تطبيق القانون .. الأمور الصغيرة أولاً!
لا شك أن عدم احترام القانون وتطبيق الأنظمة أحد أهم المظاهر السلبية في المجتمع. فحيث ما ذهبت وفي أكثر الأحيان تصادف من يتعمد خرق القوانين وكأن ذلك جزء من الثقافة. فهناك اعتقاد راسخ أن مخالفة الأنظمة وتحقيق الفرد مبتغاه خارج دائرة القانون, أي أن يكون فوق النظام أمر مقبول اجتماعيا بل أمر محمود ينعت فاعله بأحسن الألقاب والصفات، لديه معرفة بجميع الطرق الملتوية للحصول على ما يريد. هذه الظاهرة لا تنحصر في الحصول على الخدمات والسلع العامة من الأجهزة الحكومية لا، بل هي حاضرة على جميع المستويات والسلوك الاجتماعي.
عند إشارة المرور تجد من يتعدى على حقك في الطريق فبدلا من أن تكون في أول الصف تصبح بقدرة قادر في آخره! بعدما يتقدم الجميع ويواصلون زحفهم إلى منتصف التقاطع وأن يتحول الطريق ذو المسارات الثلاثة إلى خمسة مسارات أو أكثر تملأ جنبات الطريق ولربما كان البعض قد صعد الرصيف بسيارته دون خجل ووجل: لِمَ لا؟ فشرطي المرور لا يعاقب على ذلك بل ترى بعض أفراد المرور يسلك المسلك ذاته.
وها أنت قد انتهيت من شراء حاجياتك في محل تجاري ودفعت بعربتك تنتظر دورك، فتفاجأ بمن يتقدم عليك بسرعة البرق دونما استحياء وكأنك لا شيء أو شبح لا ترى بالعين المجردة فلا يلقي لك بالا ولا عليك التحية ولا يستأذنك بل يقذف بحاجياته قبل أن يرتد طرفك وكأنه أمر واقع وحق مكتسب ليس لك الخيرة، فحجته أن مشترياته قليلة لا تستحق الانتظار وأن قراره هذا يجب أن يحترم ويقدر. لقد أصبح بعض الناس يأخذون ما لهم وما عليهم دون تفريق بأي طريقة كانت، المهم أن يحصلوا على ما يريدون حتى ولو كان في ذلك تعد على حقوق الآخرين.
مشهد آخر يدخل فيه المدرس على الطلاب فيعلن حظر التجوال والتزام الصمت وعدم الحركة لأنه مرهق جسديا ومتعب نفسيا فقد تعرض لخسارة في سوق الأسهم! لو سمح للطلاب الحديث مع مدرسهم هذا لقالوا بصوت طفل واحد: وما ذنبنا يا أستاذنا الفاضل ألا يفترض أن تعطينا الدرس مهما كانت الظروف فليس لنا علاقة بما يحدث لك في حياتك الخاصة وأن تصرفك هذا يعلمنا عدم الإخلاص في تأدية الأمانة وعدم الصدق في المعاملة والتعدي على حقوق الآخرين من حيث تدري أو لا تدري.
حتى داخل بيوتنا نربي أبناءنا على مخالفة القانون فتجدنا نحفز أطفالنا منذ نعومة أظفارهم على أخذ ما ليس لهم والتعدي على الأطفال الآخرين وكأنما لسان الحال "إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب" و"إن لم تظلم الناس تظلم" ونكيل المديح لذلك الطفل الشقي الذي لا ينتظر دوره في اللعبة أو يأخذ ألعاب الأطفال الآخرين دون استثناء ظلما وعدوانا. بل وصل بنا الحال إلى أن ننعت ذلك الطفل بـأنه "شيطان" بصيغة المدح! فكأنما نحفزه ونشجعه أن يكون شيطانا (العياذ بالله) من أن يكون "ملاكاً" يعمل الخير ولا يتعدى على الغير!
هكذا نحن نكره القانون ونعتبره مقيدا للحريات بل يعتقد البعض أن فيه تقليلا من شأنه وأن التزامه هو ضعف وسذاجة! تركيزنا دوما على المصلحة الذاتية كيف نحصل على الأكثر بأقل جهد ممكن وبأي طريقة كانت. مشكلتنا الحقيقية أننا غير قادرين على رؤية المصلحة الجماعية, أي أن هناك مصلحة لا تتأتى إلا بنظرة جماعية أي بعين الجماعة وليس الفرد. على سبيل المثال مهما بذلنا من جهد في أن نجعل الحي أو المدينة نظيفة فلن نستطيع لذلك طلبا إذا كان هناك فرد واحد لم يلتزم النظافة منهجا واستمر في رمي مخلفاته في الشارع دون مبالاة للآخرين، فستبقى المدينة غير نظيفة (نسبياً) إلى حين يقلع ذلك الشخص عن عادته السيئة. أي أن هناك منفعة لا نتحصل عليها إلا من خلال الالتزام والتعاون الجماعي بين الأفراد والجماعات في المجتمع. وهذا هو السر والمعنى الحقيقي وراء القانون العام الذي يفسر بالعقد الاجتماعي وهو أن الناس كأنما تعاقدوا وتعاهدوا على أن يتنازلوا عن جزء من حرياتهم من أجل الانضباط الاجتماعي. فحين نقف عند إشارة المرور عندما تضيء اللون الأحمر ونتابع السير عندما تكون خضراء يبدو الأمر سخيفا ومستهجنا. فكيف نأتمر لإشارة مرورية ونحترم إضاءتها، ولكن الأمر أكثر من ذلك بكثير فلو دقق كل واحد منا فسيجد أن الجانب الآخر للموضوع هو أن الكثيرين سيلتزمون الوقوف لحين يمر موكبنا محترما مبجلا من لدن الآخرين وهم كذلك حين يأتي دورهم. الطامة الكبرى التي نعاني منها في المجتمع أننا نرضى ونريد ذلك لأنفسنا ولا نرتضيه لغيرنا، فكم مرة نشاهد من لا يلقي بالا لإشارة المرور أكانت حمراء أو خضراء أو أي لون آخر ورسالته أنا لست غبيا أو جبانا أو ضعيفا مثلكم أقف وأحترم القانون، فالقانون وضع للمغفلين! هذا في حال وجود مركبات أخرى فما بالكم حين تكون الشوارع خالية من المركبات، إن احتمالية وقوفه ستكون (0 في المائة) في ظل ثقافة عدم احترام القانون.
هذه المشاهد السلبية وغيرها كثير، قد يعتبرها البعض مظاهر لا تستحق التوقف عندها ومناقشتها ولكن معظم المشاكل الكبرى والأكثر خطورة مثل السطو المسلح والسلوك الإرهابي والإجرامي وتعاطي والاتجار بالمخدرات هي بسبب تعطيل القانون في السلوكيات العامة اليومية. إن السبيل في خفض نسبة الجريمة والسلوك الإرهابي بجميع أنواعه يبدأ بتطبيق القانون وبصرامة على الأمور الصغيرة الدقيقة, وهذا سيقود إلى حل الكثير من المشاكل الكبيرة. لقد تم تطبيق ذلك في مدينة نيويورك في عهد رئيس بلديتها جولياني. فقد كانت مدينة نيويورك تعاني تزايد معدل الجريمة بل اشتهرت بذلك سنوات طويلة. أذكر أول مرة قمت بزيارتها في صيف 1975 وكان الجميع يحذرنا من احتمالية التعرض للسرقة أو التهديد والابتزاز ولذلك لم أعاود زيارتها حتى عام 2000 التي كانت بصحبة أحد الزملاء في الجامعة لحضور مؤتمر في كندا. ولأنه لم يسبق له زيارة الولايات المتحدة من قبل أصر على المكوث في نيويورك لبضعة أيام. ولقد كانت المفاجأة كبيرة والدهشة عظيمة لما شاهدته من مستوى راق للنظافة والأمن الذي أصبحت تنعم به، وهذا ما وافقني علية الكثيرون من سكان المدينة عندما تحدثت معهم عن هذا الأمر. لقد كنا نستقل قطار الأنفاق بعد المغيب بأمان تام وهو أمر لم يكن معهودا من قبل. وبالتقصي يقول أهل نيويورك إن جولياني حين تولى إدارة المدينة استدعى باحثين من إحدى الجامعات وطلب منهما الرأي والمشورة، وبناء على دراسات وبحوث ميدانية أوصيا بالاهتمام بالأمور الصغيرة وتطبيق القانون بحزم وصرامة حتى على المخالفين من المشاة في عبور الشارع. كان من شأن ذلك إعادة تثقيف المجتمع باحترام القانون ونشر الوعي بأهمية النظام حتى أصبح السلوك العام للناس منتظما ومنضبطا وتخلى الكثيرون عن اللامبالاة والفوضوية. إن الوعي الجماعي والالتزام بالنظام أسهم في جعل مدينة نيويورك أكثر نظافة وأقل جريمة فلم يعد للمخالفين مكان بل إن سلوكهم النشاز أصبح ظاهرا بعدما كانوا يتوارون عن الناس ولم يكونوا ظاهرين في ظل ثقافة عدم الانتظام وعدم احترام القانون من الجميع.
إن الدرس المستفاد من هذه التجربة هو أن الاهتمام بتطبيق النظام في الأمور الصغيرة يقود إلى تقليل مخالفة النظام في الأمور الكبيرة. وإذا ما وصلنا إلى قناعة وأردنا تطبيق هذا التوجه في حالتنا فستواجهنا مشكلة يجب معالجتها أولا، تتمثل في أن بعض القائمين على تطبيق القانون من موظفي الأجهزة الحكومية غير مدربين وتنقصهم المعرفة القانونية وبالتالي ربما لا يتفهمون أهمية الالتزام بالقانون ويعجزون عن تطبيقه بالشكل الصحيح. قد يكون من أهم المهارات المطلوبة في هذا المجال القدرة على الموازنة بين احترام الحرية الشخصية والالتزام بتطبيق القانون. وذلك يستوجب أن يكون القانون واقعيا واضحا مفصلا من ناحية ومن ناحية أخرى أن يكون المسؤولون عن تنفيذه على معرفة تامة به ولديهم المهارة الذهنية والتحليلية التي تمكنهم من تطبيقه بكفاءة وفاعلية، واهم من ذلك أن يروا أنفسهم كرجال قانون أولا ورجال أمن أو مفتشي بلدية (أو غيرهم من لهم علاقة بتطبيق القانون) ثانيا. هذا سيؤدي إلى احترام منفذي القانون وبالتالي احترام القانون نفسه وهذا بيت القصيد. كما أن تطبيقه بموضوعية وحيادية تامة على الجميع دون استثناء وفي كل وقت يؤدي إلى زرع الثقة لدى المواطن بالقانون وأن تطبيقه في صالحه. عندها فقط نكون على المسار الصحيح نحو تحقيق المشروع التنموي وخيرية الأمة في أن الجميع واعون عالمون ملتزمون بالقانون يدعون إليه ويدافعون عنه تطبيقا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن منكر. فمتى نبدأ؟!