تناقص الصبغة الأمريكية في القائمة لصالح فضائل "الاقتصاد القديم"

تناقص الصبغة الأمريكية في القائمة لصالح فضائل "الاقتصاد القديم"

من الذي كان يظن قبل 20 عاماً أن إحدى شركات النفط والغاز الروسية ستصبح واحدة من أكبر عشر شركات على قائمة فاينانشال تايمز لأكبر 500 شركة عالمية، في حين أن شركة فورد لم تتمكن من دخول القائمة أصلاً؟
هذا العام يحتل النفط مركزاً رئيساً في قائمة فاينانشال تايمز لأكبر 500 شركة عالمية. وساعد الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام، التي تجاوزت 70 دولاراً للبرميل، على أن تصبح إكسون موبيل أكبر شركة من حيث القيمة السوقية، وتتفوق على الثنائي الذي كان يحتل رأس القائمة في العادة، وهي شركة جنرال إلكتريك وشركة مايكروسوفت.
لكن الشركات التي تعتمد على استخدام النفط لم يكن حظها من النجاح كبيراً. كما أن المشاكل المالية التي أثقلت كاهل اثنتين من كبريات شركات صناعة السيارات، كفورد، كانت السبب في خروجها أخيراً من القائمة، إلى جانب مجموعة صناعة السيارات الفرنسية بيجو.
واحتلت غازبروم، الشركة الروسية العملاقة في مجال النفط والغاز، المرتبة الثالثه هذا العام في قائمة أكبر 500 شركة عالمية، بعد أن كانت تحتل المرتبة الـ 58 في السنة الماضية. وتمكن المستثمرون من التغلب على الشكوك التي كانت تساورهم حول حوكمة الشركات الروسية وحول الاستعداد الواضح لنظام الرئيس بوتين لاستخدام الطاقة سلاحاً سياسياً. ليس هذا فحسب، بل إن غازبروم تحتل الآن مرتبة في القائمة المذكورة أعلى من التي كانت تحتلها في31 آذار (مارس). وهناك شركة أخرى منتجة للنفط من إحدى الأسواق الناشئة، وهي شركة بتروبراز البرازيلية، حققت قفزة لا يستهان بها من المرتبة رقم 113 إلى المرتبة السادسه والأربعين .
وإضافة إلى ذلك، انضمت إلى القائمة أربع شركات أخرى من الشركات المنتجة للنفط (إلى جانب إحدى شركات إنتاج معدات النفط)، مما رفع المجموع الكلي لقطاع النفط إلى 37 شركة (أو 42 شركة إذا أضفنا إليها الشركات التي تتخصص في المعدات النفطية). وبذلك يصبح قطاع النفط ثاني أكبر القطاعات في القائمة، حيث بلغت قيمته 11.2 في المائة، والقطاع الوحيد الذي يأتي قبله هو قطاع البنوك.
وبطبيعة الحال ليس النفط هو السلعة الوحيدة التي شهدت ارتفاعاً حاداً في الأسعار، بل إن بعض السلع، مثل السلع التي على شاكلة البلاتين والفضة، ارتفعت أسعارها بنسب أعلى حتى من النفط. وأدى هذا إلى أن يرتفع تصنيف شركات التعدين والمعادن ارتفاعاً كبيراً. وارتفع تصنيف BHP من المرتبة الـ 41 إلى المرتبة 28. أما Rio Tinto فإنها تحتل الآن المرتبة الـ 57 بعد أن كانت في المرتبة رقم 117 في السنة الماضية. وانضمت إلى القائمة ثلاث شركات متخصصة في التعدين وثلاث شركات من شركات المعادن، مما رفع نصيب شركات التعدين في القائمة إلى سبع شركات وشركات المعادن إلى 13 شركة. وتبلغ القيمة الإجمالية هذا العام لقطاعي التعدين والمعادن 3 في المائة من مجموع الشركات الـ 500، بعد أن كانت النسبة 1.8 في عام 2005.
والخبر السار بالنسبة للمستثمرين هو أن الارتفاع في أسعار السلع في الواقع لم يكن له تأثير كبير على أرباح الشركات. بل إن أرباح الشركات الأمريكية تشكل الآن أعلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة منذ أربعين عاماً. كما أن ارتفاع أسعار النفط والبنزين لم يصب المستهلكين بضرر بالغ بحيث يمنعهم من الإنفاق. ونتيجة لذلك فإن النمو الاقتصادي العالمي هذا العام هو نمو قوي. بل إن الخبراء يقولون إن هذا النمو نفسه هو السبب وراء الارتفاع في أسعار السلع.
ونتيجة لذلك فإن الارتفاع الحاد في أسعار أسهم شركات المواد الخام لم يأت على حساب بقية الشركات في أسواق الأسهم. والذي حدث هو أنه كان يغلب على شركات النفط والمعادن أن تحتل المراتب الأولى في السوق. وأدى ذلك إلى أن يحقق المؤشر العالمي لجميع البلدان، وهو مقياس عريض لأداء أسواق الأسهم العالمية يصدره "معهد مركز خدمات المعادن" أدى إلى أن يحقق رقماً قياسياً في أيار (مايو).وكان لا بد أن ينحي النفط جانباً عدداً من الصناعات الأخرى في السباق نحو القمة. إذ هبطت قيمة قطاعي الاتصالات الآن لتصل إلى 6.7 في المائة فقط من قيمة القائمة، بعد أن كانت 8.2 في المائة في عام 2005. وخسرت شركات صناعة الأدوية الكبرى، مثل جونسون آند جونسون، وروش، وبريستول مايرز سكويب، مكانتها نتيجة لقلق المستثمرين من القضايا المقامة ضدها ونتيجة لصعوبة تطوير أدوية جديدة تحقق نجاحاً كبيراً.
ولم تعد شركات التكنولوجيا الآن من الشركات ’الساخنة‘ ذات النمو الكبير أو من الشركات التي يسعى كل شخص لاقتناص نصيب منها. والشركة الوحيدة من شركات التكنولوجيا التي تحتل موقعاً في الشركات العشرين الأولى هي شركة مايكروسوفت، أما شركة IBM فقد هبطت إلى المرتبة رقم 26 بعد كانت في المرتبة الـ 13 عام 2005. وهبطت شركة إنتل إلى المرتبة رقم 33 بعد كانت تحتل المرتبة الـ 15. أما الشركات التي كانت فيما مضى أسماء لامعة، مثل أمازون كوم وشركة Research In Motion (المشهورة بصناعة أجهزة بلاكبيري واسعة الانتشار) فقد خرجت من القائمة كلياً.
وكما هي الحال دائماً مع شركات التكنولوجيا، فإن بعض الشركات يعلو شأنها في الوقت الذي تهبط فيه حظوة بعض الشركات الأخرى. فقد دخلت شركة جوجل القائمة للمرة الأولى في السنة الماضية واحتلت المرتبة رقم 279. أما هذا العام فقد شهدت ارتفاعاً حاداً وأصبحت تحتل الآن المرتبة الستين، وذلك لأن المستثمرين شعروا بالتحمس من الإمكانات الكبيرة لتحقيق الأرباح من روابط الإعلانات.
لكن الملفت للنظر هو أن جوجل لم تكن أكبر شركة حققت قفزة هائلة في أسهم شركات التكنولوجيا. فهذه المرتبة العظيمة هي من نصيب شركة كورنينج، التي قفزت من المرتبة رقم 392 إلى المرتبة رقم 160، وذلك بفضل دورها كمصَنِّع للزجاج في الشاشات المستوية المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر والتلفزيونات، حيث يبدو أن الطلب على شاشات التلفزيون المستوية بالذات تضاعف عشرات المرات.
وسمح التعافي لليابان بأن تتفوق على المملكة المتحدة لتصبح ثاني أكبر البلدان في القائمة، حيث إن لديها 69 شركة في القائمة تمثل 9.6 في المائة من قيمة الشركات العالمية، بعد أن كان لديها 43 شركة في عام 2005 بقيمة تمثل 6.9 في المائة من القيمة الكلية. ومن أكبر الشركات التي حققت صعوداً ملحوظاً هناك ميتسوبيشي إستيت، المتخصصة في العقارات، وسوفت بانك، مجموعة الشركات المتخصصة في الإنترنت، حيث قفزت الواحدة منهما 200 مرتبة تقريباً. أما الشركة المندمجة Mitsubishi UFJ Financial فقد قفزت 63 مرتبة، حيث صعدت من المرتبة رقم 82 لتحتل الآن المرتبة الـ 19.
وحيث إن الدول الغنية بالنفط مثل روسيا والسعودية تزيد الآن من حضورها في القائمة، فإن هذا يعني أن الصبغة الأمريكية للمراتب في القائمة أصبحت إلى حد ما أدنى من ذي قبل. وفي حين أن الولايات المتحدة في عام 2005 كانت لديها 220 شركة كانت تمثل 50 في المائة من القيمة الكلية للقائمة، إلا أن ما لديها هذا العام هو فقط 197 شركة تبلغ قيمتها 44.2 في المائة.
ولعل هذا دلالة على الانتقال بعيداً عن الولايات المتحدة، وهي الدولة التي تعتبر المثال الكلاسيكي لمفهوم ’الاقتصاد الجديد‘، باتجاه الدول التي تمثل فضائل ’الاقتصاد القديم‘، مثل توافر المواد الخام وقاعدة التصنيع الرخيصة. وقد ظهرت فعلاً منذ الآن تداعيات سياسية لهذا الانتقال. فهل يفهم من هذا أن قائمة أكبر 500 شركة تدل على ضعف الولايات المتحدة باعتبارها قوة عظمى؟

الأكثر قراءة