استغلال المستهلك بين المصارف ومؤسسة النقد

<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>

إحدى أهم الظواهر في سوق المال السعودي في السنوات القليلة الماضية هو النمو السريع في القروض الشخصية، خاصة أنها بدأت منذ سنوات قليلة لتصل إلى نحو 170 مليار ريال وتشكل نحو 40 في المائة من مجموع القروض لدى البنوك (يذهب جزء مهم إلى المضاربة في الأسهم). صاحب هذا الارتفاع في حجم القروض ارتفاع في الرسوم التي تتقاضاها البنوك نظير تلك القروض، السبب الرئيسي في ارتفاع القروض الاستهلاكية هو الدور المباشر للحكومة والمؤسسات شبه الحكومية والشركات في تحويل الرواتب الشهرية إلى البنوك المقرضة، هذه في مجملها قروض بدون مخاطر. بذلك وجدت البنوك أن هذا مجال خصب للنمو بدون أي مخاطرة من ناحية والقدرة على تحميل المقترض رسوما عالية لا تتناسب مع محدودية إن لم نقل انعدام المخاطرة. النتيجة أن المصارف تتمتع بربحية عالية ومتنامية في هذا المجال دون مخاطر تذكر وبأسعار لا تتناسب مع مستوى المخاطرة، لأنه كما هو معروف في عالم المال أن هناك علاقة إيجابية طردية بين مستوى المخاطرة ومستوى الأسعار (الرسوم التي تطلبها المصارف من المقترض)، فالبنوك تسجل أرباحا عالية على حساب المستهلك. لذلك فنحن نعايش وضعا غير صحي وغير عادل، ويجب التعمق في تداعياته والتفكير في الحلول اللازمة.
مَن منا لا يتذكر الشكوى العامة قبل سنوات قليلة، فإن المصارف لا تقرض المستهلكين، بينما تتعذر المصارف بأن البيئة النظامية والقانونية لا تخدمهم في استيفاء القروض في حالة تعثر المقترض، أتى الحل السحري بإعطاء البنوك الحق في تحويل الراتب ومنع المستهلك من تغيير المصرف حتى يتم استيفاء القرض وحق الأولوية في مكافأة نهاية الخدمة. اكتشفت المصارف عصا موسى السحرية لتستعملها أحسن استعمال. هناك حاجة إلى القروض الشخصية من قبل الكثير لسد احتياجاتهم والتعامل مع فجوات التدفق النقدي لديهم، ولكن هناك بعض الإشكاليات التي يجب التطرق إليها في محاولة لفهم الموضوع من أوسع أبوابه، أولها أن طبيعة الاقتصاد السعودي ليست بالعمق الذي يفيد التوسع الكبير في الاستهلاك عموما، فكل ريال يصرف على الاستهلاك يذهب إلى الخارج نحو 85 إلى 90 هللة منه، حيث إن الغالبية من استعمال القروض يذهب إلى سلع مستوردة، ليس الهدف منها منع المستهلك من اقتناء حاجياته، ولكن تشجيع كل الناس للاستهلاك أكثر ومساعدة البنوك لخدمة الاستهلاك لا يخدم الاقتصاد السعودي. اقتصاديا كلما يزيد التوفير ويقل الاستهلاك يزيد الاستثمار، وبالتالي النمو الاقتصادي.
الناحية الأخرى أن تحويل الرواتب لا يخدم المصارف، وبالتالي الاقتصاد في المدن البعيد، حيث إنه بهذه الخاصية ليس هناك حاجة في المصارف للتحليل والدراسة والتمييز بين العملاء، وذلك بسبب انعدام المخاطرة، في الدول الأكثر تقدما تلجأ البنوك إلى التمييز بين العملاء فيخلق منافسة بين المصارف أكثر ويقلل من التكلفة على المستهلكين عموما، وخاصة الفئة الأكثر تجربة واستقرارا ماليا. المصرف لديه العمق المعرفي عن السوق والمستهلك يدفع رسوما أقل أو أكثر حسب التجربة معه، كما أن المصارف تتعرض إلى مستوى أعلى من المخاطرة، فإذا حصل ركود اقتصادي فنجد المصارف تعاني صعوبات في استيفاء القروض الشخصية، مما يحفزها على دراسة أعمق ومعاملة أفضل للعملاء.
الملاحظ أن رسوم القروض الشخصية في المملكة عالية، مما لا يتناسب مع محدودية المخاطرة، فعلى مؤسسة النقد أن "تجبر" المصارف على تخفيض الرسوم على المستهلكين.
تحليليا يفضل أن يضاف نحو 6 في المائة على التكلفة التي يدفعها المقترضون للمصرف، إضافة إلى تكلفة التمويل (اليوم تبلغ تكاليف تمويل المصرف في المملكة نحو 4.5 – 4 على أعلى تقدير)، بينما نجد المصارف تقرض العملاء برسم بلغ نحو 12 – 13 في المائة هذه الـ 6 في المائة تقسم إلى 2 في المائة تكاليف إدارية و2 في المائة ربح و2 في المائة تأمين واحتياطيات، كما أن أغلب المصارف يفرض رسما مقطوعا إضافيا يبلغ نحو 1500 ريال، وهذا غير عادل من ناحيتين، الأولى أن يزيد التكاليف دون سبب وخاصة أن التكاليف الإدارية سبق وأخذت في الحسبان أعلاه، وثانيا أنها ضريبة عالية غير عادلة على المقترضين الصغار، وجميعها يجب أن يدفعها المقترض بغض النظر عن حجم القرض، فمن يقترض 200 ألف ريال أو من يقترض 40 ألف ريال يدفع الرسم نفسه، فنسبتها من القرض تكبر كلما قل حجم القرض، المحزن في الموضوع أن مؤسسة النقد تكتفي بالنصح والكلمة الطيبة على حساب مئات الآلاف من المواطنين دون وعي بالتفاصيل أو تردد في فرض نظام لحماية المقترضين.
فهذه الزيادة غير المبررة في تسعيرة القروض تكلف المستهلكين نحو 340 مليون ريال سنويا.
الحل يكمن في أن تأخذ المؤسسة الموضوع بدرجة أعلى من الجدية من عدة نواح، أولها إجبار المصارف على توحيد طريقة عرض الأسعار لكي يتمكن المستهلك من قراءة أفضل وأدق لما يقدم له، ثانيا يجب إلغاء الرسوم المدفوعة مقدما، خاصة عن صغار المقترضين، ثالثا يجب أن يكون هناك تنسيق مع المصارف والجهات الحكومية الأخرى في منع تحويل الراتب إلا باختيار العميل، خاصة أن المصارف الآن لديها تجربة أوسع وأعمق وكونت رأسمال جيدا يمكنها من الاستثمار في التقنية ومعرفة السوق، وبذلك تكون المؤسسة قد خدمت المستهلكين والقطاع المصرفي والاقتصاد السعودي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي