رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تطوير نظام الإعارة إلى عقود استشارة

<a href="mailto:[email protected] ">[email protected] </a>

منذ وقت بعيد لجأت القطاعات الحكومية إلى الاستعانة ببعض المتميزين من الأساتذة والأكاديميين في جامعاتنا والمؤسسات الأكاديمية المختلفة لدعم مسيرتها وذلك لأسباب جوهرية عديدة. من هذه الأسباب تغيير وتطوير أسلوب تناول المشاكل, إيجاد الحلول النموذجية للقضايا العالقة ومحاولة تنفيذها بطريقة منهجية سليمة تحفظ للأعمال ديمومتها. إضافة إلى ذلك كتابة السياسات والإجراءات ووضع الهياكل التي تمكن جميع المنسوبين من أداء مهامهم وأعمالهم بسلاسة وانسيابية بغض النظر عما إذا كانوا حديثي عهد بالعمل أو منقولين إليه من جهة أخرى أو غير ذلك من الأسباب. كل هذا من شأنه أن يضع الأمور في تنظيم معين يبدأ بالتخطيط المنهجي المتوازن مرورا بالتنفيذ الصحيح المبني على آلية مدروسة ومقننة ومنتهيا بتحقيق أهداف القطاع وتسجيل الإنجازات. أما من ناحية القوى العاملة فكان المختصون فقط يهتمون بابتكار برامج تطويرية تساعد في تحسين المخرجات, وتفعيل دور وتشغيل الكوادر بما يعود على القطاع بالمنفعة الإدارية والفنية وتحقيق الإنجازات. أما اقتصاديا فلم تقم القطاعات العامة لم تقم بأي دراسة منهجية سطحية أو متعمقة لتقدير حجم المكاسب التي تحققت من خلال الإعارات وبالذات مع الأكاديميين الجامعيين.
في الواقع يلاحظ في هذه الفترة أن بعض الأجهزة في بعض القطاعات المستفيدة من نظام الإعارة ما زالت تعج بفوضوية الأداء وبطء الإنجاز إضافة إلى عجز القطاع عن توفير قواعد بيانات تساعد في التخطيط المستقبلي له. من ناحية أخرى تأثر أداء الأكاديمي المعار بأسلوب عمل من حوله من بعض منسوبي القطاع, فغابت المنهجية المنظمة للعمل وتوقف دوره عند التنظير في حين يُتوقع منه أن يؤدي عمله بمهنية عالية, ويحرص على ترك بصمة أينما حل مستفيدا من الصلاحيات الممنوحة له التي تمكنه من تعديل مسار العمل وتحقيق إيجابيات عملية ملموسة قارنا بين وضع الخطط والسياسات وقيادة الأفراد. ليس غريبا أن يسود أجهزة القطاعات العامة رفض للأكاديمي في بداية فترة الإعارة لأن اختياره للالتحاق بالعمل كان من قبل أصحاب الصلاحية الذين غيبوا المسؤولين أو الموظفين عن أهمية الاستقطاب والإعارة في ذلك الوقت فولد في النفوس غيرة تعدم المنسوبين الثقة بالتعاون معه. لذلك فهو يواجه وقتا عصيبا عند التعامل مع القوى العاملة وبالتالي يكون تصرفه من خلال ذوي السلطة والصلاحية وهذا ما يزيد الفجوة والهوة بينه وبين المنسوبين. ففي مرحلة دراسة المعاملات ومسارها والتعامل مع الشخصيات والتعرف على أسرار العمل, إذا لم يكن الأكاديمي حذقا فكريا وماهرا نفسيا وإداريا فسيسمع كل ما يريدونه لا ما يريده, وهو بالتالي يقع في أول مشكلة له في القطاع وهي كيفية بناء المعلومات وتوجيهها لمصلحتهم. أما إذا بدأ في طلب المعلومات فسيتلقى مرماه الهدف الثاني بورود معلومات ناقصة أو مغلوطة أو غير محدثة, وبالتالي فإن أي قرار مبني على معلومات كهذه سيكون خطأً آخر ارتكبه الأكاديمي. وبالانتقال إلى مراحل متقدمة نجد أنه في حالة اختلاف صدور قرار عما تم الاتفاق عليه مع أصحاب الصلاحية وقد يكون الرجل الأول في القطاع فسيجد من يوهمه بأن التوجيهات لا تعدل ومن غير اللائق أن يخرج أحد عن النص,... إلخ. فيبدأ في تقبل الوضع ويحول توجهه إلى موضوع آخر إذا كان مسالما فيقع في خطأ ثالث بعد أن أُوهِم بما لم يكن واقعيا. مع مرور الوقت قد يجد الأكاديمي نفسه منساقا وراء تتبع أذيال قضية شائكة حلها مخزن في المستودعات أو متناثر بين المناطق, فتكون السلبية الرابعة له بضياع الوقت فيما لا يستطيع لملمته وحصره خصوصا إذا كان حجم القطاع خدميا وكبيرا. أما إذا انساق وراء من ظن أن لديه القدرة على تفسير اللوائح وإيجاد المخارج من المشاكل التي يواجهها القطاع فسيحاول ضمه له ظنا منه أنه سيمهد الطرق ليحقق الإيجابيات الواحدة تلو الأخرى ولكنها للأسف هي الرمية الخامسة إذ لم يكسب زمنا أو قلص جهودا, وهو في الواقع زاد من تكبيل القطاع وحار مع الشخص ذاته في تحديد ماهية المشكلة للخروج منها بأسلوب منهجي سليم.
بكل هذه المتناقضات والمنغصات, فمن الأمانة بعد أن مرت القطاعات العامة بتجارب إيجابية وسلبية في التعامل مع الأكاديميين المعارين أن يجد الطرفان الآلية في تقييم كل منهما الآخر فلا الأكاديمي يريد أن يخسر سمعته وجهوده وذاته التي سعى حثيثا للوصول بها إلى هذا المستوى ووضعه الاقتصادي الذي أراد له التحسين, كما لا يمكن إنكار كل ما يبذله كرد الجميل لبلده. من ناحية أخرى لا يمكن إساءة الظن في كل المنسوبين أو الموظفين المنوطة بهم خدمات كبيرة وجليلة يُنتظر تقديمها للمواطنين فهم أيضا تحت ضغط تنفيذ الأعمال وتطوير الأداء ولكن لم ينشغل بتدريبهم أحد, ولا يملكون الوسيلة للتقدم بأسلوب أفضل. لذلك فتقييم الخدمات هنا لا بد أن يبنى على مجموعة من الإنجازات المحققة, والإيجابيات المسجلة, والآليات المعدلة والمطورة, والتقنيات الحديثة المستخدمة, والنقلة النوعية في تغيير أجواء العمل أو الوصول لرضاء الموظفين عما يؤدونه من عمل بعيدا عن الشعور بالإحباط أو الاكتئاب. فقد سجل الكثير من الأكاديميين إنجازات ومآثر لا ينكرها أحد في القطاعات العامة التي أعيروا لها, فقد تعاملوا مع المنسوبين بمهنية وتخصصية عالية وتركوا عجلة العمل من بعدهم تستمر في الدوران بنظم وأساليب مرنة وعلى أسس متينة. وبذلك أصبحوا مراجع لا يفتأ الصامتون قبل الناطقين بالحديث عنهم كمشاعل لا يمكن أن يخبو ضوؤها بالرغم من أنهم عادوا إلى جامعاتهم ليعيدوا تخريج الكوادر بمفهوم وخبرة متجددة, وليقدموا للوطن من هناك خيرة العقول الناضجة والأيدي العاملة.
لذلك قد تكون بداية تخصيص القطاعات العامة فرصة سانحة لتقنين نظام الإعارة وتحويره إلى نظام عقود استشارات تحفظ للطرفين حقوقهما فيما ينجز من أعمال للقطاع وما بذله المعار لخدمة هذا القطاع. فتقنن الفترة ويقنن المطلوب وتقنن قيمة العقود بناء على مستويات المعارين وخبراتهم وما قدموه أو ما يمكن أن يقدموه في خدمة المجتمع. حيث إن القطاع العام يختار الأكاديمي ليحقق به أهم الأهداف والأغراض ويعالج بفكره العلل والأمراض, وليس لمجرد الافتخار بأنه يستعين بمستشار!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي