رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


امتد الجسر الثقافي وبقي الجسر البحري

كثر الحديث عن الجسر البحري المأمول إنشاؤه بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر الشقيقة، حيث يكون إضافة جديدة في وسائل المواصلات بين البلدين. إلا أن وسيلة أخرى استبقت هذا التواصل بمراحل ألا وهو الجسر الثقافي, فقد قامت دارة الملك عبد العزيز بتحويل المشروع من أسمنتي إلى ثقافي عندما وقع محمد صابر عرب رئيس هيئة دار الكتب والوثائق القومية المصرية, والدكتور فهد عبد الله السماري رئيس دارة الملك عبد العزيز في المملكة (في منتصف شهر المحرم الماضي) مذكرة تعاون مشترك, كدعم للعلاقات الثقافية والتاريخية بين مصر والمملكة. لقد كان توقيع الاتفاقية في مصر بمثابة الجسر الثقافي الذي يؤمل به ربط الأنشطة الثقافية بأواصر أقوى وأمتن بين البلدين. ولقد حوت الوثيقة أو الاتفاقية على عدة محاور تركزت حول: تبادل الخبرات في الصيانة والترميم والتقنية, وتبادل النشرات والمطبوعات والإصدارات, وإتاحة الفرص أمام الباحثين للاطلاع على الإنتاج الفكري للبلدين, وإقامة المعارض والندوات, وتبادل الزيارات. لا أشك أن هذه هي البداية الصحيحة لتجسير الثقافتين ولكن لا نريد أن نعبر دون أن نؤصل هذا الرباط بتواصل مستمر يضيف لكلا البلدين تراثا يثري الشعبين ويعزز قدراتهم ويدعم الحوار بينهم.
أن مواجهة تحديات العصر تبدأ بخطوات تقرن بين التراث والتقدم الحضاري مشهودا من قبل مجتمعين ارتأوا أن يكون نقل الثقافة بينهما هو ركيزة النهضة الحضارية, ولئلا تجرف العولمة بجانبها المظلم ما سجل وما يمكن أن يسجل لحضاراتنا لا بد أولاً: من التكاتف بين الأجهزة التعليمية في البلدين في فتح بعض القنوات مثل مهرجانات القراءة ليفيد الطرفان كل من تجارب الآخر وبتكثيف الزيارات يمكن تحفيز برامج كانت مجرد أفكار لم يكتب لها البداية الصحيحة. ثانياً: لا بد من التقاء مفكري المملكة ومثقفيها وكتابها وأدبائها وعلمائها بأقرانهم وأشقائهم في مصر بصفة دورية لترسيخ مفهوم التواصل الفكري بين المجتمعين وتسريع معدلات النمو المعرفي وتقبل الآخر والتعايش معه ليكون المجتمعان نماذج حية أمام عالمنا المعاصر نستفيد من بعضنا البعض في التعامل مع العولمة وتأثيرها على المجتمعات العربية.
تحاول الآن الدارة والهيئة بهذه الاتفاقية أن تردما الفجوة التي تكونت خلال السنوات العشرين الماضية, إلا أننا لا نفتأ نذكر (وللتذكير فقط) أننا دائما نبدأ المشاريع ثم ننسى أو نتناسى ما بدأناه. ثم ما نلبث أن نفكر في أخرى وبدون تخطيط جيد وإعداد منظم ومتابعة لصيقة نجد أنفسنا وقد فقدنا مشاريعنا السابقة والحالية والقادمة، وللأسف تكون النتيجة انقطاع ما تم وصله. نحن الآن ننتظر إعلان الخطوة التالية أو خطة الدارة والهيئة لعقد قادم من الزمان على أقل تقدير.
لا شك أن المكتبة في هذا الإطار معنية بالدرجة الأولى، حيث لا يحتل المنجز العلمي أو المؤلف الأدبي في المملكة نفس الأهمية والدرجة إذا ما قورن بالإنتاج الفكري بمصر. لذلك نحتاج أن نتبادل هنا الثقافات من أجل تنمية متوازنة, فلقد تاثرت المكتبات بفئاتها المختلفة وعلى الاخص الجامعية منها في الآونة الاخيرة حيث فقدت توازنها وبدأت خسائرها بعزوف القارئ وتراجع الأكاديمي عن التأليف والتثقيف وأصبح يبحث عن كيفية تقليد الحضارات التي سبقتنا بعد أن كانت تضعنا مثلا لها. قد يكون في المكتبات المتحركة أو المتنقلة بصيص نور كأحد أهم المشاريع التثقيفية التي نحتاج إلى التعاون بخصوصها لإنجاح فكرة القراءة للجميع والتي اكتسبت فيها دولة مصر خبرة طويلة, لذلك لا بد من تسليط الضوء على هذا الجانب وتكرار التجربة في المملكة. كما أن مصر اختيرت أخيرا كأحد مراكز توثيق التراث الحضاري والطبيعي في العالم, لإسهاماتها في استخدام التقنيات الحديثة في مجال التوثيق, فهل تتم الإفادة من كون مصر عضوا في شبكة المراكز الخبيرة في معالجة الثقافة التراثية؟ من ناحية أخرى هل تكثف إقامة الملتقيات الأدبية وعلى الأخص منها الشعرية بعد أن تاه الشعر في بحور زمننا الحاضر؟ وهل نضع حدا لوقوف المثقف المهني المتخصص الأمين وحيدا يبحث عن ناشر أو داعم لمؤلفاته وأفكاره؟ لأنه إن لم يجد من يسانده فسنفقده, وعندها هيهات لنا أن نعوضه بآخر خصوصا وأن الأمة انشغلت تماما بالنوازل المتتالية عليها خلال العقود الأخيرة الماضية.

على صعيد آخر فالحضارات الغربية بالرغم من أنها تمكنت لفترة من دس بعض الأفكار بين أممنا وأججت بعض العقول لخلخلة العلاقات بين الشعوب وحكوماتها, إلا أنهم لم يستطيعوا هم وأعوانهم بغزو أو زعزعة ثقافتنا لأنها مستمدة ومبنية على القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي ذي القاعدة الثقافية المتينة ولله الحمد. لقد ظلت الثقافة هي همزة الوصل بين الشعوب العربية والإسلامية, وما هذه الاتفاقية إلا التحام بعد وصل, نتخطى بها الأزمات فنخيب آمال الغرب ونبقي على آمالنا لتستديم في نماء مستمر. وعلينا الآن أن نركز في التواصل عبر هذه الاتفاقية على تشجيع الترجمة من جميع اللغات إلى اللغة العربية وبالعكس, فالتراجم هي همزة الوصل مع بقية مجتمعات العالم, فسيكون للترجمة والتأليف شأنهما عندما نطلع على الثقافات الأخرى ونتعاطى معها ونتبادل همومها الحياتية. وما آخر تحرر صحافي للصحافة الدنماركية وانتشارها بشكل واسع بعد مرور (أربعة أشهر) لدليل أكيد على ضعف التواصل في الترجمة وتبادل المنافع الإعلامية في البداية, بل على العكس كان من الممكن أن توأد الفكرة وهي في مرحلة استطلاع الرأي وبالتالي حقن كل ذلك اللغط الذي أحيط بالموضوع ولظهرت مكانة الإسلام الحقيقية في منطقها وثباتها وليس فيما وصمت به من التفكك والفوضوية وآخرها الإرهابية.
وللتنويه فقد أصدرت دارة الملك عبد العزيز عددا خاصا من مجلتها الفصلية المحكمة تحت عنوان "مكة المكرمة". حفل العدد بالعديد من الأبحاث التاريخية والثقافية القيمة. حبذا لو حظيت هذه الاتفاقية بإصدار خاص أيضا يقوم فيه باحثون من البلدين الشقيقين يعرضون فيه تاريخ الأمة والأزمات الثقافية أو الفكرية التي مرت بها كنوع من الإثراء النوعي للتواصل بينهما في عرض ما جمع بينهما منذ العصور القديمة في حركة دينية وتجارية امتدت خيوطها إلى عصرنا الحاضر فوضعت البلدين على الخريطة الجغرافية والأدبية والسياسية لأزمان قادمة. قد يؤدي ذلك أيضا إلى تحرير الجمود الفكري في مواجهة العولمة المعاصرة بأبحاث عن رفض الانحسار الفكري تجاه العولمة وإثراء الحوار عنها وتناول مواضيعها برؤى مختلفة تمكننا ركوب الأَسِنةِ بكل اقتدار.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي