التدريب العسكري المهني

<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>

قد تكون السعودية من أكثر الدول المؤهلة لمزيد من التطور الاقتصادي، إذ إنها تمتلك عنصرين من أهم عناصر النهضة الصناعية هما الموارد البشرية والموارد الطبيعية، فإن ما يقارب ثلثي سكانها ممن هم دون الواحدة والعشرين عاما، وهذا يشكل ميزة تفضيلية تفتقدها كثير من بلدان العالم. إلا أنه مع الأسف نلحظ أن ذلك أصبح يمثل مشكلة بدلا من أن يكون فرصة للنجاح والرقي الاقتصادي والانطلاق نحو آفاق أرحب.
قد يعود ذلك لعدة عوامل من أهمها عدم تبني استراتيجيات توجه الاقتصاد نحو قطاعات تولد الدخل وتضمن معدلات نمو تستوعب، بل تستفيد من توافر الأيدي العاملة الشابة الوطنية. فمعظم الصناعات في الغالب صناعات تجميعية تعتمد على العمالة الأجنبية الرخيصة دون مراعاة جوانب الجودة وصحة وسلامة المستهلك.
لقد كان من الأجدر التوجه نحو اقتصاديات جمعية Agglomeration Economy، حيث تكون هناك صناعة ترفدها عدة شركات بأحجام مختلفة، بحيث تسهم كل شركة بإنتاج جزء من السلعة، وبذلك يكون هناك الترابط بين المصانع والشركات بحيث يكون مُخرج أو إنتاج كل شركة هو مدخل أو عنصر إنتاج لشركات أخرى وهكذا. هذا الترابط الاقتصادي في كل صناعة والرؤية الجماعية والمصلحة المشتركة تؤدي إلى تبني سياسات تطويرية داخل كل صناعة يدعمها جميع المصنعين للرقي بها عبر تقنينها ووضع معايير الأداء والجودة وتطوير وتأهيل الموارد البشرية المتخصصة بقطاعها الصناعي. من بين تلك السياسات دعم وتصميم بعض البرامج والتخصصات في الجامعات الموجهة خصيصا لصناعة بعينها من قبل الشركات والمصانع في تلك الصناعة. بطبيعة الحال يتطلب ذلك وجود جمعية لكل صناعة ذات استقلال مالي وإداري تقنن وتطور قطاعها.
هناك عامل آخر على قدر كبير من الأهمية في مسألة الاستفادة من الأيدي العاملة الوطنية وهو "ثقافة العمل"، إذ لا يتوقف الأمر فقط عند توفير الوظائف، وإنما بتحقيق ثقافة العمل لدى الشباب، التي تعتمد على الجد والاجتهاد والمثابرة والالتزام واحترام الوقت وتنفيذ الأوامر والمبادرة وتطوير المهارات والمعارف. وهذه ثقافة يفتقدها كثير من شبابنا ما يؤدي إلى تعطيل الاستفادة منهم وليس بالضرورة البطالة بمعناها الاقتصادي المتعارف عليه. من هنا كان التأكيد على المبادرة في طرح الحلول والمعالجات لهذه القضية بتفهم طبيعتها وأسبابها الحقيقية حتى ننجح في تحويلها من مشكلة إلى فرصة للتطوير الاقتصادي والرقي الاجتماعي.
كثيرا ما نسمع الرغبة في القضاء على مشكلة البطالة بنظرة سلبية وبإيحاء أنها عائق وأزمة يجب القضاء عليها، دون النظر على أنها وضع يمكن تحويله لصالح الاقتصاد والمجتمع وجعلها عاملا دفع إيجابيا نحو إيجاد صناعة وطنية متميزة بل يكون ميزة تفضيلية في زيادة الإنتاج وجودته وقلة تكلفته. لا أحد يشك في أن البطالة تشكل أزمة كبيرة لها تبعات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، وتستحق أن يلتفت إليها، ولكن بشكل شمولي وليس بشكل جزئي أو تحليل سطحي غير عميق لا يتناول جذور المشكلة ولا يدرس أسبابها الحقيقية ولا تفاصيلها الدقيقة. ولكن في ظل غياب النظرة الشمولية وعدم وجود استراتيجية تشرك جميع الأطراف في وضع الحلول تبقى المحاولات والمبادرات الفردية التي تتبناها بعض الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص محل تقدير، إذ أنها على أقل تقدير تقلل من حدة المشكلة وتبطئ تفاقمها.
سأعرض في هذا المقال تجربة رائدة في فكرتها وتنبئ عن مبادرة صادقة وعزيمة على البحث عن حلول إبداعية ومحاولة لإحداث تغيير بابتكار طرق جديدة توفق وتنسق بين عدة جهات حكومية لتقدم خدمة مطلوبة لا تتأتى إلا بتضافر الجهود والمساهمة المشتركة بينها. الخدمة الجديدة التي أتحدث عنها هي التدريب العسكري المهني الذي تبنته المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني بالتنسيق مع وزارة الدفاع والطيران. لقد سبق وأن كتبت مقالا عنوانه "التجنيد الإجباري" ذكرت فيه ضرورة تجنيد الشباب إجباريا ليدربوا على القوة والتحمل والانضباطية والمجاهدة وتحمل المسؤولية والاستخشان. كما أشرت إلى أن جمع الشباب في معسكرات التدريب من شأنه تعميق روح الترابط والتعارف بين أبناء الوطن واكتساب المهارات والاتصال الاجتماعي وتفهم الآخرين وتقبل الرأي الآخر والتحاور والنقاش في المواضيع العامة والتخلي عن الأنانية. وأكدت أن التدريب العسكري من شأنه إعادة تثقيف الشباب وتعليمهم قيما جديدة أهمها أن العمل الجاد منج لصاحبه وأن الشخص يكافأ بحسب عطائه، إضافة إلى الاهتمام بصحة البدن وممارسة الرياضة. إن التجنيد الإجباري هو الأرضية المشتركة التي تعلمنا أن حب الوطن ليس كلاما معسولا أو مجرد ألفاظ نقولها بألسنتنا، وإنما جهاد للنفس وتفان في البذل والعطاء وفكر واع مستنير وقيم راسخة ثابتة لا يغيرها الزمان ولا المكان ولا الأحداث. يعلمنا أن الارتباط بالوطن أكبر من لبس الزي الشعبي أو أن تهتف للمنتخب الوطني. لقد حان الوقت أن نكون أكثر جدية في توجيه الشباب وتصحيح نظرتهم نحو الحياة، قد يكون التجنيد الإجباري نقطة البداية.
إن واقع حال كثير من الشباب وما يكتنفه من تصرفات غريبة وسلوكيات مستهجنة (عدم المبالاة وعدم الاكتراث بالآخرين والأنانية لا تليق بهم ولا بمجتمعهم المسلم المحافظ)، يحتم وجود مثل هذا المشروع الوطني. وهناك الكثير من الأمثلة التي تشير إلى تلك السلوكيات منها أن بعضهم يقود سيارته كيفما يشاء دون مراعاة للآخرين، وبطريقة تنم عن تدني مستوى الوعي وكأنه الوحيد الذي يملك حق استخدام الطريق، وآخرون يسيئون التصرف داخل المجمعات التجارية، والبعض الآخر يقذف بالمخلفات في كل جانب، ولربما تلفظ على أحدهم بكلمات نابية وحركات ممقوتة وتعد على الآخرين من دون سبب إلا أن يكون ذلك جزءا من ثقافة الرجولة والبطولة برفض أو رفس الآخرين! وغيرها كثير لا يتسع المجال لذكره.
إن برنامج التدريب العسكري المهني يأتي في سياق تعديل وتقويم سلوكيات الشباب، فهو يهدف إلى مزج الانضباطية العسكرية مع المعارف والمهارات الفنية والمهنية. إن فكرة البرنامج حسبما علمته من القائمين عليه من خلال ورشة عمل دعيت للمشاركة فيها في الغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية، التركيز على تقويم السلوك وإعادة التثقيف بتعليم الشاب احترام الوقت والطاعة وتقبل الأوامر والالتزام، وجميعها سمات وعادات سلوكية يحتاج إليها كثير من الشباب، بالإضافة إلى تعليمهم مجموعة من التخصصات تشمل: الحاسب الآلي، تقنية الكهرباء، تقنية الميكانيكا، والتقنية الإدارية.
لقد تم إقرار قبول عشرة آلاف متدرب سنويا، وتكون مدة التدريب الفني على المهن ثلاثين أسبوعا، إضافة إلى التدريب العسكري الأساسي بمعدل ساعتين يوميا. ويمنح الخريجون شهادة إتمام دورة تدريب فنية في التخصص الذي تم التدريب عليه، كما يمنح المتدربون مكافأة شهرية متوسطها 700 ريال. إن البرنامج موجه نحو استيعاب خريجي الثانوية العامة وغيرهم من الباحثين عن فرص تدريبية ووظيفية تتناسب واحتياجات سوق العمل المحلي.
يشترك في تنفيذ البرنامج القطاعات العسكرية ممثلة في رئاسة الحرس الوطني، وزارة الدفاع والطيران، وزارة الداخلية من جهة، والمؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني من جهة أخرى. لقد بدئ بتنفيذ البرنامج مع بداية العام الهجري 1425 وتم قبول 2000 متدرب.
وعلى أن البرنامج يعد محاولة جيدة ومميزة في وضع توليفة من الخدمات الفنية والعسكرية في مقابلة احتياجات متعددة ومتشابكة، إلا أن البرنامج يفتقر إلى وضوح في الرؤية المستقبلية وتحديد أكثر للمستهدفين من البرنامج وقصور في التواصل والإعلام وعدم وجود قاعدة بيانات تشمل أسماء الطلاب وتخصصاتهم من جهة، وعدد الوظائف وأنواعها وجهة العمل.
من هنا يقترح تصميم موقع إلكتروني يفعل التواصل وتوفير المعلومات لطالبي العمل والخريجين. إن ما يفتقده البرنامج هو التميز في تقديم خدمات تعليمية تختلف عن البرامج الأخرى وتلبي احتياجات لا يمكن تلبيتها إلا من خلاله. كما أنه يلزم الربط بين البرنامج واحتياجات سوق العمل. إن الفكرة الأساسية من البرنامج مميزة ولكن ينبغي أن تصاغ بطريقة أخرى تكون أكثر وضوحا في الهدف والرؤية ومنسجمة مع باقي الخطط والاستراتيجيات الوطنية. قد يكون من أهمها تحويل مشكلة البطالة إلى فرص للتطوير والتنمية الاقتصادية وميزة تفضيلية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي