا كان أفراد المجتمع يفضلون السلع الخاصة على السلع العامة وفي المقابل قد تكون تكلفة السلع العامة أعلى من تكلفة السلع الخاصة فإن ذلك يعني عدم الكفاءة الاقتصادية في استخدام الموارد استخداما أمثل، إذ إن الكفاءة الاقتصادية تعني تحقيق احتياجات ورضا الأفراد كما ونوعا. وعندما ننتج سلعة أو خدمة غير مطلوبة نوعا أو كما فإننا نكون قد خصصنا موارد لإنتاج سلعة غير مطلوبة على حساب سلع وخدمات مطلوبة وفوتنا الفرصة لتحقيق المنفعة الجماعية.
هناك وسائل أخرى تعتمد على سياسات التمكين ورفع القدرة الاقتصادية لدى الأفراد ولا سيما الأقل حظا بتحسين دخولهم. قد يكون أحدها المبادرة التي أطلقها الملك عبد الله بإنشاء صندوق استثماري يخصص جزء منه لذوي الدخل المحدود. إن الهدف من ذلك إيجاد وسيلة لإشراك الفئات الأقل حظا في المجتمع في المنظومة الاقتصادية والاستفادة من النمو والازدهار الاقتصادي وعدم إبقائهم خارج الدائرة وتهميشهم اقتصاديا. وهذا بلا ريب ينم عن فكر الملك عبد الله النير وبعد نظرة ورجاحة رأيه يحفظه الله، فكثير من المشاكل الاجتماعية التي نعاني منها في المجتمع مثل الإجرام والسطو المسلح والمخدرات والإرهاب مردها في الغالب عوامل اقتصادية تتمثل بتدني دخول الأسر وعدم قدرتها على مواجهة تكاليف الحياة والتزاماتها التربوية والتعليمية والصحية وغيرها نحو أبنائها، وبالتالي تكون النتيجة أفرادا غير أسوياء بنفسيات مختلة تتلبسهم أفكار انحرافية سعيا وراء تغيير أوضاعهم بتصرفات غريبة وسلوكيات شاذة. إن الغاية المنشودة من إنشاء هذا الصندوق الاستثماري هو إعادة توزيع الدخل بطريقة تحفيزية تدفع وتشجع الفئات الفقيرة على الانخراط في العمل ورفع معنوياتهم وإعادة الثقة إلى نفوسهم وتثقيفهم اقتصاديا من حيث إن هناك فرصا يجب العمل على استغلالها بالمبادرة والاجتهاد في استثمارها لصالحهم. إنه إيجاد الأمل الذي يجعلهم يطمحون ويحلمون بمستقبل أفضل والنظر إلى الحياة بنظرة إيجابية ملؤها التفاؤل والطموح، وإن الغد سيكون بإذن الله أفضل من اليوم، وهكذا تنسجم سلوكياتهم مع غيرهم من المواطنين لا يحسون عزلة ولا تهميشاً.
إن من بين الوسائل التي تسهم في تحسين أوضاع الفقراء ومعالجة الفقر هو زيادة نسبة توظيفهم. وهذا يمكن تحقيقه من طريقين. الأول التوظيف المباشر بحيث توضع نسبة من مجموع الوظائف في الدولة لأبناء الأسر الفقيرة. فهذا سيؤدي ليس فقط إلى تحسين وضعهم الاقتصادي الشخصي وحسب، ولكن يكون هناك تمثيلاً بيروقراطي للفقراء في الوزارات والإدارات الحكومية وبالتالي يمكنهم من خدمة الفقراء بفاعلية، إذ إنهم على دراية ومعرفة بأوضاعهم. أما الطريقة الأخرى فهي رفع مستواهم التعليمي لزيادة فرص توظيفهم وقد يكون ذلك - مرة أخرى - عبر تخصيص نسبة من مجموع المقاعد في الجامعات والكليات والمعاهد لذوي الحاجة.
إن ما يجب الالتفات إليه هو أن بعض المشاريع الحكومية التي هي في الأساس موجهة نحو متوسطي الدخل وذوي الدخل المحدود يستفيد منها أصحاب الدخول الأعلى وبذلك تفوت الفرصة في تحقيق تلك المشاريع أهدافها الأساسية. على سبيل المثال صندوق التنمية العقارية موجه في الأساس لمساعدة متوسطي الدخل وذوي الدخل المحدود وتمكينهم من بناء مساكن لأسرهم. إلا أن الكثيرين منهم يعجزون عن تلبية الشروط التي يضعها الصندوق ما يتيح الفرصة للأغنياء من الاستفادة من القرض! فهناك شرط الحصول على الأرض وشروط البناء المكلفة من حيث اشتراط حد أدنى من المساحة ومواد بناء وفي الوقت نفسه فإن مقدار القرض ضئيل ما يستدعي أن يكون الشخص لديه قدرة مالية جيدة حتى يتمكن من بناء المسكن وهذا ما لا يتأتى لذوي الدخل المحدود. ولذا أعتقد أن من الضروري مراجعة اشتراطات صندوق التنمية العقارية ووضع اشتراطات جديدة تتيح الفرصة لذوي الدخل المحدود من الاستفادة من القروض المقدمة وحل مشكلة الإسكان لديهم. أعتقد أن من الأفضل تصميم مساكن يكون أقلها تكلفة نحو 300 ألف ريال بحيث يغطيها القرض.
إن إعادة توزيع الدخل هي خدمة عامة يستفيد منها الجميع، إذ إن لها تأثيرات اجتماعية إيجابية تتعدى كونها تحسين الحال الاقتصادية لفئة من فئات المجتمع، فإنتاجية الأفراد تكون أفضل والانضباط الاجتماعي يكون أكثر ما يعني في نهاية المطاف اقتصادا قويا ومجتمعا معافى من المشاكل والأزمات. إن السياسات التي تبناها الملك عبد الله أظنها تصب في هذا الاتجاه، وهي بلا شك خطوات جبارة على الطريق الصحيح والنظر إلى الأمور بنظرة متوازنة بين الكفاءة والإنتاجية الاقتصادية والعدالة والرفاهية الاجتماعية. حفظك الله لنا يا أبا متعب وجعل ما تقدمه لأمتك في ميزان حسناتك وأطال الله في عمرك لترى ثمرات أعمالك الخيرة، ولتسعد بحب الشعب لك كما أحببتهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي