رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


يكفي: مَن يقولها..؟! لمَن؟

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

بدأت حملة التوعية المرورية, التي اتخذت شعار "يكفي" تعبيراً عن وضع مروري مأساوي لم يُعد يحتمل, وهو يعكس واقعا أليماً نواجهه في السعودية يتمثل في كثرة الحوادث بل الكوارث المرورية التي تحصد الأرواح وتتلف الممتلكات. وجميع الإحصاءات تشير إلى أن هناك تزايدا وليس تراجعا في عدد الحوادث المرورية عاما بعد عام، وهذه إشكالية يجب الالتفات إليها، ووضع أهداف كمية سنوية لخفض حوادث الطرق ومحاولة إبقائها عند حدودها الدنيا، فلم يعد محتملا أن يصل بنا الحال إلى أن يتوفى شخص كل ساعتين بسبب حوادث المرور، كما يشير إليه أحد الملصقات في الحملة المرورية الحالية. وهذا أمر خطير وفظيع ومؤشر ينذر بأن علينا جميعا فعل شيء ما لوقف هذا النزف من الأرواح والممتلكات.
إن أول شيء يجب عمله هو تعريف المشكلة من منظور شامل وتحديد أطرها بحيث لا نركز على جانب ونغيب جوانب أخرى فقد يكون من العبث وسوء التقدير أن نلقي باللائمة على مستخدمي الطريق دون النظر إلى عوامل وأسباب أخرى قد تكون أكثر أهمية وتأثيرا في تفاقم مشكلة الحوادث المرورية. السؤال الذي يجب الإجابة عنه بكل جدية ومسؤولية ما الأسباب الحقيقية وراء الحوادث المرورية؟ قد تختصر الإجابة كما عهدنا في السلوك الخاطئ لبعض قائدي المركبات أو الأعطاب الفنية في المركبة، وهذا صحيح في ظاهر الأمر، لكن لماذا السلوك الخاطئ؟ ولماذا تنعدم الثقافة المرورية لدى الكثيرين؟ ولماذا لا يحترم بعضنا الأنظمة المرورية؟ أعتقد أن هذه هي الموضوعات التي يجب طرحها ومناقشتها بدلا من تحميل مستخدمي الطريق وحدهم جميع الأخطاء التي تقع على الطريق وما يتبع ذلك من تسبب في وقوع الحوادث. يجب أن نعلم أن الأوضاع والمواقف والظواهر الاجتماعية تتشكل نتيجة قوى دافعة وقوى رادعة في البيئة. وبالتالي يلزم أن نتبين تلك القوى التي تدفع نحو تطبيق الأنظمة المرورية وتلك التي تعوقها.
من العوامل التي تشجع على تطبيق الأنظمة الثقافة المرورية والالتزام القانوني لرجل المرور. فلا نستطيع أن نطالب عموم الناس بتنفيذ القانون، إذا لم يكن هناك احترام لتلك القوانين من المسؤولين عن تنفيذه في المقام الأول! حتى ولو كانوا قلة, إذ إن إحداث تغيير ثقافي لدى الآخرين يستوجب بالضرورة أن يتمثل رجل المرور هذه الأنظمة ويطبقها وأن يكون قدوة ومثالا يحتذى به. وهذا يعني أن يكون رجل المرور ملتزما التزاما شاملا كاملا بجميع أنظمة وشروط السلامة المرورية طوال الوقت. على سبيل المثال قبل نحو عامين كانت هناك دعوة لتطبيق ربط حزام السلامة وكانت الرسالة الموجهة أن حزام السلامة يقيك, بإذن الله, شرور الحوادث ويخفف حجم الإصابة. وبالفعل تحمس الجميع, خاصة أن عدم ربط حزام السلامة يخالف القانون. وبعد هذه الطفرة المرورية ومع مضي بعض الوقت تراخى الجميع وأصبحوا لا يعبأون بربط حزام السلامة حتى رجال المرور أنفسهم! فبالله عليكم كيف يقتنع عموم الناس بأهميته إذا كان بعض الداعين لتطبيقه لا يطبقونه؟!
