أولويات المملكة: الأسهم والبحث العلمي
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
القيمة السوقية لعدة شركات سعودية من الفئة غير ذات ربحية معتبرة (شركة المواشي, شركة الباحة, شركة الصناعة المتطورة, شركة بيشة الزراعية, شركة القصيم الزراعية, شركة جيزان الزراعية, وشركة الشرقية الزراعية) تبلغ نحو سبعة مليارات ريال حتى بعد التصحيح المهم في السوق, بينما تبلغ ميزانية مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية لهذا العام نحو 600 مليون ريال, أي أقل من 10 في المائة من القيمة السوقية لهذه الشركات.
لقد قالها سلطان السوق الذي يختزل محصلة خوفنا وطمعنا وأولوياتنا حينما أعطى البحث العلمي أقل من 10 في المائة من قيمة المضاربة والطمع والربح السريع, ليس هناك علاقة مباشرة بين الاثنين حيث السوق في حالة ارتفاع ونزول لعدة عوامل سبق وأن ذكرناها في مقالات سابقة بينما عملية البحث العلمي والبناء المعرفي عملية تراكمية معقدة مرتبطة بالثقافة العامة والسياسة التعليمية وأولويات الميزانية والإدارة الفاعلة في تجهيز الكوادر البشرية القادرة على الإبداع والعطاء, ولكن لا يستطيع المراقب تفادي ملاحظة هذا البون الشاسع في أحد أوجه التقييم في المجتمع, لعل هذا ناقوس خطر على المجتمع, فعكس هذه العلاقة هو تحد لنا جميعا.
حصة البحث العلمي من الميزانية العامة للحكومة والدخل القومي الإجمالي في المملكة أقل ليس من الدول المتقدمة فقط, بل أقل من ماليزيا وإسرائيل وتركيا, يا ترى ما هو السبب خاصة في ظل الوفرة المالية على مدى السنوات القليلة الماضية؟ هل السبب هو قصور في القائمين على البحث العلمي على قدرتهم في بيع أفكارهم ومدى ثقتهم فيما لديهم, أم هي قلة وعي في الأجهزة البيروقراطية في وزارة المالية؟ فبين هذا وذاك حاجة إلى قرار استراتيجي أكثر وضوحا وإلحاحا للأخذ بالبحث العلمي والتقنية إلى مستويات أعلى, اللوم المتبادل هدر للطاقة الإدارية والعاطفية دون نتيجة فعلينا التحرك سريعا وتعويض ما فات.
يشكل البحث العلمي والتقنية القطعة الذهبية الأهم في عقد الإنتاجية التي من دونها لا يستطيع الاقتصاد السعودي المنافسة على المديين المتوسط والبعيد.
الاعتماد المستمر على شراء التقنية يفرض علينا القبول بدرجة أقل من النمو والتنمية الاقتصادية, توافر رأس المال وحده لا يكفي للمنافسة خاصة أن السوق المفتوحة والمنافسة بين الدول والشركات أهم معالم الاقتصاد الحديث خاصة بعد انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية, براءة الاختراعات والتقنية من أهم التشريعات التي تحكم هذه المنظمة, كما أن سلم الحضارة الاقتصادية عموما في حالة زحف متواصل لتعظيم دور العلم والتقنية على حساب رأس المال والجهد العضلي, فليس لدينا خيار سوى الاهتمام بالبحث العلمي وتسخير التقنية.
في زيارة قصيرة لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية لفت نظري حماس بعض العلماء الجادين, فشدتني تلقائية وحماس الدكتور الخويطر في حديثه عن أهمية المحفزات الكيميائية ودورها في الصناعات البتروكيماوية المهمة للاقتصاد السعودي, وكذلك جدية الدكتور الصقور والدكتور الماجد وتفاعلهم مع تصميم وصناعة الأقمار الصناعية, وأنا على يقين أن هناك آخرين على الدرجة نفسها من المسؤولية والحماس الصحي, ولكن عامل الوقت لم يسعفنا لمقابلة الكثير منهم, فهؤلاء هم جنرالات الحروب الاقتصادية الجديدة, فعلينا دعمهم وحثهم على المزيد من العطاء.
الطبيعة التراكمية للمعرفة والبحث والتفكير والإبداع تتطلب صبرا واستثمارات مالية كبيرة وبيئة تشجيع العلم والعلماء خاصة أن لدى المدينة خططا في مجالات معقدة وعلاقات مجتمعية متشبعة كالبعثات والمراكز المتخصصة والاستثمار في حاضنات لتزاوج العلم والتقنية الجديدة مع الرواد في بناء شركات جديدة, ولعل إيجاد هذه الحاضنات وبروز شركات سعودية جديدة في مجالات التقنية العالية التقدم هو المؤشر على أداء القائمين على المدينة ومدى القيمة المضافة للمجتمع من الاستثمار في المدينة وخططها المستقبلية.
لدينا المواهب والقدرات والمال والنواة ممثلة في مدينة الملك عبد العزيز, ولكي يبقى التوجه الاستراتيجي والمجتمعي من خلال زيادة الدعم المالي وإيجاد القاعدة العلمية العريضة لكي لا تكون المدينة المركز الوحيد, فالمواهب في المملكة في كل جامعة وشركة ومصنع. دعم المدينة حاليا وبدرجة عالية ضروري مع تشكيل هيئة استشارية رقابية مكونة من رجال أعمال سعوديين وعلماء من خارج المملكة ويفضل من لديهم خبرة في تأسيس شركات تقنية ناجحة لكي يكون هناك درجة أعلى من المساءلة والمتابعة وإضفاء الطابع الاقتصادي على البحث ونقل التقنية.