رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


النفط: تطابق المصالح

تعددت الأسباب والموت واحد، هذه المقولة القدرية تحدد الهجمة على النفط هذه الأيام. هناك من يريد دفن النفط. تحدث الرئيس بوش في خطابه عن حالة الاتحاد وبعدها عن الحاجة إلى تقليص الاعتماد على النفط عموما ونفط الشرق الأوسط خاصة. ثم أتي الهجوم الفاشل على منشآت نفطية في بقيق، وكما قيل إن هناك تعليمات من قيادة تنظيم القاعدة بالهجوم على مقدرات وخيرات الأمة من النفط. التآمر شيء والتعاون شيء وتطابق المصالح في السياسة شيء آخر، ولكن لا يسع المراقب إلا أن يشهد أن هناك توافقا في الهدف المرحلي على أقل تقدير.
وحيث إن صناعة النفط اقتصاديا معقدة ومكلفة وتتطلب وقتا طويلا جدا في إعادة تأهيلها كما تشهد الأحداث في العراق، فالتوافق في المصالح قد يكون أكثر من مرحلي نظرا للتشابك السياسي مع الاقتصادي. لسنا بصدد تحليل النوايا سواء حسنة أو سيئة فهذه ليست لمحلل أو استراتيجي أو اقتصادي ولكن حينما يكون الهدف معلنا وعمليا فعلينا حماية مقدراتنا من ناحية والعمل على توظيفها التوظيف الأمثل اقتصاديا من ناحية أخرى. وبما أن اللعبة استراتيجية فيجب علينا لعبها استراتيجيا بالحماية الأمنية والسياسية من ناحية وإحداث نقلة اقتصادية من الاعتماد على النفط من ناحية أخرى، لا نستطيع اللعب استراتيجيا بواحدة فقط. سياسيا وأمنيا استطاعت قيادة هذه البلاد توفير الحماية الكافية، وما فشل هذه المحاولة الأخيرة إلا مثال طيب على كفاءة رجال الأمن السعوديين في حماية مقدرات بلادهم. النفط سلعة اقتصادية ذات بعد سياسي بسبب تركيز التوزيع الجيولوجي وطبيعته الاقتصادية كسلعة ناضبة ورئيسة (لا تعتمد في الأساس على العمل المنتج بل دخل وافر دون جهد كبير) صناعة بهذه الخصائص لا بد أن تكون ذات بعد سياسي. هذا العامل السياسي يخضع لتوازنات إقليمية دولية تتعايش معه المملكة على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان بدرجة معقولة من النجاح بما فيها من تجاذبات إيجابية وسلبية. السياسة فن الممكن، وتعلمت الملكة التعامل معها في هذه الفترة بكل ما فيها من حلو ومر.
هناك تداخل بين السياسة والاقتصاد وخاصة حينما يكون الموضوع النفط والتعامل مع عوائده، ولأن مصلحة البلاد في المدى البعيد هي في الاقتصاد ولأن الاقتصاد يغلب في التأثير على المدى البعيد، فإن العمل الأكثر إفادة هو في الجبهة الاقتصادية.
المساحة الاقتصادية وإحداث النقلة في مقومات الناس والحكومة والدولة هما المجال الخصب لتوظيف عوائد النفط في المديين القصير والبعيد. المدى القصير دائما أكثر إلحاحا سياسيا وأقرب إلى أفئدة الغالبية من عامة الناس وفيه مجال للتكتيك، أما الاستراتيجية وإحداث النقلة في مقدرات المواطنين ومؤسسات البلاد مهما في اختصاص القلة القليلة من الناس ومركز اهتمامهم، حيث إن المدى بعيد والنتائج يصعب ضمان نجاحها وليس من السهل شرحها لكثير من الناس وخاصة في مجتمعات السياسة في خاطرها والعواطف قريبة للسطح في وجدانها، وأحيانا تغلب هذه حتى على المصلحة.
هناك عناصر مؤثرة تجمع في تأثيرها على المدى القصير والمدى الطويل، ويجب علينا توظيفها بوضوح في ازدياد الجدية في العمل لقطع الطريق على كل من تتطابق أولا تتطابق مصالحهم على حسابنا، أحد أهم هذه العناصر هو سلاح العلم والتعليم، العلم في قدرتنا على الاستيعاب والرغبة في المعرفة وأساليب الفكر التدريجي والتصاعدي في البناء المعرفي والفكري، والتعليم في تطبيقاته العملية وإذكاء روح والإبداع لدى المجتمع. التعليم الجاد يدمر الحواجز بين الناس من بدء إرساء دعائم الهوية والانتماء إلى احترام العمل وأخلاقيات العمل إلى إعطاء طبقات أخرى من المجتمع الفرصة في الرقي والأمل أن يكون من النخبة في جميع نواحي الحياة سواء في التجارة أو العمل الأكاديمي أو الحكومي أو أي مجال آخر. العنصر المؤثر الآخر هو البنية التحتية للاقتصاد من طرق إلى قطارات إلى موانئ إلى مدارس ومراكز سياحية. العنصر الثالث هو بناء المؤسسات المتخصصة وإعطاؤها الأسنان القانونية لأن تكون مؤسسات قوية ومراكز قيادية كل فيما يخصه سواء في المال والهندسة أو الطب أو غيرهما. العنصر الأخير هو الشفافية والوضوح فيما نعمل وماذا سنعمل لما في ذلك من قطع وارد لكل الشكوك؟
اكتمال هذه العناصر وحيويتها ينقل المجتمع إلى مستوى آخر وعيا واقتصادا مما يعزز الشرعية وتشابك المصالح وانغماس الناس فيما يفيدهم ويغني حياتهم أخلاقيا وماديا.
لعل هذا الإطار الفكري يكون نقطة انطلاق لعمل شاق وطويل أنجز البعض منه وبقي جزء غير قليل، وعلينا التعاون والتكاتف قيادة وشعبا لإكمال هذا الإطار فكرا وعملا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي