استراتيجية وطنية.. للوطن!
<a href="mailto:[email protected]">aashiha@kfu.edu.sa</a>
نقرأ ونسمع دائما عن الخطط الخمسية والاستراتيجية لهذا القطاع أو ذاك، لكن لم نقرأ أو نسمع قط عن استراتيجية وطنية للـ 25 أو الـ 30 سنة المقبلة للوطن، أي استراتيجية تفصح عما نريد أن نكون عليه كمجتمع وكوطن بعد 30 سنة من الآن! على سبيل المثال هل نريد أن نكون بلدا صناعيا أم زراعيا أم تجاريا، وما القطاعات التي نود نتخصص فيها وتكون لنا ميزة تفضيلية عن باقي بلدان العالم.
إن غياب استراتيجية وطنية للمدى البعيد يشكل عائقا في تحويل الموارد والطاقات نحو هدف مشترك لجميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. الاستراتيجية الوطنية هي بمثابة خريطة يسترشد بها الجميع ودليل لتوجيه المجتمع والمؤسسات والأفراد في تسخير طاقاتهم وصنع قراراتهم نحو رؤية مشتركة. الاستراتيجية هي أرضية مشتركة تنطلق منها جميع الأنشطة والفعاليات، فلا يكون هناك ازدواجية في العمل ولا نزاعات وخلافات ولا تضاد في الجهود بقصد أو دون قصد.
لو كان لدينا استراتيجية وطنية لكان هناك آلية لتوجيه الاستثمارات المالية نحو هدف استراتيجي بدلا من الضياع والتيه الاقتصادي وضياع الأموال في تبادلات ومعاملات مالية لا تعدو كونها تداولا بين جيوب الأفراد وحساباتهم البنكية دون أن تكون هناك قيمة مضافة (منتج أو خدمة إضافية). لقد أثبتت تجربة الخطط الخمسية أنها عديمة الجدوى لسبب رئيس وهو عدم وجود استراتيجية وطنية للمدى البعيد وخطط للمدى القصير. لذلك كانت الخطط الخمسية شكلية لا طعم لها ولا رائحة وكأنما وضعت للزينة فقط والإهداء والاستهلاك الإعلامي. المستفيدون الوحيدون هم الأكاديميون في الجامعات ومراكز البحوث الذين يستخدمونها كمرجع لبحوثهم الأكاديمية التي أغلبها لا يتصل بالواقع، فهم يعيشون عالمهم الانعزالي جراء الحصار المفروض عليهم، حيث لا يسمح لهم بمزاولة المهنة والمشاركة في صنع القرارات والسياسات العامة، فهناك تصور أن ليس هناك حاجة للبحث العلمي في تأدية الأعمال ومزاولة المهنة لعدم وجود ارتباط بين الأداء والهدف وكيف يكون ذلك وليس هناك هدف في الأساس! أقصد هدفا استراتيجيا، إذ من المفترض أن تنبثق الأهداف القصيرة والمتوسطة من الأهداف طويلة المدى. وكيف السبيل إلى ذلك ولا توجد لدينا أهداف استراتيجية طويلة المدى!
أذكر عندما دعيت لمناقشة استراتيجية توظيف السعوديين وهي بلا شك مبادرة تحسب لوزارة العمل على مستوى الوزارة وليس على المستوى الوطني، طرحت سؤالا للتقرير وليس للاستفهام فليس هناك من يملك الإجابة: أين هذه الاستراتيجية (العمل) من الاستراتيجية الوطنية؟ وكيف يتم التنسيق بين استراتيجية وزارة العمل والوزارات الأخرى؟ لا يقتصر هذا التساؤل بطبيعة الحال على وزارة العمل، بل ينسحب على باقي الوزارات.
إن هناك بلا شك تأثيرات متبادلة بين الوزارات والقطاعات المختلفة ربما لا تكون في بعض الأحيان منسجمة وربما وصل الحال إلى التضاد، بحيث تقوض استراتيجية وزارة جهود وزارات أخرى.
وطرحت السؤال نفسه عند مناقشة مقترح استراتيجية التعليم العالي فلم أجد الإجابة، لأنه وكما يعلم الجميع ليس هناك استراتيجية وطنية. لذا مهما صغنا من استراتيجيات جهوية (الوزارات) أو استراتيجيات على المدى المتوسط (الخطط الخمسية) دون أن يكون هناك استراتيجية وطنية على المدى البعيد فسيكون من قبيل العبث، لأننا نفتقد البوصلة التي تعطينا الاتجاه الصحيح وتقود نحو العمل المشترك الذي يصب في مصلحة الوطن ويكمل بعضنا الآخر، وليس كما هو واقع الحال كل قوم بما لديهم فرحون، وبالتالي لم يكن مستغربا أن تكون قرارات المخصصات المالية للوزارات والقطاعات المختلفة تستند إلى أهداف سنوية جهوية دون ربطها باستراتيجية وطنية. وأخشى أن غياب الاستراتيجية الوطنية سيجعلنا نضع السلم على الحائط الخطأ، وبالتالي نصل بعد عناء واجتهاد للمكان الخطأ. إن أهم ما تقدمه الاستراتيجية الوطنية هو رؤية مستقبلية مشتركة بعيدة المدى يعمل الجميع من أجل تحقيقها، وهي بمثابة وميض النور البعيد الذي نستدل به بدلا من السير في كل اتجاه دون دليل وإضاعة الوقت والجهد والموارد.
إن تجارب كثير من الدول المتقدمة والنامية تدلل بما لا يدع مجالا للشك في أن الاستراتيجية الوطنية بعيدة المدى هي السبيل الوحيدة لنقل المجتمع إلى مراحل متقدمة من التحضر والتقدم الثقافي والتقني، فهذه الولايات المتحدة تهدف إلى أن تكون الدولة رقم واحد في العالم بالسيطرة عليه. ومن هذا الهدف الاستراتيجي تسخر جميع الإمكانات والجهود نحو تحقيقه. وفي كل حقبة تاريخية يكون هناك استراتيجيات متوسطة وقصيرة المدى تصب في صالح الهدف الاستراتيجي بعيد المدى. على سبيل المثال في بدايات الستينيات من القرن الماضي أعلن الرئيس كيندي أنه يلزم مع نهاية العقد أن تضع أمريكا رجلاً على سطح القمر. لقد كان التسابق على أشده بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في مجال الفضاء ليس من أجل الإحصاءات والإعلام السياسي وهذا أمر وارد، ولكن الأهم تحقيق السيطرة على العالم من خلال السيطرة على الفضاء والتقدم التقني في هذا المجال. وهذا ينساق على جميع استراتيجياتهم في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والرياضة وكل الأمور. ولذا لربما شاهد القراء الكرام أن الأمريكيين لا يرفعون علامة النصر باستخدام السبابة والوسطى كما يفعل الكثيرون من سكان الأرض، إنما يشيرون بأصبع السبابة فقط إلى فوق علامة على أنهم رقم واحد. وهذا دليل واضح على تشربهم استراتيجية المدى البعيد والسعي الحثيث الدائم على مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات على تحقيقه. لقد تمكن الأمريكيون من النجاح وإقصاء الاتحاد السوفياتي ليس من المنافسة في الفضاء وحسب، بل حتى في العلوم والمخترعات والأسلحة والرياضة. وأخيرا تم لهم ما تمنوه وعملوا له طويلا وهو تفكيك الاتحاد السوفياتي وإقصاؤه نهائيا عن لعبة القوى والقضاء عليه. ربما لا نتفق مع السياسة الأمريكية وقد نراهم لا شيء في معيار الأخلاق ولا في الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان التي جاءوا يبشرون بها، ولكن يجب أن نتعلم من تجربتهم أن الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى والعمل على تحقيقها تصنع الفارق وتحدث التغيير المطلوب.
