المراوحة في مرحلة مفهوم الجودة مكلفة جداً
<a href="mailto:[email protected] ">[email protected] </a>
إن عقد مؤتمر دولي يناقش مفهوم الجودة في مؤسسات التعليم العالي المهني بالمملكة أمر يستحق الإشادة به، لأنه دلالة على الاستشعار بأهمية إتقان الأداء ابتداء من التخطيط والإعداد وانتهاء بتطوير المهن وتحسين الخدمات. إلا أن تحديد أهداف المؤتمر حول فهم الأسس والمعايير وأساليب التطبيق بهدف رفع مستوى الوعي بأهمية الجودة في مؤسسات التعليم العالي المهني وما يرتبط بها من معايير الاعتماد الأكاديمي والتقويم, يعني أننا في المرحلة ما قبل الأولى من الجودة. من الجيد مناقشة العلاقة بين جودة التعليم العالي والتنمية, ومبررات الاهتمام بالمعايير العامة والخاصة بجودة التعليم في هذه المؤسسات المهنية للاعتماد الأكاديمي, والتعرض لماهية معوقات تطبيق معايير الجودة في مؤسسات التعليم العالي عامة, فهذه بوادر خير تبشر بجدية التوجه, كما أن حضور عدد من الخبراء العالميين من مصر وأستراليا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية مؤشر يدل على الرغبة الأكيدة في تلاقح الخبرات فكرا على أرضنا المباركة بإذن الله. ولكن .. هل نبحث عن مفهوم الجودة في الإدارة أم في أداء المهارة؟ أم هي جودة نجتهد في تنميقها ولا نجتهد في تحقيقها؟
إن إرساء مفهوم الجودة قبل تطبيقها يوفر كوادر بشرية قادرة على التعامل مع نموذجية الأداء بوعي وثقافة عاليين, والعمل بسياسات وإجراءات مهنية منظمة لضمان الارتقاء بمستوى العمل بما يعزز ثقة المسؤول والمستفيد في نظام العمل ومخرجاته. ولكن شكوى المستفيدين الدائمة من مستوى الخريجين في كثير من مؤسساتنا التعليمية المهنية تعني أن الخلل لامس العظم. فعلى سبيل المثال تساهل الكادر التعليمي في تحديث المهارات وأدائها، والتهاون في تنفيذ المهارات المقررة كافة أو تكرار أدائها حسبما أقرت في المناهج وحسبما استجد في ذلك العلم, بالإضافة إلى ضعف متابعة التدريب الميداني في المرافق المخصصة للتدريب. كل ذلك يعني أن الجهازين الإداري والفني لم يعودا قادرين على تقييم الوضع لاعادة التوازن, فلجؤوا إلى الاجتهاد المبني على التخمين وليس الدراسة والإحصاءات وتحليلها. وبالتالي افتقد القطاع بإداراته المشرفة والمؤسسات التعليمية المنتشرة عنصر المبادرة في التحسين وراح الجهاز التنفيذي فيها يجتهد، مما جعل المؤسسات تستبدل اللوائح بالتعاميم وتغيرت ملامح الأنظمة إلى مجموعة اجتهادات ومفاهيم. وإذا ما غاب عن المؤسسة مفهوم الجودة والإصرار على تنفيذها فكيف نضع الثقة في مخرجاتها؟ علينا أن نشيد بمبادرة المسؤولين في إقامة هذا المؤتمر في هذا الوقت للحرص على إعادة توجيه الدفة إلى المسار الصحيح بإذن الله, إلا أن علينا أن ندرك بأن التنافس الدولي المحموم، والاحتياجات المتغيرة للسوق، والتضخم في تخريج الطلاب، وتراجع دعم بعض مؤسسات التعليم العالي المهني أمام متطلبات زيادة أعدادها, أسباب سجلت منذ عشرة أعوام تقريبا ولم تناقش بعد الحلول بشفافية. وما يدعو للاستغراب هو أن المعضلة ما زالت قائمة والعالم من حولنا قد تحرك, فتاريخيا نظمت منظمة اليونسكو في عام 1996م المؤتمر الإقليمي العربي حول جودة التعليم العالي في بيروت، وقد تم تأكيد أهمية الجودة، وحثت فيه الدول العربية على إنشاء آلية لتقييم نوعية التعليم العالي على المستويات كافة: التنظيمية والمؤسسية والبرامج والعاملين والمخرجات .. إلخ. ثم تلا ذلك مؤتمر عالمي أقيم في عام 1998م، حيث خرج بتوصيات لا حصر لها في الشأن ذاته. ثم في عام 2003م أشرفت اليونسكو مرة أخرى بالتعاون مع اتحاد الجامعات العربية على مؤتمر في دمشق أكدوا فيه ضرورة إنشاء آليات ضبط الجودة ونشر ثقافة التقويم والاعتماد في الجامعات العربية, إلا أننا وبعد عشر سنوات تقريبا من الجهود الحثيثة للوصول إلى الجودة مازلنا نبحث عنها لترسيخ مفاهيمها!
من وجهة نظر شخصية تكمن معوقات تطبيق مفهوم الجودة في مؤسسات التعليم العالي المهني لدينا في نقاط عديدة جدا ولكن مالم يسلط عليها الضوء يتمثل في التالي:
أولاً: عدم توفر المعلومات الكافية للقيام بالدراسات والتقييم الموضوعي. وهذا خلل يجب على المسؤولين حله بأسرع وقت ممكن, فلا خطة ولا عمل ولا إجادة لهذا العمل إذا لم يكن مبنيا على معلومات وافية ودقيقة ومحللة بأسلوب علمي.
ثانيا: وضع البرامج والتخصصات بانفرادية أو انعزالية من دون تنسيق ونظرة شمولية حيال الاحتياج والمتطلبات العامة والخاصة بالمملكة, مما جعلنا نحيد عن مسيرة التطوير النوعي التكاملي المتوافق مع الخطة التنموية الشاملة. نحتاج إلى الابتعاد عن تسابق الجهات نحو تسجيل إنجاز غير مسبوق على حساب النوعية وتطوير الأداء, حيث لا يوحد ذلك الجهود بل يشتتها, فكيف نتوقع تحقيق تنمية شاملة ومستدامة في نهاية المطاف؟
ثالثاً: عدم توفر, أو إنهاء عقود الخبراء الأجانب المختصين في عملية التقييم أو تطوير مفاهيم الكادر التعليمي وأساليب التعليم ومحتوى المناهج. وهذا قد يعود إلى أحد الأسباب التالية: (1) الاعتداد بأنفسنا بأننا لا نحتاج إلى خبراء. (2) عدم توفر الموارد المالية اللازمة لدعوتهم أو حتى تمديد عقود القائمين بالعمل منهم. (3) التغيير المتكرر للقيادات المتسبب دائما في تعديل المفاهيم والتوجهات ومن ثم تحوير السياسات. (4) الايقاع البطيء الذي نؤدي به أعمالنا اليومية والذي أثر على قرار الاستعانة بهم بضياع الفرص المتاحة في وقت من الأوقات ولفقد المصداقية من ناحية أخرى.
رابعاً: الظهور المفاجئ من وقت إلى آخر لمؤسسات ومرافق جديدة ترمي بثقل مضاعف على كاهل المؤسسات والمرافق القائمة، مما قد يؤثر في النهاية في جودة التعليم وجودة الخدمات في معظم المهن. وإذا ما افتقدنا الإعداد والتنظيم الجيدين والمتابعة الحثيثة للتنفيذ المقنن فأي جودة نبحث عنها؟
خامساً: قد تشكل اللغة عائقا في بعض التخصصات، فما إن يلتحق الخريج بالعمل حتى تبدأ شواهد الضعف الأكاديمي والمهني للجهاز المنفذ والمشرف على تلك المؤسسة.
هذا يجعلنا نؤكد دائما ضرورة الاهتمام بالإنسان .. المسؤول الإشرافي والتنفيذي والأستاذ والمدرب والطالب, من خلال الاستمرار في قياس مدى استيعابهم لأهداف المؤسسة في تكامل مهني مع باقي المؤسسات المماثلة, وتحديد مستوى وحجم ما اكتسبه كل منهم من خبرات لنتمكن في النهاية من تحقيق أهم الأهداف وهو ضخ كوادر متميزة لسوق العمل في جميع المهن وعلى الأخص ما يتعلق منها بحياة الإنسان. وللحديث بقية.