المنتجات الدنماركية ـ قوة الاستهلاك وقواعد اللعبة الجديدة
سبحان الله المتصرف في هذا العالم وله في كل لحظة شأن. يبدو بالفعل أنه لا توجد نظرية كاملة. وإن قدرتنا على تفسير هذا العالم ما زالت ضعيفة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). فشلت النظرية الاقتصادية ـ كما هي حال النظريات دائما في مراحل معينة ـ في تفسير حال الاقتصاد عند المقاطعة. وهذا العجز طبيعي وهو آفة أية نظرية ونابعة منها. النظريات ببساطة لا تفسر ولا تتنبأ بشيء لم تُنظر له, ولهذا السبب لم تكن النظرية الاقتصادية الحالية قادرة على تفسير أو التنبؤ بنتائج مقاطعة التي لم تقدم لها أو تكن في حسبانها. وتبعا لذلك تبدو ردة فعل الحكومة الدنماركية ساذجة وضعيفة ضد تيار المقاطعة الشعبية لبضائع ومنتجات شركاتها ومعرضة هذه الشركات لعاصفة هوجاء لا يعلم آثارها ولا نهاية أمدها إلا الله.
في صحيفة "لاقتصادية"وفي صفحة كاملة أعلنت شركة أرلا فودز الدنماركية عن اعتذارها للأمة الإسلامية عما اقترفته يد الصحافة الدنماركية من إثم تلبست فيه وشاح الحرية وهي تسخر من الرحمة المهداة سيد البشرية محمد, صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الاعتذار أمرا مهما في حد ذاته فإن اللغة الاقتصادية في ذلك الاعتذار قد أثارت اهتمامي أيضا. لقد أشارت الشركة إلى حجم الأضرار الاقتصادية التي أصابتها من جراء المقاطعة والتي أثرت في مبيعات الشركة بشكل كبير (الدخل) وبالتالي قدراتها على دفع رواتب العاملين والموظفين في الشركة وبالتأكيد في توزيعات الأرباح وخدمة الدين (التوزيع). وإن استمرت المقاطعة فقد يمتد أثرها إلى قدرة الشركة الإنتاجية (لتأثر عنصر العمل) مما يقود إلى الإفلاس. وإذا كانت الشركة قد رفعت شعار توظيف المسلمين ورعايتهم لتبرر أهمية العودة إلى منتجات الشركة فقد أخفت القوة الاقتصادية المتمثلة في الاستهلاك.
ولفهم القضية كما أراها أُذكر أن أهم انتقاد وجه إلى النظرية الاقتصادية مع أزمة الكساد العالمي أنها لم تكن تتوقع الكساد ولذلك لم تُنظر له أو تتعامل معه بالسرعة اللازمة. وكان قانون ساي الذي ظل أساسا للنظرية الاقتصادية ردحا من الزمن يرى أن الإنتاج يخلق طلبا يكفي لشراء العرض الكلي من البضائع الذي من خلاله ترى النظرية الاقتصادية عدم فعالية أي تدخل حكومي في الاقتصاد لأن الأسعار تعدل نفسها للتواؤم مع المعروض من البضائع, ولم تحل قضية الكساد حتى حلت النظرية نفسها وجاءت محلها النظرية الكنزية نظرية توازن العمالة الناقصة وأن الاقتصاد بحاجة إلى تدخل الدولة لحفز الطلب كي يستمر الإنتاج. وبهذا ظل الإنتاج مبدأ النظرية الأساسي ومنطلق فلسفتها ومنتهاها. لم تفكر النظرية أبدا في عكس المعادلة لأنها لم تتخيل استهلاكا يحرك الإنتاج ويحافظ عليه وأن الإنتاج لا يمكن أن يهبط إلى مستوى الاستهلاك وإنما على الاستهلاك أن يرتقي إلى مستوى الإنتاج ولو بدعم حكومي, وهو الخلل نفسه الذي أدخل النظرية الكنزية في متاهات التضخم.
وهكذا حُفز الاستهلاك إلى أقصاه مع نهاية التسعينيات من القرن الماضي واستخدمت في ذلك كل أساليب الدعاية والإعلان من قنوات فضائية وصحافية وجاءت فلسفة ما بعد الحداثة لتكرس هذا الأمر ولتنقل الاستهلاك من وسيلة إلى غاية ويصبح الاستهلاك للاستهلاك وإشباع الرغبات هو محور الفلسفة في جانبها الاقتصادي. لم تتوقع النظرية الاقتصادية في هذه المرحلة من التطور أنها تضع الإنتاج بين فكي الاستهلاك, ولأن حال النظرية دوما ألا تتنبأ أو تجيب عن الأسئلة التي لم تطرحها فقد وقعت في فخ مقاطعة الاستهلاك وقد لا تخرج منه بسهولة.
ليس هذا فحسب, فقد قلبت المقاطعة محاور علم الاقتصاد وعلاقة الكلي منه بالجزئي. فمن خلال إعلان شركة أرلا تبدو العلاقة واضحة بين اقتصاد كلي في بلد ما ممثلا في الطلب Macroeconomics, وشركة أو عدة شركات في بلد آخر Microeconomics, ومن دون أي تدخل لحكومات البلدين للتأثير في تلك العلاقة. وبكلمات أكثر ترابطا, لم يعد التأثير في أداء شركة ما مرتبطا بأداء اقتصاد بلدها الكلي فحسب وإنما بأداء اقتصاد بلد آخر قد يبعد عنها آلاف الكيلو مترات.
لم تستوعب حكومة الدنمارك القضية بهذا الشكل لأنها تعتمد على نظرية لا تجيب عن مثل هذه الأسئلة ولذلك أصرت على الصمت وعدم الاعتذار بلغة واضحة لأنها تتوقع أن الاستهلاك سوف يحفز بطريقة ما وإن مقاطعة في دول نامية لن تؤثر في أداء شركاتها وهي ـ كدولة ـ ذات اقتصاد متين. ليست الحكومة الدنماركية فقط هي التي وقعت ضحية النظرية الاقتصادية الحالية بل إن دول الاتحاد الأوروبي لم تستوعب العلاقات الجديدة بعد. فقد حذرت من أن أي حظر للبضائع الدنماركية يعتبر إخلالا باتفاقيات التجارة الدولية في الوقت الذي لم تشر أو تصرح أي دولة وقعت على تلك الاتفاقيات بمثل ذلك, لكن ولاعتمادهم على نظرية لم تتوقع مثل هذه العلاقات الاقتصادية الجديدة فقد فشلوا في التنبؤ بقوة المقاطعة وامتداد أثرها الجغرافي مع عدم تدخل الحكومات فيها بأي تشريعات. تحاول دول الاتحاد الأوروبي إخراج الدنمارك من هذا المأزق بتصرفات أشبه بالصبيانية ولم تعكس فهما واضحا لما يحدث من علاقات لم تعد للحكومات تأثير فيها ولهذا اضطرت الشركة الدنماركية أن تتجاوز حكومتها وتقدم اعتذاراتها. ويبدو أيضا أن الحكومة الدنماركية ومن ورائها الاتحاد الأوروبي لم يتوقعا أن تأتي التأثيرات الاقتصادية الكبيرة من بلدان صغيرة.
وفي رأيي أن قضية المقاطعة لن تحل حتى تحل النظرية نفسها وتستوعب الدنمارك ودول الاتحاد الأوروبي الدرس وإلا فإن الآثار تبدو وخيمة وأرجو ألا تمر عدة سنوات مثل تلك التي مرت على أزمة الكساد حتى تعدل حكومة الدنمارك مواقفها وتعرف قواعد اللعبة الجديدة.