سوق الأسهم: التدخل الحكومي
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
تتميز مؤشرات الأسهم بمدى حساسيتها في رصد التحركات الاقتصادية والسياسية والمالية والتفاعلات النفسية للمشاركين في أسواق رأس المال، لذلك فحركة المؤشر تحظى باهتمام المستثمرين والكثير من الفعاليات الاقتصادية في البلاد وكذلك القيادات الحكومية خاصة عندما يكون اقتصاد السوق وجذب الاستثمارات من أهم المحاور في السياسة الاقتصادية كما في المملكة.
قبل نحو شهر وعلى صفحات هذه الجريدة تحدثنا عن الفقاعة في الأسهم وآلية حركتها، هذا وبعد أن لاحظ الجميع التذبذب الحاد في أسعار الأسهم وحتى صعوبة الخروج من بعض المراكز المالية حينما جفت السيولة التي طالما ذكر الكثير أنها موجودة، هذا التصحيح في الأسهم أخاف الكثير وتسبب في خسارة فادحة للبعض وخاصة المستثمرين الجدد الذين ليس لهم تجربة في التعامل مع المخاطر المترتبة على الاستثمار في الأسهم، أدى هذا إلى امتعاض هؤلاء, وكما هي العادة لا أحد يلوم نفسه عندما تقع الفأس في الرأس، فالكل يجد في هيئة سوق المال شماعة سهلة دون وعي حتى لأدوار جهات حكومية أهم وأكثر علاقة بالموضوع.
نظراً لجزع الكثير من المواطنين على خسارة ما وفروه لمستقبلهم المالي اضطرت الحكومة ممثلة في المجلس الاقتصادي الأعلى إلى التدخل بغرض حماية المواطنين، يا ترى ما ظروف وطبيعة وفائدة هذا التدخل؟
للإجابة عن هذا السؤال علينا فهم البيئة الاقتصادية والاستثمارية، ولعل أحد السبل إلى ذلك مراجعة بعض العناصر المهمة في هذه البيئة.
أحد أهم ميزات اقتصاد السوق أن الأسعار ترسل واضحة عن الحالة الاقتصادية إذا قرأناها بدقة ووعي، فهي تخبرنا إذا كان هناك طلب عال أو عرض قليل وغيرها من الاحتمالات، الحقيقة المفيدة الثانية أن تداخل المالي مع الاقتصادي واعتماد كل منهما على الآخر جدير بالمراقبة والمتابعة والتحليل من قبل القائمين على السياسة الاقتصادية والمالية، فسوق المال وأسعار الفائدة ونواحي الاستثمار تؤثر سلباً وإيجاباً على الحركة الاقتصادية وحياة الناس. الحقيقة الثالثة التي يجب الوعي بها في المملكة أن الوعي الاستثماري لدى الكثير من المستثمرين ضعيف وليس هناك معرفة عن العلاقات المعروفة مالياً بين أي وسط استثماري ومستوى المخاطرة. الحقيقة الرابعة أن أسعار الأسهم لا تزال في الغالب في حالة انفصام عن القيمة الجوهرية لهذه الشركات ومستوى أرباحها وجودة إداراتها، لا يمكن تقييم تدخل الحكومة دون وعي بهذه المعطيات المذكورة أعلاه.
المراقب لسوق الأسهم السعودية يجد أن ارتفاع السوق بدأ بتفاؤل صحي عن أسعار النفط وتأثيرها الإيجابي على الاقتصاد وانتهى بطفرة مالية توجهت لأسواق الأسهم, بينما وقفت وزارة المالية كالمتفرج عند حالة طلب كبيرة مع عرض قليل، وكان لوزارة المالية إصلاح هذا الخلل من خلال طرح أسهم سامبا وجزء بسيط من أسهم سابك والاتصالات وغيرهم تدريجياً. ولكن قلة الحيلة أو الإبداع أو كليهما تسببت في هذه الفقاعة.
حرصاً من القيادة العليا جاءت بعض الخطوات العملية لملء هذا الفراغ ومنها السماح لغير السعوديين في الاستثمار لتوسيع قاعدة المستثمرين وتجزئة الأسهم لزيادة السيولة في السوق، وكذلك تأسيس بنك الإنماء لحاجة الصناعة المصرفية إلى التوسع وإعطاء المستثمرين الفرصة في مجال حيوي مربح، كذلك أتى حرص القيادة ليؤكد أهمية الموضوع وتطمين الكثير وأيضاً حديث بعض المعروفين مالياً مثل الأمير الوليد بن طلال ذي السمعة العالمية في المال والأعمال. هذه في مجملها تساعد ولكن يجب أن نتعامل مع الحقيقة الأساسية فإن السوق ما زال في حالة فقاعة لا محالة من التعامل مع نتائجها حماية للناس والاقتصاد، وتأجيل التعامل مع هذه الفقاعة قد يزيد من تبعاتها في المستقبل ويسهم في تراكم فهم خاطئ لدى المستثمرين يقابل ذلك معرفة أن التدخل الحكومي المتكرر في الغالب يفقد السوق بعض المصداقية ويضعف مع الوقت فاعلية هذا التدخل المتكرر. لذلك علينا الحد من التدخل الحكومي المتكرر للحفاظ على سلامة السوق في المدى البعيد، أحد أهم المحاذير في التدخل الحكومي المتكرر هو المساهمة بأن يكون هناك خلل مستديم بين ربحية الشركات وأسعارها من ناحية والمخاطر التي يأخذ بها المستثمر، فيبدأ البعض بالاعتقاد أن الحكومة سوف تنقذه من استثمار غير مجد لم يبذل جهدا في فهم المخاطر المترتبة عليه.
نظراً لتأخر وزارة المالية في طرح بعض من أسهمها للبيع وحيث إن الأسعار الآن تعتبر مرتفعة (يصعب على الحكومة بيع أسهم مرتفعة جداً إلى المواطنين)، فيستحسن أن يباع القليل منها مثل "سامبا" والتي اشترتها الحكومة حديثاً بسعر ليس بعيداً عن سعر شرائها، وكذلك أن تسرع الهيئة في بعض الأطروحات الجديدة، وبعد أن ينزل السوق تدريجياً قد تبدأ الحكومة في بيع بعض أسهمها. سياسة الحكومة تذكر أن التخصيص هو نهجها وخاصة بعد انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، فشركة سابك على سبيل المثال بدأت الحكومة ببيع 30 في المائة على أن تخصص تدريجياً, ولكن بعد نحو 25 عاماً ما زلنا في المكان نفسه، فهل هي رغبة البيروقراطي في الحفاظ على مصلحة الحكومة أو رغبته في الجلوس على مقاعد الإدارة أو الخوف من المجهول أو شيء من هذا وذلك، تنظيمياً يجب على الهيئة الإسراع في توسيع قنوات الاستثمار والتسريع في الترخيص لمؤسسات مالية جديدة تعمل في السوق، وتعميق التجربة القانونية والشخصية الاعتبارية لسلطاتها حماية للسوق والناس.
أتى هذا التدخل الحكومي لسد عجز لوزارة المالية في قراءة أفضل لحالة الاقتصاد والسوق، ولعلها فرصة للمجلس الاقتصادي الأعلى في أن يكون هناك تنسيق وإجراءات استباقية للتعامل مع بعض الظروف الطارئة.