إن هناك إشكالية كبيرة تتمثل في عدم فهم القانون والمعنى الحقيقي من تطبيقه لدى الكثيرين. فتطبيق القانون انحسرت - للأسف - معانيه وتلاشت أهدافه ليتحول فقط إلى آلية لجني العوائد المالية من المخالفات المرورية وممارسة السلطة ومعاقبة المخالفين من أجل المعاقبة وليس لتقويم سلوك المخالفين، إذ إن الكثيرين لا يدركون أنهم مخطئون لأنهم غير مقتنعين بالقانون وبالتالي لا يعترفون به ولا يحترمونه وكيف ذلك وبعض رجال المرور أنفسهم المناط بهم مهمة تطبيق القانون لا يطبقونه - أعني على أنفسهم. من هنا لم يكن مستغربا أن تكون طريقة تطبيق الأنظمة على العموم في بعض الحالات فظة وفيها تهكم وجفاف من بعض رجال المرور. فالبعض منهم لا يستنكف عن أن يخاطب الناس بخطاب شخصي تنقصه المهنية واللباقة والحكمة والقانونية. من هنا تولد عند الكثيرين عدم احترام الأنظمة أو على أقل تقدير عدم فهم مقاصدها والهدف منها وهو الانضباط المروري تسهيلا وسلاسة للمرور وحفاظا على الأرواح والممتلكات. السلامة والانتظام المروري يبدآن باحترام القانون من قبل رجال المرور أولا، لأن ذلك سيؤدي إلى التزام الناس وتطبيقهم أنظمة المرور اقتداء واحتراما لمن يحترم الأنظمة. إن ما يجب أن نعيه هو أن رجال المرور هم رجال قانون في المقام الأول وكان لا بد أن يكون لهم حد أدنى من التأهيل القانوني. إن تطبيق القانون يستلزم مهارة الموازنة الدقيقة بين تنفيذه وفي ذات الوقت الحفاظ على الحرية الشخصية وعدم التعدي عليها. ومن خلال هذا الاتزان بالتعامل نستطيع أن نحدث التغيير الثقافي المطلوب لدى جمهور مستخدمي الطريق. ولكن بطبيعة الحال هذا يتطلب أن يكون رجال المرور قد تلقوا تدريبا مكثفا في القانون، ولنتصور أنه اشترط لدخول الكادر الأمني أن يكون الشخص حاصلا على شهادة جامعية أو على أقل تقدير دبلوم في العلوم الأمنية أو القانون أو الأنظمة، سيكون هذا بمثابة نقطة الانطلاق الحقيقي نحو تطور نوعي كبير في القطاع المروري والتأثير الإيجابي المباشر على تحسين سلوكيات مستخدمي الطريق وانضباطهم. لقد حان الوقت لننظر إلى رجل المرور كعنصر تغيير مؤهل ومبادر وفاعل يسهم في إيجاد بيئة مرورية مثالية، ولن يتحقق ذلك إلا بالتثقيف الصحيح لرجل المرور.
