الصناعة العقارية بين المحلية والدولية (والقوانين والأنظمة والتشريعات) الجزء الرابع والأخير
<a href="mailto:[email protected]">ammorad@ewaa.com.sa</a>
تناولنا في العرض السابق إيجازا لبعض القوانين العقارية التي تؤثر في حركة القطاع العقاري وصناعته، وفيما يلي تكملة لها.
العقود العقارية: تبدأ عملية التبادل العقاري (بيع عقار ونقل ملكيته) بعرض مبدئي مكتوب وموقع ومؤرخ يظهر رغبة المشتري بالعقار مقابل بذل مادي ويكون هذا العرض مدعماً بعربون مادي لإظهار جدية المشتري وحسن نيته، ويحوي العرض المبدئي للمشتري شروطا تناسب وضعه الخاص ويعرضها على البائع، فإذا ما تم قبولها وتوقيع العرض من البائع يتحول العرض إلى عقد بيع رابط بينهما. إذا ما عدل البائع عن أي بند من بنوده أو زيادة أي شرط آخر فيتحول العقد إلى عقد معدل يحتاج إلى موافقة المشتري ثانية قبل أن يتحول إلى عقد رابط، وإذا لم يوافق المشتري يمكن إلغاء العرض أو إجراء تعديلات أخرى، وهكذا دواليك ليتفق الطرفان على جميع بنود العرض وتعديلاته، بعدها يمكن أن يتحول العرض إلى عقد رابط بين الطرفين وموافق عليه من قبلهما.
وعندما يرتبط الطرفان (البائع والمشتري) بعقد رابط يلتزم الطرفان بجميع بنود الاتفاق-العقد- في عملية التبادل العقاري، وواجبات والتزامات كل طرف تجاه الآخر خلال فترة انتقال الملكية.
ومن ناحية ثانية أن العقد بين المطور والمشتري هو عقد مبدئي قد يحتوي شروطاً تبدأ خلال فترة التشييد بين طرفي العقد لعدم توافر أو اكتمال البناء عند توقيع العقد. وقد يسمى (وعد بالبيع) لحفظ حقوق الأطراف وفي حال انتهاك أي من بنود الوعد قد يلغى أو يؤجل تنفيذه لاستكمال شروطه، ومن ناحية أخرى توجد نماذج عقود سابقة التحضير في السوق العقارية أو في الجمعيات العقارية الوطنية أو المحلية أو مكاتب المحامين وبعض المختصين أشرف على وضعها مستشارون قانونيون وخبراء في السوق العقارية، وتركت الأماكن فارغة لتعبئتها حسب الاحتياجات الخاصة، كأسماء وعناوين الطرفين ووصف وتحديد العقار ومبلغ البيع وطرق الدفع وما شابه ذلك مما يتفق عليه الطرفان، ليصبح نموذج العقد يخص أطرافاً معينة في العقد المبدئي ولعقار معين، وقد يحتاج العقد المبدئي إلى توثيق عند كاتب عدل لحفظ الحقوق والواجبات.
وبعد موافقة جميع الأطراف على جميع بنود العقد، ينتقل العقد إلى المستشارين القانونيين أو كتابة عدل أو شركة متخصصة لتبدأ عملية التحقق من صلاحية العقار للبيع، وتحضير جميع الأوراق القانونية والمالية والضريبية والرسمية ونقل الملكية إلى المشتري والحصول على سند تملك جديد باسم المالك الجديد (المشتري) من الدوائر العقارية المختصة بعد انتهاء عملية التبادل العقاري.
إن الهدف من العقود العقارية المبدئية هو اتفاق الأطراف على جميع الأمور المتعلقة بالعقار وعملية التبادل العقاري، وهذا ما يساعد الوسيط العقاري على تحقيقه خلال المفاوضات الأولية التي تجرى بين الطرفين لعملية التبادل العقاري، لأن العقد المبدئي يحفظ حقوق وواجبات كل طرف وفريق، ووضعها في إطارها الصحيح قبل أن يبدأ عمل المستشارين لوضع الصيغة القانونية حسب الأصول المتبعة وتبدأ التكلفة المالية على الأطراف.
