المطلوب نظام عصري للتمويل العقاري
<a href="mailto:[email protected]">dr_saaty@yahoo.com</a>
إذا ألقينا نظرة على الهيكل الحالي للتمويل العقاري في المملكة، نجده هو النموذج الذي استخدمته الحكومة في التسعينيات الهجرية لحل أزمة السكن الذي تعرض لها المجتمع السعودي في ذلك الوقت، ولكن بعد مرور نحو 30 عاماً على النموذج، وبعد التطورات الهائلة التي طرأت على هيكل الاقتصاد السعودي وعلى الأسواق، فإن بقاء النموذج على ما هو عليه سوف يؤدي إلى توريط المجتمع السعودي في أزمة سكن حقيقية محتملة.
ونعرف جميعا أن حالة الرواج النسبي التي يعيشها الاقتصاد السعودي الآن سوف تعقبها ـ خلال عشر سنوات تقريبا ـ حالة ركود نسبي وفقا لنظريات الدورات الاقتصادية.
وإذا كنا من الذين يأخذون العبر من التاريخ فإن التجارب السابقة أعطتنا نموذجا لحالة الرواج التي عشناها اعتباراً من عام 1395هـ (1975م) وما تلاها، ثم حالة الكساد التي ضربت الاقتصاد السعودي لفترة طويلة وبالذات بعد هبوط أسعار البترول إلى مستوى 12 دولاراً للبرميل الواحد.
وإذا كنا مشغولين الآن بوضع الإصلاحات اللازمة للهبوط الحاد الذي تعرض له سوق الأسهم في نهاية شباط ( فبراير) واستمر طوال آذار (مارس)، فإن الوقت مناسب لإقرار مجموعة من الإصلاحات الرامية إلى إنعاش سوق العقار، ويأتي في مقدمة الإصلاحات، التي يجب المبادرة بوضع الحلول اللازمة لها، تيسير وتسهيل التمويل العقاري.
إن معدلات الزيادة في عدد السكان في المملكة تعتبر الأعلى على مستوى العالم إذ أن الإحصاءات المتاحة تشير إلى أن معدل الزيادة في عدد السكان تصل إلى أكثر من 4 في المائة بمعنى أن عدد السكان في المملكة سوف يصل إلى 31 مليون نسمة عام 2025م نصفهم من الشباب المقبلين على الزواج والباحثين عن السكن.
وإذا كانت المؤشرات الأولية تشير إلى أن المجتمع السعودي سوف يتعرض ـ وفقا للإحصاءات الواردة في خطة التنمية الثامنة ـ لأزمة سكن في المستقبل القريب، فإن المبادرة باتخاذ السياسات اللازمة لتسهيل بناء المزيد من الوحدات السكنية تصبح أمرا ضرورياً.
ويأتي على رأس الأولويات وضع تشريعات تيسر سبل الحصول على القرض العقاري.
وإذا كانت الإصلاحات التي تم تنفيذها على صعيد الأسهم قد حققت نتائج إيجابية في السوق، فإن "رزمة" من الإصلاحات التي يحتاج إليها سوق العقار يجب أن تفعل الدور الاقتصادي للعقار.
إن ما يعرقل النشاط الاقتصادي هو الافتقار إلى الأنظمة أو وجود أنظمة لا تصلح إلا لـ 50 أو 40 عاما خلت.
ونذكر ـ على سبيل المثال ـ أن نظام صندوق التنمية العقارية وصندوق التنمية الاستثمارية يعالجان أوضاعاً عفا عليها الزمن وحالات لا تمثل إلا الجزء اليسير من نشاط السوق العقاري، ولذلك فإن سوق العقار يحتاج إلى نظام تمويل يخرجنا من عنق الزجاجة الذي نحن فيه ويعمل على إطلاق سوق العقار كي يبحر في مجالات بناء المدن والمجمعات والمجتمعات العمرانية.
وحقيقة نقول إن عدم وجود نظام عصري للتمويل العقاري جعل شريحة كبيرة من محدودي الدخل تعيش تحت سوط أزمة السكن التي تلاحق المواطن المطحون بأنيابها الشرسة، وهذه المشكلة الشرسة حينما تطال عائلة واحدة من محدودي الدخل - وهم الأغلبية الساحقة في المجتمع - فإنها تنسحب على الأبناء والأحفاد، وتعوق عمليات بناء الأسرة الصغيرة كما أنها تؤخر سن الزواج وتؤدي إلى مشاكل أمنية واجتماعية واقتصادية تمزق أوصال المجتمع.
إن الثروة العقارية، وبالذات في السعودية، لها أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الوطني لأنها تمثل نحو 40 في المائة من ثروة الدولة، ولذلك فإن الدولة يجب أن تعطيها أهمية بالغة ولا تتركها رهينة أنظمة عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفات التاريخ. كما أن امتلاك السكن بالنسبة للمواطن السعودي أصبح من حتميات الحياة التي يجب الوصول إليها بأي ثمن بل أصبحت جزءا من التقاليد الحتمية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يتحرك سوق العقار ليمشي جنباً إلى جنب مع سوق الأسهم ليمثل السوقان ذراعين قويين للنشاط الاقتصادي السعودي؟!
بداية هناك مشاريع عقارية ضخمة يعرقل مسيرتها النظام البيروقراطي القائم وإذا ظلت هذه المشاريع حبيسة أزقة الروتين والملفات المنفوخة، فإن المواطن سوف يظل في حالة الإحباط التي يعيشها لفترة من الوقت. وأذكر واحداً من هذه الملفات التي احتجزت مليارات الريالات.. ملف مدينة البندقية التي تقع على ساحل البحر الأحمر في جنوب جدة والتي كان المفروض أن يكون العمل قد بدأ فيها. ونتصور أنه إذا ما تم فك أسر هذا الملف فإن السبحة تكر بالنسبة لملفات كثيرة تقبع في سراديب اللجان والقضاء.
وأذكر أن الدكتور أحمد التويجري المحامي - الذي بيده قضية مدينة البندقية - استطاع أن يحصل على مقابلة مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله، يحفظه الله، ليضع أمامه قضية 17 ألف أسرة سعودية.. دفعت من دمها ملايين الريالات والآن ـ كما علمت ـ أن القضية وصلت إلى مفصل يقترب من صدور الحكم العادل.
وإذا كانت المملكة تعاني من نقص كبير في التشريعات الاقتصادية كما أشرنا، فإن مشروع وضع نظام للتمويل العقاري يأتي في مقدمة التشريعات التي نحتاج إليها كي نعيد إلى سوق العقار نشاطه وحيويته. وإذا كنا قد أنشأنا هيئة لسوق المال فما أحوجنا إلى أن نضع نظاما للتمويل العقاري يتضمن تشكيل هيئة للتمويل العقاري.
ولعل أهم الوظائف التي نتوخاها من هيئة التمويل العقاري هو الترخيص لإنشاء شركات تقوم بوظائف التمويل العقاري على أساس نظام الشركات المساهمة بحيث تقوم هذه الشركات بإقراض الأفراد والمؤسسات وتمويل تنفيذ المجمعات والمجتمعات العمرانية الكبيرة، على أن يغطي التمويل العقاري عمليات البناء والترميم وما شابهها. وتعمل الهيئة على توسيع التمويل العقاري بحيث يصبح متاحاً لكل مواطن تتوفر فيه شروط الحصول على التمويل. إن الصيغة التقليدية القائمة للتمويل العقاري والتي تتوقف على صندوق التنمية العقارية وقيام بعض البنوك التجارية بوضع قواعد لقروض شراء المنازل أو تمويل مواد البناء, لن تساعد على حل مشكلة الإسكان بل سوف تظل هذه المشكلة تدفعنا إلى أزمة حقيقية سوف يتعرض لها المجتمع السعودي قريبا إذا لم نبادر بوضع نظام عصري للتمويل العقاري.
ومن التجارب التي عشتها، حينما ابتعثت إلى الولايات المتحدة للحصول على الماجستير والدكتوراة، أنني وجدت نفسي أمام نظام للتمويل العقاري يناديني ويشجعني على شراء وامتلاك منزل في الولايات المتحدة. وبالفعل حزمت أمري وتقدمت واشتريت منزلاً في حي من أحسن الأحياء في مدينة سانتامونيكا في لوس أنجلوس، والمهم في الموضوع أن إجراءات الحصول على القرض لشراء المنزل كانت تتسم بالمرونة والسلاسة ولا تحتاج إلى أوراق كثيرة ولا تحتاج إلى كفيل غارم سعودي الأصل. وكان أهم بنود عقد التمويل العقاري هو أنه يمنح المقترض قرضا بنسبة 90 في المائة من قيمة المنزل، على أن يقوم المقترض بتسديد القرض شهريا على مدى 30 عاما. وأذكر أنني كنت أسدد الأقساط بمبلغ يساوي ما كان يجب أن أدفعه إلى صاحب الملك لو كنت مستأجراً.
وواضح مما سبق أنه لولا وجود نظام سهل التطبيق للحصول على التمويل العقاري لما استطعت ـ بهذه السهولة ـ أن أشتري عقاراً في الولايات المتحدة. الأهم من هذا أن إجراءات الحصول على القرض مع إجراءات الحصول على وثيقة تملك العقار لا تحتاج إلى الذهاب إلى الشهر العقاري بل إن الشهر العقاري يرسلها بالبريد إلى عنوان منزلك.
والخلاصة إن أولى الخطوات التي يجب اتخاذها وضع نظام للتمويل العقاري ينص على إنشاء هيئة للتمويل العقاري تسمح بإنشاء شركات تقوم بالتمويل العقاري بحيث يؤدي النظام إلى تخفيض تكلفة الإقراض للمتعاملين في شراء الوحدات السكنية والإدارية بنظام الرهن العقاري. وإقرار آلية جديدة للتعامل مع المستندات والأوراق الخاصة بإثبات ملكية العقارات المتعاملة في نشاط الرهن العقاري حتى يمكن التعامل مع هذه المستندات بنكيا كمستندات لتسجيل العقار.