مرور اللئام
ملايين البشر شاهدوا الثمار تسقط من الشجر على الأرض، وإذا لم يشاهدوا ثماراً تسقط شاهدوا بلا شك الأوراق، ومع ذلك وحده "إسحاق نيوتن" حين رأى التفاحة تسقط على الأرض لم يستسلم للمنظر ويعتبر الحالة شيئا لا يستدعي الاهتمام. لقد تساءل عن السر وراء سقوط التفاحة إلى الأرض، لماذا؟ وكيف؟ أسئلة أكثر من ذلك دارت في ذهن الرجل، لعل أغربها كان: لماذا لم تطر التفاحة إلى أعلى؟ أو لماذا لم تذهب يسارا أو يمينا؟ لقد تأمل الحالة من خلال تغيير اتجاه السؤال عن السقوط وكيف أن السقوط ظل دائما نحو الأرض فأجرى تجاربه واختباراته واكتشف قانون الجاذبية.
ملايين البشر كانوا يمرون بالطعام في مطابخهم ويشاهدون تعفنه إذا ترك لمدة طويلة ويكتفون بهز الرأس ويلقون به مع الفضلات باعتباره غير صالح للاستهلاك الآدمي. وحده "ألكسندر فليمنج" حين شاهد العفن على الطبق تساءل: لماذا حدث هذا؟ كيف خرجت منه هذه الكائنات الدقيقة؟ من أين جاءت؟ ما دورها؟ ولماذا إذا أكلها الناس سببت لهم التسمم وهددت حياتهم بالخطر؟ وغيرها من الأسئلة، لعل أغربها كان تغيير اتجاه السؤال: هل بالإمكان أن يكون العفن مصدر نفع عوضا عن أن يكون مصدر ضرر؟ وعلى هذا الأساس أجرى فليمنج بحوثه على العفن وانكب في معمله على إجراء التجارب عليه إلى أن استطاع استخراج عقار "البنسلين"، الذي أنقذ حياة ملايين البشر.
كثيرون أيضا ساروا على الدرب "العدال" باعتباره يختصر المسافة دون تفكير، وحده "أقليدس" برهن أن أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم وأقام على أساس ذلك نظريته التي ظلت ردحا طويلا من الزمن بديهة من بديهيات العلم, محل تطبيق دون نقاش، إلى أن جاء "أينشتاين" وقال إن الخط المنحني هو الأقصر بين نقطتين، لأن الكون أحدب وبرهن ذلك في نظريته المشهورة بالنسبية، التي قام عليها عصر الفضاء ورحلاته للقمر والكواكب الأخرى.
أناس كثيرون ملأوا أحواض الاستحمام وشاهدوا وهم يغطسون أجسادهم فيها كيف ينزاح الماء من على الجوانب وينسكب للخارج، وحده "أرخميدس" حين غطس في الحوض ورأى الماء يتدفق إلى الخارج بفعل ثقل جسده اكتشف قانونا لقياس الأحجام غير المنتظمة ولوزن الأشياء, وذلك بجمع الماء المزاح في وعاء منتظم يسهل قياس حجمه، وبالتالي يكون هو حجم الجسم غير المنتظم، وتقول الأسطورة، إن وراء هذا الاكتشاف تكليف الملك "هروا" للعبقري "أرخميدس" التأكد من أن الصائغ الذي صنع له تاجه لم يغشه بخلط الفضة مع الذهب، الأمر الذي استطاع "أرخميدس" معرفته من خلال تحديد وزن وحجم الفضة ووزن وحجم الذهب عن طريق مقدار ما يزيحانه من ماء، وبالتالي قياس حجم التاج بالكامل، فإن كان مساويا للماء المزاح من الذهب فالصائغ لم يغش، وإن كان على غير ذلك فالصائغ غشاش وهو ما أثبته "أرخميدس" وجعله ينفعل ويخرج عاريا من الحمام يجري في الأسواق "وجدتها.. وجدتها.. وجدتها!!".
ولو نحن قرأنا سير المخترعين, المكتشفين, المبدعين والمشاهير الخالدين الذين أناروا طرقات العالم مثل "أديسون" أو أنقذوا البشرية من الآلام المبرحة مثل "ألكسندر فليمنج"، لوجدناهم جميعا يشتركون في صفة واحدة هي "التأمل" والتي تعني عدم الاستسلام للمظاهر الخادعة المرئية المباشرة وإنما إثارة الأسئلة في اتجاهات مختلفة لا تأخذ الأشياء والحوادث والسلوكيات والظواهر على ما تبدو عليه, بل تقلب ما تراه ظهرا لبطن، تفككه وتعيد تركيبه, تبحث عن الأسرار الكامنة وراءه والعلل التي تجعله على هذه الناحية, أو يعمل بهذه الطريقة لا تلك، وماذا يعني كل هذا؟ وماذا يمكن أن يكون له من دور أو فائدة للإنسان..؟
ذلكم ما فعله أولئك المتأملون وقد كانوا خلقا مثلنا، لكنهم امتازوا عنا بنعمة تجاوز ما يُرى إلى ما لا يُرى والنفاذ إلى أغوار ما خلف الظواهر، والاختبار والتجريب بدأب وعناد بطولي ضد الألغاز والمعميات المحيرة، حتى اختطفوا من أشداق المجهول أسراره وجاءوا لنا بهذه المدهشات في مختلف الابتكارات والعلوم، التي كنا نمر بها مرور الكرام، بينما كانت تتطلب منا أن نمر بها مرور اللئام الذين يتطفلون عليها, يشاكسون, ويتشككون فيما يرون أو قل يتخابثون إزاءها ويطيلون بقاءهم عندها إلى أن يزيحوا الغموض عنها، ويثبتون ساعتها أن لؤمهم كان قمة الكرامة الإنسانية!!