المبدعون لا يبحثون عن الفرص بل يصنعونها
<a href="mailto:mohbakr @ alum.mit.edu">mohbakr @ alum.mit.edu</a>
غمرني شعور بالسعادة وحنين إلى أيام مضت عندما فرغت من قراءة المقال المنشور في جريدة "الوطن" بتاريخ 25/4/2006م للأستاذ جمال خاشقجي تحت عنوان "قصة نجاح عربي في بوسطن الأمريكية" تناول فيه حفل منظمة الطلبة العرب في جامعة (إم. آي. تي.MIT) لتوزيع جوائزها للنابغين العرب في حقلي العلوم والتقنية، الذي شارك فيه الأمير تركي الفيصل سفير خادم الحرمين الشريفين لدى واشنطن. إذ تحتفظ تلك الجامعة بعلاقات جيدة مع المملكة تمتد سنوات طويلة منذ أن التحق بها قبل نحو أربعين عاماً أول دفعة من الطلبة السعوديين، وهم الدكتور فيصل بن إبراهيم السويل وشقيقه المهندس سعود، وكاتب هذه السطور. وقد كان لتلك الجامعة دور بارز في المجلس الاستشاري لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في مراحل تأسيسها، إذ ساهمت في اختيار المناهج العلمية ورسم السياسة الأكاديمية ما ترك بصمة واضحة على هذا الصرح السعودي الشامخ وخريجيه. ليس هذا فحسب، فقد استعانت المملكة ببعض من أعضاء هيئة تدريس جامعة MIT للمشاركة في تقويم ومراجعة خطة التنمية الخمسية الأولى وكذا الثانية، وتقديم المشورة الفنية لعدد من البرامج الاستراتيجية كتحلية المياه المالحة إبان الفترة التي رأس مؤسستها الأمير محمد الفيصل.
في تلك الأيام، أي في السبعينيات من القرن الميلادي الماضي، شهدت البعثات الدراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية توسعاً كبيراً لسد العجز في قدرات الجامعات السعودية سواء في عدد المقاعد أو التخصصات العلمية. وكانت الملحقية الثقافية حينئذ في مدينة نيويورك تحت إشراف الدكتور عمر أبو خضرة - رحمه الله - ونائبه الأستاذ عبد العزيز المنقور الذي تفانى في خدمة أبناء وطنه ورعايتهم في ديار الغربة. وبالرغم من ذلك التوسع في عدد المبتعثين لم تكن منطقة (نيو إنجلاند New England)، ومن بينها مدينة بوسطن وضواحيها مقصداً مفضلاً لهم إذ كانت منطقة موحشة ذات مناخ قاس في الشتاء لم يشفع لها في نظر السعوديين احتضانها لعدد من أرقى الجامعات في العالم، بل آثروا عليها ولايات الساحل الغربي لاعتدال مناخها وسحر شواطئها!
لكن السنوات التي تلت، حملت معها مجموعة من المتغيرات في بنية بوسطن وضواحيها، وفي وسائل الاتصال والإعلام. والأهم من ذلك كله تولدت قناعة لدى الكثير من الأسر السعودية والعربية عامة بضرورة منح أبنائهم فرصة الحصول على تعليم متميز في عالم لم يعد فيه متسع لذوي القدرات المتوسطة أو المؤهلات العادية. ومن ثم بدأنا نشهد تدريجياً تغييرات في ترتيب الاختيارات لدى المبتعثين، ما دفع ببوسطن وجامعاتها إلى مقدمة القائمة، وبالتالي أصبحت بها كتلة ملموسة من الطلبة العرب والسعوديين ما ساعد على رعاية ونمو تلك الغرسات التي زُرعت قبل أكثر من أربعين عاماً كجمعية الطلبة العرب واتحاد الطلبة المسلمين. كما أثمرت تلك الكتلة عدداً من العلماء والمهندسين اللامعين منهم من انخرط في نسيج المجتمع الأمريكي وقدم له وللإنسانية بشكل عام خدمات جليلة في مجال البحث والاختراع، ومنهم من عاد لوطنه الأم للمشاركة في التنمية والبناء.
في عام 1998م رأى خريجو جامعة MIT في المملكة تأسيس جمعية لتشجيع التواصل الاجتماعي والفكري بينهم، ونشر برامج ذات آفاق جديدة في الأعمال والتقنية في المملكة. ولتحقيق هذا الهدف تعقد الجمعية اجتماعاً سنوياً تستضيف فيه محاضرين مميزين للتحدث عن موضوعات تهم المجتمع. وكان من ضيوف تلك اللقاءات في السنوات الثلاث الماضية وزير التجارة والصناعة الدكتور هاشم يماني، وزير البترول والثروة المعدنية المهندس علي النعيمي، ونائبة رئيسة جامعة MIT. ومن أهداف الجمعية أيضاً دعم نشر القيم الإيجابية للحوار بين الثقافات المختلفة في تلك الجامعة، وفي هذا السبيل ترعى الجمعية ندوة نعقد كل فصل دراسي في الخريف تضم طلاباً وأساتذة من أديان ومعتقدات مختلفة لتلمس الجوانب المشرقة المشتركة بين الديانات السماوية في العالم. كما تسهم الجمعية في رعاية الحفل السنوي لمنظمة الطلبة العرب في الجامعة لتكريم النابغين العرب في حقلي العلوم والتقنية، وترعى موائد إفطار رمضانية وحفل عيد الفطر في الجامعة التي تشهد حضوراً مميزاً من الطلاب على مختلف مشاربهم والقيادات الأكاديمية والإدارية.
يبلغ عدد أعضاء جمعية خريجي جامعة MIT في المملكة أكثر من ستين سعودياً، من بينهم (4) سيدات. وبالرغم من التخصصات المتقدمة التي درسها أولئك الخريجون لم تفقد المملكة واحداً منهم. ولعل تفسير ذلك يكمن في إجابة أحد أبنائنا الدارسين هناك في مرحلة الدكتوراة عندما سُئل عما إذا كان سيجد فرصاً في المملكة لممارسة تخصصه العلمي المتقدم ؟ قال (لا فض فوه): "أنا لا أنوي مزاحمة الآخرين في البحث عن فرص، وإنما واجبي وأمثالي صناعة فرص جديدة كي ننعم بمستقبل جميل لنا جميعاً ".
نعم، هكذا المبدعون لا يبحثون عن الفرص، بل يصنعونها.