عناصر العقد العقاري: تحتوي العقود العقارية على عدة عناصر أهمها أن يكون العقد تطوعياً أي ألاّ يكون أي طرف مكرهاً على الدخول في العقد بل أن يقبل طوعاً جميع بنوده. العرض والقبول ورضا جميع الأطراف بتنفيذ البنود كافة، المقابل المادي واضح مبين في العقد، هدف قانوني ذو أهمية هو مراعاة القوانين النظامية وألاّ يكون مخالفاً للأنظمة والقوانين ويجب أن يكون تحت سقف القانون المحلي والدولي، والقدرة والأهلية القانونية للأطراف، وتتمتع أطرافه بالقدرة العقلية والصفة القانونية المعتبرة لإتمام العقد ويحددها القانون في أي دولة بحسب التشريعات والأعراف المعمول بها، صلاحية العقد للتنفيذ وإخراج البنود غير الواضحة قانونياً، إن أي غموض في الاتفاقية يجعلها ضعيفة قد يصبح تنفيذها غير ملزم وربما قد يعرض المحامين وغيرهم من الأطراف إلى ملاحقات قانونية. وكأي عقد قانوني يجب دائماً استشارة محام مختص في المجال ذاته لشرح مواد القانون التي تؤثر في العقد العقاري وأطرافه، وهي تختلف من بلد إلى آخر بحسب الأصول والمعاملات القانونية في عملية التبادل العقاري.
العقد المبدئي يلعب الوسيط العقاري دوراً في جمع أطراف عملية التبادل العقاري مباشرة أو عبر ممثليهم وقد يعتمد على عقد نموذجي قانوني مبدئي، توافق الأطراف على جميع بنوده ويُذيل بتوقيعهما بمثابة حسن النية بين الأطراف وللتعبير عن الاحترام المتبادل لما أتفق عليه، ويأتي دور المستشار القانوني أو الخاص بتحضير النص القانوني الخاص الذي له صفة قانونية متميزة وربما يكون العقد المبدئي من الأوراق الثبوتية للتسجيل في الدوائر العقارية المختصة بحسب الأصول المتبعة في أي بلد ويجب ألاّ يستهان بأي عقد عقاري مبدئي نموذجي أو نهائي لاحترام المحاكم ما تحتوي العقود والاتفاقيات بين الأطراف وأن الإخلال بها أبو ببعض بنودها يعرض فاعل ذلك إلى العقوبات والملاحقات القانونية ومالية قاسية التنفيذ.
في حالة وفاة أي طرف من الأطراف إذا لم ينص العقد على وضع معين، فإن الورثة والأطراف الأخرى البديلة القادرة والملتزمة لمتابعة عملية التبادل العقاري بتبديل أسماء التمثيل وقد لا يسمح العقد تغير الأسماء أثناء عملية التبادل العقاري ويشترط ذلك إلى ما بعد الانتهاء وذلك بسبب الاتفاقية الأساسية، تبديل الاتفاق وعدم سماح العقد بتبديل أو تعديل جزء من شروطه إلاّ بقبول الأطراف.
دور الوسيط العقاري: يتلخص دور الوسيط العقاري في موضوع العقود النموذجية بملء الفراغات في النماذج العقارية المعمول بها والصادرة عن المستشارين القانونيين أو عن الجمعيات العقارية في دولة ما، ويحتوي العقد المبدئي (العرض الأولى) عادة على بنود نموذجية تتعلق بالمعلومات الشخصية للأطراف، ومعلومات عن العقار، والتواريخ والإمضاءات والشروط الخاصة بكل طرف كما يحتوي العقد على بنود قانونية ثابتة وملزمة للأطراف بتنفيذها، وعدم مخالفتها أو تغيرها، الأمر الذي يعرض العقد للإلغاء ويعرّض الطرف المعني إلى المساءلة القانونية قد يكون في غنى عنها.
قانون المساواة في اختيار السكن: هو القانون الذي يحفظ حق المواطن في اختيار السكن في أي منطقة من المناطق الوطن وفي أي مبنى ولا يمكن أن يمنعه أحد بناء على نوع من أنواع التمييز، طالما أن المواطن قادر مادياً على تلبية شروط التملك ضمن القوانين والأنظمة وهذا يجعل من سوق العقار سوقاً منفتحة وشفافة وديناميكية ولا وجود فيها للتمييز العنصري والاجتماعي وعلى مختلف المستويات.
