كفكف دموعك ... !

<a href="mailto:[email protected]">mdukair@yahoo.com</a>

لم يعد هناك اليوم حديث يعلو فوق الحديث عن مأساة سوق الأسهم. فقد أصبح حديث كل بيت وكل مجلس في طول البلاد وعرضها. وربما تصبح هذه المسألة أكبر قضية اقتصادية عامة شغلت الرأي العام المحلي في التاريخ الاقتصادي الحديث لبلادنا! إذ لم يسبق أن حظي نشاط اقتصادي ما باهتمام الناس، كما جرى في قضية سوق الأسهم! ويبقى أي حديث غيره فاقدا للأولوية عندهم ومتجاهلا للأهمية التي يولونها له، وكأن لسان حالهم يردد: أبا متعب قد مسنا الضر وأصابنا جرح كبير.
والواقع أن آثار هذه القضية يمكن أن تناقش من منظورين مهمين: أحدهما يتعلق بالمنظور الوطني والآخر يتعلق بالمنظور الفردي.
أما الأثر الأول المتعلق بالجانب الوطني فهو سلبي. ذلك أن اندفاع الأموال والمدخرات نحو هذه السوق بهذا الشكل المحموم الذي جرى فيها, وانشغال الناس انشغالا كبيرا غير مسبوق بالمضاربات خاصة في السنتين الأخيرتين, قد أخذ ينحو بالحياة الاقتصادية نحو اتجاه غير محمود على المستوى الوطني, نظرا لآثاره الاقتصادية الضارة المتمثلة في تعطل الأنشطة الاقتصادية المنتجة أو على الأقل تباطئها، نتيجة انحراف عمل مجموع الناس نحو نشاط غير مثمر وغير منتج ولا يعكس إضافة حقيقية للدخل القومي . إذ لا يعدو هذا النشاط أن يكون مجرد نقل لملكيات أصول مالية (الأسهم) من يد إلى أخرى, دون أن يكون له أثر إيجابي على توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. فقد تحولت هذه السوق من وظيفتها الأساسية كوعاء لجمع الأموال والمدخرات بغرض تمويل الأنشطة والمشاريع الاقتصادية المفيدة، إلى سوق مجازفات هي أقرب للمقامرات منها إلى الاستثمارات.
وأما الأثر الثاني المتعلق بالمستوى الفردي فقد كان إيجابيا عندما كانت السوق تحقق قفزات عالية ومتواصلة في أسعار الأسهم. حيث وجد الناس في هذا النشاط مجالا لتحسين أحوالهم المادية التي تراجعت تراجعا كبيرا نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة المستمر، وثبات دخولهم لفترة تزيد على عقدين من الزمان, وتزايد التزاماتهم العائلية مع نمو أفرادها خلال هذه الفترة, مما أدى إلى تدهور أحوالهم المعيشية. ولكن عندما انهار السوق, انقلب هذا الأثر الإيجابي إلى فاجعة وطنية غير مسبوقة! وهكذا أصبحت القضية سلبية على المستويين الوطني والفردي.
وفي تصوري, أن هذا يعكس خللا كبيرا في السياسة الاقتصادية. ليس هناك مجال لإلقاء اللوم على عامة الناس لتوجههم إلى هذا النشاط. فالقاعدة العامة في السلوك الاقتصادي أن الناس تذهب حيث تجد مصالحها. وعليه فإن كان هناك ثمة لوم فهو يقع على صانعي السياسات الاقتصادية الموجهة للنشاط الاقتصادي. فقد كانت بوادر السيولة المالية الضخمة التي أخذت تتجمع في الاقتصاد ظاهرة لمخططي السياسة الاقتصادية، وكان من أوجب مسؤولياتهم الاستعداد لها ببرامج ومشاريع وخطط اقتصادية تستوعبها وتوجهها نحو الأنشطة الاقتصادية النافعة والمنتجة. فلما لم تجد هذه المدخرات أمامها سبيلا غير سوق الأسهم اتجهت إليها. ومع انتشار أخبار المكاسب لبقية الخلق يوما بعد آخر، أخذت السوق مع إشراقة كل صباح تجذب أعدادا إضافية منهم. حتى ترسخ لدى الناس اعتقاد بأن الدخول لهذه السوق هو السبيل الوحيد لينهل كل مواطن نصيبا من خيرات زيادة عوائد النفط التي تحققت للبلاد في السنتين الأخيرتين.
والآن كيف يمكن انتشال الاقتصاد من هذه الهوة التي انحدر إليها, سواء على المستوى الوطني أو الفردي؟
أعتقد أن الإسراع نحو إصلاح الأضرار الفردية التي لحقت بالناس مقدم على غيره في الظروف الراهنة. لذا يجب العمل على إعادة الثقة المفقودة في سوق الأسهم، حتى يتمكن الناس من استعادة خسائرهم أو جزء معقول منها على الأقل. ويتمكن من اقتنع بالمخاطر العالية لهذه السوق الخروج منها. فلا يبقى في السوق إلا من يحترف العمل فيها ويقوى على تحمل مخاطرها. لذا فمن المناسب أن تؤجل الهيئة أي ترتيبات او تنظيمات جديدة يمكن أن تؤثر سلبيا في حساسية العمل في هذه السوق حتى يعود مؤشر السوق إلى مستوى لا يقل عن 18500 أو 19000 نقطة. ولسرعة تحقيق ذلك حبذا لو تركت الهيئة ـ على الأقل في الظروف القاهرة الراهنة - مسألة تنازل البنوك لعملائها عن جزء من عمولتها لتقدير البنوك ذاتها.
لكن يمكن أن تستمر الهيئة في العمل على وضع تصورات جديدة تحسن من أداء السوق مثل:
1- تطوير نظام التداول الإلكتروني لجعله أكثر كفاءة من الناحية الفنية. وكذلك النظر في فكرة توحيد فترة التداول اليومي، وتقليص أيام العمل لخمسة أيام.
2- العمل على تطوير طريقة قياس مؤشر السوق ليعبر عن حقيقة التغيرات اليومية فيه. وفي هذا الصدد أقترح أن يؤخذ من الوزن النسبي المقدر للشركات الكبرى المؤثرة في السوق كسابك والكهرباء والراجحي والاتصالات بمقدار نسبة المتداول من أسهمها في السوق. فإذا كان ثلث أسهم "سابك" فقط هو المتداول فعلا في السوق وكان لـ "سابك" وزن 30 في المائة مثلا في مؤشر السوق فيحسب لها فقط ثلث هذا الوزن أي 10 في المائة فقط, وهكذا.
3- تفعيل نظام حوكمة الشركات للارتقاء بمستويات الإفصاح والشفافية في تقاريرها المالية وخططها المستقبلية.
4- العمل على القضاء على تعارض المصالح بين البنوك وأصحاب المحافظ، بمنع البنوك من القيام بالعمل المزدوج كوسيط ومستثمر، والإسراع بتطوير نظام الوساطة المالية، بحيث يتضمن ضوابط لكيفية دخول صغار المستثمرين في التداول المباشر لحمايتهم من مخاطر السوق العالية.
5- تحسين طرق مراقبة عمل السوق بوضع معايير موضوعية غير معتمدة على عموميات قابلة لأكثر من تفسير يمكن أن تسبب هلعا أو ذعرا لكبار المتعاملين. ومن ذلك مثلا أن يسن نظام أن من يضع أوامر قبل فترة التداول لا يحق له سحبها قبل فتح السوق. فمثل هذا المعيار موضوعي وواضح وغير قابل لتفسيرات متعددة, ولا يعتمد على محاولة تقصى نيات المضاربين من قيامهم بعمليات بيع وشراء معينة.
6- في هذه الظروف العامة الطاحنة, يستحسن أن تستخدم الهيئة نفوذها لدى البنوك بمنعها مؤقتا من التصرف القصري في محافظ عملائها الحاصلين على تسهيلات ائتمانية, خاصة أن هذه البنوك تتحمل جزءا من مسؤولية إغراء العملاء بالحصول على هذه التسهيلات الائتمانية. وبهذه المناسبة أتمنى على وزارة التجارة أن تفعل دور إدارة حماية المستهلكين، والأفضل من ذلك أن تشجع قيام هيئات مدنية لا ربحية لحماية المستهلكين من تجاوز مختلف الشركات الخاصة والمؤسسات المصرفية من بعض شروط الإذعان غير العادلة. فكما سمحت بإنشاء مؤسسة "سمة" لتبادل المعلومات الائتمانية, عليها أن تسمح بقيام هيئات مدنية ترعي مصالح عامة المتعاملين من الناس، ذلك أن الجهود الفردية لا تقارن بالجهود المؤسساتية المنظمة.
فإذا تحسن السوق وتمكن الناس من إعادة ترتيب أحوالهم, فللهيئة أن تتبنى بالتعاون مع الجهات الحكومية الأخرى من الإجراءات والتنظيمات ـ بعد دراستها دراسة دقيقة - ما يعيد السوق ليؤدى دوره الأساسي كوعاء للمدخرات وسوق لتوفير رؤوس الأموال اللازمة لقيام الشركات والمشاريع العملاقة المنتجة, التي تعمل على توظيف موارد المجتمع وتوليد فرص عمل لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الأجيال الصاعدة. وبلادنا تتوافر فيها فرص واعدة لمثل هذه الشركات في مجالات عديدة كالتعليم والصحة والإسكان والتصنيع ونحوها.

خاتمة:
كفكف دموعك فما كنت تدرى منتهاها
لحاها الله سوقا كم أوجع شديد لظاها
قد غفل عنها مراقب، عجبا إن لم يراها
قد نمت واستحكمت وطال غريب مداها

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي