لحماية ثقافتنا علينا أن نسارع في تثقيف الآخرين
من وجهة نظر العلماء والأكاديميين والمفكرين والمؤرخين يعتبر النصف الثاني من القرن الماضي هو بداية توجه العالم الثالث للتنمية. ولم تكن هذه الدول وحدها فقد كان أيضا كثير من دول أوروبا يبحث، بعد الحرب العالمية الثانية، عن نهوضه ونموه صناعيا وعمرانيا مع الاهتمام بالفرد خاصة والمجتمع عامة لدحر الفقر وعدم تفشي الجهل والأمراض. خلال هذه الفترة وبينما انغمس العالم في هذه الدوامة, ولد مصطلح "الفكر التنموي" كمصطلح جديد بتعبير أكاديمي جمع ما بين التنمية وما يقود إليها من سبل. في البداية ولأن الاهتمام مالي كانت النظرة اقتصادية بحتة, حيث وجهت الأنظار والجهود لتأسيس البنى التحتية كأولوية لا تحتمل التأخير. وسرعان ما شاع المصطلح كمفهوم, حيث تبنته دول أمريكا اللاتينية, ثم تلتها دول آسيا فإفريقيا، فبرز وتقدم من حقق مكتسبات تواءمت وقدراته ولاءمت مسيرته, وظل وتخلف من تردد وما زال يفكر ويغير منهج تفكيره في محاولة للوصول إلى حل نموذجي. ما لم يدركه معظم هذه الدول هو أن هناك اختلافا جوهريا في تركيبة مجتمعات الدول الصناعية والمجتمعات المثقفة إذا ما قورنت بالمجتمعات التي تفتقر لأبسط مقومات العيش. لذلك أجمع العلماء والمهتمون من المنظمات العالمية على أن معالجة التنمية من منظور اقتصادي تعتبر نظرة قاصرة وخطأ في حق البشرية, ولكن من ناحية أخرى أيضا تجميد أفكارنا عند مفهوم نماء المجتمع فكريا وثقافيا فقط لا يحل معضلات اقتصادية تنموية مهمة. وبالتالي خلصوا إلى أن التنمية عملية اقتصادية اجتماعية لا يمكن الفصل بينهما لتحقيق تنمية مستدامة تعتمد على رسم خطط قصيرة وبعيدة المدى في صلب قضايا الفرد والمجتمع الحياتية.
في وقتنا الحاضر أصبح العالم يتأثر بمفاهيم يمليها عليه الغرب. فالعولمة مثلا كلمة قديمة المعنى والمفهوم إلا أن تسلط الغرب أوجد لها مفاهيم ركبها في مصطلحات أراد منها فرض سطوته وإبهارنا. فظهرت مصطلحات مركبة مثل "العولمة الاقتصادية" و"العولمة السياسية" و"العولمة الاجتماعية أو الإنسانية", وضمَّنها مفاهيم نبيلة ولكن أريد بها الهيمنة والسيطرة والتلاعب في مقدرات الشعوب. لقد قدم الغرب لنا الأولى والثانية ترتيبا لامتلاك الاثنتين القوى التي تمكنهما من الوجود طوعا أو كرها في كل زمان ومكان, وتغنى بالعولمة الإنسانية كأنه يريد إقناعنا باستحالة تحقيق أهدافها الحقيقية لأن تخلف معظم مجتمعات العالم وراء ذلك. في الواقع ستبقى كذلك إلا إذا حرصنا على تبادل وتلاقي الثقافات والحضارات لا تصادمها. مسئوليتنا التضامنية تحتم علينا جميعا القيام بأدوارنا كما ينبغي ولا بد من الثقة بأنفسنا ورسم الخطط الفاعلة لتحقيق الأهداف بالمشاركة في المصير والتجرد من الهوى والنزعة الشخصية والشفافية في العلاقات والتعاملات والبعد عن إصدار الأحكام العاجلة على كل من نتعامل معه, لأن ما يحيط بنا متوازن كونيا، كما قدره الله, إلا أنه قد يختل إذا ما حاول ضبطه الإنسان. فعلينا أن نسعى للتكامل الاقتصادي والثقافي لتتفادى الأجيال المقبلة أن تعيش زماننا في عصرهم ومعالجة قضاياهم بأسلوبنا فيقعون في أخطاء جديدة وتتعثر الخطى نحو طريق التنمية مرة أخرى.
لا شك إن الإعلام ملهم ومفيد في نشر المعلومات وعولمتها, ولكنه قد يكون محبطا ومضللا وسببا في إشعال فتيل التشاحن, أي أنه سلاح ذو حدين. لقد وقعت كارثة 11 أيلول (سبتمبر) وبدأ العالم الإسلامي يخسر الساحات المفتوحة وفقد توازنه بسبب قلة الخبرة الإعلامية, وتخلخل أسس ومبادئ المهنية التي انحدرت في بعض المحافل, وأظهرت سذاجة في أخرى, مع ثبوت عدم قدرته على المجاراة في معظم الأحداث والمناسبات. فانشغلت مجتمعاتنا عن رؤية العالم الحقيقي ونحن جزء منه, فتنافرنا ولم نتقابل لفترة ليست بالقصيرة، وكان ذلك مدعاة لزيادة الهوة بيننا مما أفقدنا الأمل في إيجاد ما نبحث عنه وهو التكامل. وبما أنه لا وجود للحظات الرأي الرائعة لعدم الالتزام المنهجي والنمطي في استطلاعه، فأصبحنا آحادا تتكسر هنا وهناك, وتعصف بنا العواصف وتؤثر فينا أي موجة إعلامية أو فكرية. ولكن في قضية الحرية الصحافية التي رسمتها الصحافة الدنماركية أخيرا أراد الله، سبحانه وتعالى، أن تكون للإعلام العربي والإسلامي كلمة قوية مدوية, وكأن هذه المجتمعات كانت على موعد للقاء ثقافي. بدأ الجميع بالرد في تأصيل حب النبي، صلى الله عليه وسلم, بل الأنبياء والمرسلين كافة، عليهم السلام, كما تم التجمع لإقامة مؤتمر لحوار الآخرين في فظاعة المساس بالأديان والرسل بصفة عامة, وتم تنظيم الأنشطة الاجتماعية المناهضة فكانت مؤثرة, وكان ذلك تناولا حضاريا راقيا أكسب الآخرين الاحترام والتقدير للمجتمعات الإسلامية والعربية، وبدأ الجميع يشعر أن العولمة الإنسانية لا بد أن تسود، ومن أجل أن نذود عن ثقافاتنا لا بد أن نتقدم بخطوات جريئة في تثقيف الآخرين.
عربيا وإسلاميا, فقد بدأت المجتمعات تتناول بكل أريحية وتطرح من دون تكلف آراء واقتراحات فكرية وعملية للنهوض بمعنويات الفرد ووضع أقدام المجتمع على الطريق الصحيح مما يوحي بأن هذا العام هو الانطلاقة نحو العولمة الإنسانية التي يتوقع دعمها عن طريق العولمة السياسية والاقتصادية بتوفير المناخ المناسب ووضع الآليات لتحقيق الطموحات. وليس أدل على ذلك من بداية محاورة النخبة في قراراتهم من قبل المتخصصين والعارفين والمطلعين, وتبني الحوار الوطني ومحاولة تنفيذ ما نتج عنه من توصيات, وما تخطه أقلام المفكرين والكتاب باستمرار عن خططنا لتنمية المعرفة والتنمية الشاملة. كل ذلك من شأنه إعادة الروح الجماعية للأمة ونبذ الأنانية والتعصب اللذين أغرتا المغرضين في وقت من الأوقات بشق الصف وزرع روح التناحر بين المجتمعات. كما أن نصف المجتمع بدأ يعود لصفوف المقدمة, لتشعرنا الشقيقة بحضورها. إلا أن أمامها أن تتدرب على تحمل المشاق الجسدية ومواجهة الجدل القائم حولها, لأن أسلوب المنافسة في عصرنا الحاضر تغير بدخوله مرحلة الندية الفكرية. لذلك يمكن أن تغتنم الفرصة لنفسها بتكوين شبكات بينية مع قريناتها داخليا أو خارجيا لتثقيف نفسها وتنمية قدراتها بما يساعدها على عبور الشائك من الطرق. قد تصقل هذه الجهود شخصيتها وتربي فيها روحا صلبة غير معهودة عنها, ولكن بما تملكه من قوة إيمان وما تسلحت به من معرفة وما تختزنه من حنان أمومة, ستتحمل ما تواجهه لتستفيد منه في سبيل تنشئة جيل التنمية الواعد الذي ننتظره.