المبادئ الأخلاقية للمهنة: يلتزم الكثير من الجمعيات و النقابات العقارية والأفراد العقاريين بتطبيق المبادئ الأخلاقية للمهنة بين أعضائها وعملائها. وأوضحت هذه المبادئ والأسس والحدود الدنيا في المعاملات المهنية التي يجب أن يتحلى بها أعضاء المهنة (العقاريون) للارتقاء بالمهنة العقارية إلى أفضل صورة احترافية ممكنة. وتقوم هذه المبادئ على عدة التزامات، أهمها المبدأ الثقافي في التعامل مع الأعضاء والعملاء، ومبدأ الأهلية العلمية المطلوبة في هذه المهنة، وهذه المبادئ ليست قوانين تفرض المحاكم تنفيذها وتحذر من مخالفتها، بل إن هذه المبادئ تجاوزت القوانين وامتدت إلى الأخلاق المهنية التي يجب التحلي بها من قبل العاملين فيها، فأقامت الجمعيات والنقابات العقارية الدورات التثقيفية والندوات بشكل دوري ملقية الضوء على أسس المعاملات والمهنية والطرق حل مشاكلها وبالتالي فإن الهدف الأساسي لهذه الأسس الأخلاقية هو إبداء النصح والإرشاد وتنظيم السلوك المهني، والتي لا يمكن احترامها والالتزام بها ما لم تدعم بهيئات تدعم تطبيقها وتفرض عقوبات على مخالفيها.
ففرض الكثير من الجمعيات العقارية عقوبات داخلية على أعضائها المخالفين بعد تلقيها العديد من الشكاوي والمخالفات إما بحق العملاء وإما بحق الوسطاء فيما بينهم . ومن هذه العقوبات ما هي غرامات مادية أو عقوبات معنوية قد تصل إلى حد الإنذارات والتوبيخات أو منها ما قد يصل إلى تعليق العضوية في الجمعية، ومنع الوسيط العقاري من ممارسة المهنة لمدة معينة وبالتالي فقد يصبح من دون عمل، وذلك في بعض البلدان حتى يتعهد بعدم تكرار المخالفة تسيء إلى جميع الوسطاء والجمعيات العقارية، وبعضها قد يصل إلى حد الملاحقة في المحاكم المدنية في بعض الحالات.
إن السؤالين الدائمين المطروحين من قبل الجمعيات العقارية لجميع أعضائهما:
1. هل الأعضاء يتعاملون مع العملاء بمساواة ؟
2. لا تساهل مطلقاً في موضوع قانون المساواة السكني.
إن موضوع المساواة في التعامل خاصة من قبل الوسطاء العقاريين مع العملاء هو من أكثر المواضيع الحساسة في القطاع العقاري، وله تأثيرات سلبية تمتد إلى سمعة القطاع والعاملين فيه، فعدم المساواة يؤدي إلى التمييز والتفضيل بين شخص وآخر لعدة أسباب لا تسمح بها قوانين الحقوق المدنية في كثير من دول العالم بين مواطنيها.
وقد توجد بعض المميزات الخاصة بأهل البلد عن غيرهم من الوافدين، كزيادة الضرائب على العقار لغير المواطنين، أو أن تكون الدفعة الأولى عالية نسبياً عن مواطن الدولة، وهذا لا دخل له بالتمييز وأنواعه المعروفة والمقصود تنفيذها على مواطني البلد الواحد.
ومن ناحية أخرى يوجد العديد من الممارسات غير القانونية لا بد من توضيحها ليكون الوسيط العقاري والفريق العقاري على علم بها، لأنها تؤثر في عقاره واستثماراته وتعرضه للملاحقات القانونية ومنها:
1. الترويع: أي حث مالكي العقارات في منطقة ما أو بناء ما على بيع عقاراتهم عبر بث إشاعات عن أن مالكي العقارات الجدد أو القادمين لمنطقتهم أو المناطق المجاورة واللصيقة لهم سوف يؤدون إلى الإساءة إلى مستوى العقارات والسكان مما قد يفقد العقارات قيمتها المادية أو المعنوية وبالتالي تخويفهم لبيع عقاراتهم بسرعة.
2. التوجيه أو التحريف: هو توجيه المشترين لشراء عقارات في منطقة محددة أو بناء محدد (أو نهيهم عن الشراء) لأي سبب كان خاصة إذا كان يتعلق بأسس عناصر التمييز المعروفة.
3. الخطوط الحمراء: هي رسم خطوط حمراء حول منطقة معينة أو حارة ضمن منطقة بألا يسمح لأي كان بالشراء فيها أو ضمنها.
4. التهديد : هو تعرض عميل ما أو وسيط عقاري لتهديد مهما كان نوعه ودرجته، وبالتالي يحفظ القانون حقوق المتعرضين للتهديد بتقديم شكاوى إلى المراجع الرسمية المعنية (التي لا بد لها من (الشكوى) أن تكون مدعمة بالشواهد والوقائع إذا لزم الأمر.
دور الجمعيات العقارية: إن قوانين الحقوق المدنية وقوانين المساواة في الاختيار السكني من القوانين التي لها تأثير مباشر على العاملين والمتعاملين في القطاع العقاري وبالتالي لابد للوسطاء العقاريين المحترفين وشركاتهم وجمعياتهم من معرفتها جيداً وأن تمارس تطبيقاتها بدقة في أعمالها وذلك عبر :
* إجراء دورات دائمة لتثقيف الأعضاء بما هو مسموح وما هو ممنوع في ممارسة المهنة.
* عدم التساهل في مخالفات الوسطاء وشركاتهم والتنبيه الدائم للمخالفين منهم.
* فرض عقوبات مبدئية: تعهدات، وغرامات مالية خفيفة.
* إنشاء مجلس تأديبي لمعالجة متسببي المخالفات.
* ربط عضوية الوسيط بممارساته الأخلاقية والمهنية العالية.
* تهنئة وتزكية من يتفانون في خدمة عملائهم وزبائنهم.
* إنشاء لجنة لتفعيل الشكاوى بحق أعضائها، وتدعم الشكاوى عادة بالوثائق من قبل المتضررين (وربما توجه هذه الوثيقة أو الوثائق إذا لزم الأمر إلى المحاكم المدنية إذا لزم الأمر)
دور الوسيط العقاري المحترف: ينحصر دور الوسيط العقاري المحترف بأن يرشد ويقدم النصح لجميع عملائه بمسؤولية واحترام للقانون في وطنه تجاه الزبائن والعملاء وحماية استثماراتهم وبالتالي فإن كفاءته المهنية التي في مقابلها يحصل على ثقة عملائه ترتبط بسمعته المهنية التي تنتشر بالحدود من مكان إلى آخر. ومن هنا نؤكد أن مهنة الوسيط العقاري المحترف ليست مهنة السهل الممتنع فقط، بل هي مهنة المسؤولية الأهم في حماية أموال الناس واستثماراتهم الذين يعملون ليلاً ونهاراً ولأشهر وسنوات عديدة لتأمين دفعات المساكن الأولية.
دور العملاء العقاريين: إذا ما لاحظ العميل العقاري أي نوع من أنواع التمييز يمارس معه من الوسيط العقاري أو من بائع أو مالك، فلا بد له من استشارة قانونية لمعرفة حقوقه المدنية وذلك للانتقاصة من حقوقه وإمكانية تسجيل الشكوى ضد المسيء له، إما في مكتب الشكاوى المعتمدة سواء كانت رسمية أم خاصة لهذا النوع من الممارسات وإما في مراكز الجمعيات العقارية أو إلى إدارة الشركة العقارية التي يتبع الوسيط لها.
ومعرفة الزبون أو العميل العقاري بالعقوبات المترتبة على مرتكب المخالفة سواء كانت مادية أم معنوية وإمكانية تنفيذها، وهذا ما يؤكده الزبون العقاري كحق يجب عليه أن يمارسه لتجنب أي مشكلة مستقبلية تؤذي عميلا أو زبوناً آخر.
*المدير التنفيذي وعضو مجلس المديرين لشركة إيواء الديرة للتطوير العقاري المحدودة
عضو مجلس محافظة جدة
مستشار وخبير عقاري دولي