تجربة أخرى هي تجربة كوريا الجنوبية التي تحولت في وقت قياسي لا يتعدى أربعة عقود إلى دولة صناعية من الطراز الأول. لقد أثبت الكوريون لجميع دول العالم أنه لا يشترط وجود موارد طبيعية من أجل التقدم والتطور الصناعي. لقد قررت كوريا الجنوبية كدولة أن الصناعة خيارها الاستراتيجي فوجهت جميع الموارد نحوه. لقد تم التركيز على التعليم والبحوث والدراسات التطويرية كأهم وسيلة لتحقيق الهدف الاستراتيجي بفخصصت مبالغ كبيرة لتطوير التعليم وأنفق بسخاء على البحوث والدراسات. إن تطوير التعليم هو الذي يحقق الهدف وليس التطوير من أجل التطوير أو التلميع السياسي أو قرارات رسمية وتقارير تؤخر ولا تقدم تبحث عن الناتج الكمي دون النتيجة والفاعلية والتأثير النهائي! كوريا الجنوبية التي سعت إلى إحداث نقلة نوعية لم تدرس طلابها في مبان مستأجرة أو تعتمد التلقين كطريقة للتدريس ولم تهدر حقوق الطالب التربوية، فضلا عن الإنسانية أو أن المناهج لا تمت بصلة للواقع أو أن إدارة المدرسة ليس لها من الصلاحيات سوى الحديث في الإذاعة المدرسية الصباحية. الكوريون وصلوا إلى ما وصلوا إليه عبر العزيمة والإصرار في تحقيق رؤية وطنية واضحة حتى إن كان لديهم الاستعداد للتضحية في تقليل مخصصات قطاعات خدمية كثيرة من أجل الارتقاء بالتعليم ومن ثم تحقيق الهدف الاستراتيجي الوطني. وبالفعل تحقق الحلم الكوري وأصبحت كوريا بلدا صناعيا تضاهي منتجاتها غيرها من الدول، بل تتفوق عليها وتنافسها جودة وسعرا.
التجربة الماليزية هي التجربة الرائدة في العالم الإسلامي لقد قطع محمد مهاتير رئيس وزرائها الأسبق عهداً على أن يجعل ماليزيا بلدا صناعيا في غضون عقد من الزمان. ولقد وضع السيد مهاتير استراتيجية وطنية وحد بها الجهود وجند الجميع لتحقيق الهدف المنشود. وهاهو الجميع يشهد لماليزيا أنها بلد صناعي سبقت بعض الدول في إقليمها مثل الفلبين التي تمتلك الموارد البشرية المدربة ولها تاريخ طويل في الصناعة. بالرؤية المستقبلية والعزيمة تحقق لماليزيا ما أرادته، ماليزيا الأمة، فقد أصبحت بلدا صناعيا يشار إليه بالبنان خلال عشر سنوات من العمل الجاد والمتواصل لجميع القطاعات ومكونات المجتمع الماليزي.
إنها تجربة تستحق الدراسة والاستفادة منها في بلدان العالم الإسلامي، ليس لأنها تحولت إلى بلد صناعي في غضون سنوات قلائل، إنما لأنها حافظت على هويتها الإسلامية رغم التطور التقني والصناعي والتغيرات والتحولات التي تشهدها. بل إن الاستراتيجية الوطنية استندت إلى القيم الإسلامية في الدفع نحو هذا التقدم الصناعي والتقني.
بطبيعة الحال هناك بلدان كثيرة وتجارب عديدة ناجحة لا يتسع المجال لذكرها جميعها تشير إلى أن الاستراتيجية الوطنية بعيدة المدى هي مفتاح التطور والتقدم والرقي. لا يكفي أن نضع استراتيجية وطنية طويلة المدى كتابة، مع أنها الخطوة الأولى في الطريق الصحيح، ولكن يجب أن تؤخذ على محمل الجد والتطبيق والتنفيذ الصارم لا كما هو في تجربتنا في الخطط الخمسية التي لا يلتفت إليها ولا تستخدم كإطار لتحقيق الأهداف السنوية.
إن التخطيط الاستراتيجي من شأنه إعادة تثقيف المجتمع وتوجيه الجهود نحو هدف مشترك بوعي تام في جميع القطاعات وعلى جميع المستويات. الاستراتيجية الوطنية ليست ترفا أو مشروعا للاستهلاك السياسي، إنها ضرورة أوضحتها الظروف الراهنة والضغوط والتحديات التي نواجهها من كل حدب وصوب. لقد آن الأوان أن نحدد وجهتنا ونعزم أمرنا ونوحد جهودنا وطاقاتنا واستثماراتنا نحو هدف استراتيجي مشترك، وهذا لن يتأتى إلا بوضع استراتيجية وطنية طويلة المدى تكون نبراسا للقرارات والسياسات العامة والخاصة، فمتى يا ترى يتم صياغتها؟
أتمنى أن يكون ذلك في القريب العاجل حتى لا نجد أنفسنا خارج اللعبة.