ما يجب إدراكه في هذه المرحلة هو أن هناك حدا أدنى للمعايير المهنية يجب تحقيقها من أجل الوصول إلى أوضاع أفضل وأكثر قبولا. وهذه المعايير لا تقبل المساومة بل يجب تطبيقها والالتزام بها التزاما كاملا، من ذلك سلامة الطريق. من المشاهد أن هناك تفاوتا في مستويات الطرق بين المدن، فبعض الطرق تستوفي جميع المواصفات العالمية، بينما طرق أخرى لا تكاد تمشي عليها حتى الدواب! هذه مفارقات عجيبة، وأجزم لو درست العلاقة بين حالة الطريق وعدد الحوادث المرورية لوجد أن هناك علاقة كبيرة بينهما. لقد مررت بتجربة قيادة سيارتي على أحد تلك الطرق التي امتلأت بالحفر العميقة التي لا يستطيع أحد تجنبها فما تكاد تتجنب إحداها إلا وتتلقفك أخرى! الإصلاحات في ذلك الطريق- طريق الدمام ـ أبو حدرية قائمة على قدم وساق لكن لماذا انتظرنا طويلا حتى يصل الحال بالطريق إلى ما وصل إليه وأن يكون سببا رئيسا لوقوع الحوادث المرورية.؟ ألم يكن من الأجدر إن كان هناك معايير ومواصفات للطريق نلتزم بها على الدوام فتكون هناك صيانة وقائية، فلا ننتظر إلى حين تقع الفأس بالرأس ونفقد الكثيرين ونجد أنفسنا نتخلى عن مسئولياتنا ونرد ذلك كله دون استثناء إلى السرعة أو حالة المركبة أو أي شيء آخر ما عدا حال الطريق! إن مستوى الطريق يدل وبشكل مباشر على البيئة المرورية ويرسل رسالة واضحة لمستخدمي الطريق أن الطريق يحترمكم فاحترموه والعكس بالعكس.
لا أود هنا أن أقلل من شأن الحملة المرورية وأن نبخس حق الكثيرين من الجنود المجهولين الذين يسعون جاهدين لتحسين الأوضاع المرورية في ظل الإمكانات المتاحة، بل نبارك للإخوة المسؤولين جهودهم ومبادرتهم السنوية وبالتأكيد أن شيئا خير من لا شيء. ولربما تأثر البعض بهذه الحملات الإعلامية وأعادوا النظر في أسلوب قيادتهم وتنبهوا إلى أن القيادة لا تعني مسك المقود وإطلاق العنان لأقدامهم للضغط بكل ما أوتوا من قوة على مكبس الوقود وهو لا يحتاج إلى قوة لينطلقوا بسرعة الصاروخ، فذلك لا يتطلب سوى أن يكون حظ الإنسان من العقل والحكمة قليلا فكلما أوغل في الجهالة كلما كان أدعى أن ينطلق بجنون دون حساب للنتائج. إن السائق المثالي هو الذي يتبع أسلوب القيادة الدفاعية فهو يتوقع الأسوأ ويرى أن كل من هو حوله لا يحسنون القيادة وبالتالي يتحسب لكل شيء ويتوقع حصول الحادث في أي وقت. لقد أصبح بعض الشباب غير مبالين, غير آبهين مستهترين يحلمون أحلام اليقظة حتى بدت لهم الحياة وكأنها شاشة كبيرة متصلة بأحد الألعاب الإلكترونية ما عليهم إلا الضغط على الأزرار فتستجيب لهم الدنيا فهذا ما تربوا عليه، فلم يكن مستغربا أن تشير الإحصاءات إلى أن معظم الذين يتعرضون للحوادث المرورية هم من فئة الشباب. لقد طالبت في أكثر من مقال أن يكون هناك تجنيد إجباري للشباب يدربهم على الانضباط والتحمل والاستخشان، إلا أن ذلك لا يلغي أهمية إيجاد بيئة يحترم فيها القانون بدءا بمن أنيطت بهم هذه المهمة العظيمة أفرادا ومؤسسات. إن العمل المهني القانوني وتقييم الأداء بناء على معايير الكفاءة والفاعلية هو خيارنا الوحيد نحو الارتقاء بسلوكيات أفراد المجتمع والرقي الاجتماعي الذي من مظاهره القيادة بأسلوب حضاري يحترم فيه الفرد منا نفسه والآخرين ويرى أن لهم حقا في الطريق مثلما له، وأن هناك مصلحة مشتركة في استخدام الطريق لا تتأتى إلا بالتعاون. فيكفي لا نقولها لمستخدمي الطريق وحسب، وإنما للمسئولين عن المرور أيضا. ويكفي الجميع اتباع تعاليم الدين وقيمه الحضارية الراقية لتحقيق الخير والأمن والأمان والسلامة للجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي