رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القرصنة الإرهابية بحماية دولية

أعرف مسبقا بأن هذا الموضوع لن يجذب كثيرا من القراء خاصة في منطقة الخليج العربي المنشغلين تماما هذه الأيام عن أي قضية أخرى غير أزمة سوق الأسهم التي عصفت بمعظم أسواق دول الخليج ومعهم سوقا الأردن ومصر, ولا نلومهم على ذلك, فما تعرضت له أسواق الأسهم أقض المضاجع وطير النوم من العيون بحيث جعلهم ينصرفون عن المتابعة أو الاهتمام بأي قضية أو حدث حتى ولو كان بحجم القرصنة الإرهابية الإسرائيلية على سجن أريحا الفلسطيني أخيرا, ومع أني مثلهم تماما منشغل بأزمة سوق الأسهم, إن لم يكن كأحد ضحايا سقوط السوق, فعلى الأقل تضامنا وتعاطفا مع أقرباء وأصدقاء, إلا أن حادثة القرصنة الإسرائيلية لم أستطع تجاوزها لمضامينها الخطيرة ليس على إخوتنا الفلسطينيين فقط المنسيين في الداخل المحتل والمحاصر وهم يعانون ويكابدون من عدوانية "إسرائيل" العنصرية الشرسة منفردين, بل لما تمثله من خطر واضح على أمن المشرق العربي برمته بما فيه الخليج العربي الذي تسيل لعاب الصهيونية بثرواته ونفطه فالخطر الصهيوني لن يكون محصورا في فلسطين بل يتجاوزها إلى المنطقة العربية والإسلامية بكاملها بغرض فرض الهيمنة عليها وتحويلها تابعة لدولتهم "إسرائيل" والعقيدة الصهيونية من "هرتزل" وحتى اليوم وإلى الغد تقوم على حقيقة أن لا بقاء ولا وجود ولا حياة لدولة يهودية وسط منطقة عربية إسلامية إلا بتوافر شرطين, الأول تفوق عسكري بما لا يستطيع تملكه غيرهم وهذا تحقق بتحول دولتهم "إسرائيل" إلى ترسانة مسلحة بما فيها الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية والتي تحرّم على غيرهم وتمنع بحجة المحافظة على السلام العالمي. والثاني, تفتيت دول المنطقة المحيطة بدولتهم لدويلات صغيرة متناحرة ومتصارعة مذهبيا وعرقيا وهو ما يسعون لتحقيقه في العراق أولا ليكون بداية تدافع أحجار الدومينو لإسقاط المنطقة العربية والإسلامية المحيطة بها في التفكك والتناثر المذهبي والعرقي, وذلك حتى تبقى دولتهم "إسرائيل" هي الدولة المركزية القوية والمهيمنة على الجميع, ووجدت الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية ذلك الحصان الجامح جاهزا بعد سقوط المعسكر الشرقي وانتهاء الحرب الباردة وصعود تيار المحافظين الجدد لتمتطي صهوته وتستخدمه لتحقيق أحلامها وأساطيرها خصوصا بعد تحالفها مع المحافظين الجدد المؤمنين بعقيدة المسيحية الصهيونية والتي تؤمن برؤية أن عودة السيد المسيح عليه السلام مشروطة بقيام دولة الهيكل اليهودية الخالصة بالقدس المهودة بالكامل.
الخطورة في حادثة سجن أريحا ليست في الحادثة ذاتها, فهذه الدولة "إسرائيل" استمرأت الإرهاب والقرصنة بما جعلها دولة فعلا مارقة على القانون والشرعية وبشكل سافر ومكشوف خاصة مع مجيء مجرم الحرب والعنصري المعروف شارون المسجى حيا, لا أفاقه الله من غيبوبته, ولكن الخطورة هي في هذا الصمت الدولي والذي لف الجميع وكأن شيئا لم يحدث, والمفارقة التي تكشف عورة المجتمع الدولي وتعريه هي في هذه الازدواجية والانتقائية في التعامل مع "إسرائيل" حتى وهي تخرق القانون وتتجاوز الشرعية الدولية والواضحة في انعدام أي رد فعل دولي متواز, ففي الوقت الذي تقوم به "إسرائيل" بقرصنة إرهابية تتجاوز فيها القانون والاتفاقيات وتمارس من خلالها أبشع ألوان العنصرية والعنف الهمجي بعد الاكتفاء باقتحام السجن, بل تنفيذ عملية تخريب وتدمير, وقيام قواتها بعملية إذلال لجنود تابعين للسلطة الفلسطينية بتعريتهم واستعراضهم أمام الملأ (وهنا لا أدري لماذا قبل الجنود الفلسطينيون الاستسلام المهين والمذل وسارعوا برمي سلاحهم والخروج بدلا من القتال المشرّف حتى ولو كان الثمن هو حياتهم فعلى الأقل استشهادهم أشرف من إخراجهم شبه عراة), في هذا الوقت فشل مجلس الأمن الذي عقد جلسة غير رسمية عن إصدار حتى مجرد بيان إدانة للتصرف الإسرائيلي وليس قرارا تحت الفصل السابع, وليس لذلك إلا معنى واحد وهو أن لإسرائيل الحق لممارسة الإرهاب والقرصنة في ظل حماية دولية, فإذا كان الإرهاب الإسرائيلي يفسر دوليا على أنه دفاع عن النفس ودفاع الفلسطينيين عن أنفسهم يوصف إرهابا, فهذا ليس فقط ازدواجية وانتقائية, بل خلل كبير وخطير يجعل من المجتمع الدولي أداة لإضفاء شرعية على الإرهاب والقرصنة كما تفعل مع "إسرائيل" ولم لا يكون كذلك ودولتان عظمى هي الولايات المتحدة وكبرى هي بريطانيا تتآمران مع الإرهاب الإسرائيلي برغم الاتفاقية الرباعية والتي تضمهما إلى جانب السلطة و"إسرائيل" لتسوية وضع المناضل سعادات ورفاقه ووضعهم كحل وسط في سجن أريحا بحراسة أمريكية ـ بريطانية ـ فلسطينية مشتركة.
الحقيقة في كل ما جرى أنه ما كان يجب أن تمر حادثة سجن أريحا مرور الكرام لا فلسطينيا ولا عربيا وكأنها مجرد سحابة صيف حتى لا تمر أيضا دوليا كما مرت به بدون أن تترك أي رد فعل, فالمجتمع الدولي, هكذا يسمى, لا يدافع عن أحد لوجه الله أو وفق مبادئ وقوانين غير مبادئ القوة وقوانين الغاب إلا إذا كان هذا الأحد قادرا على الفعل المؤثر, وحتى اللحظة لا نرى أي فعل فلسطيني أو عربي يوازي خطورة ما حدث, ولهذا لا يجب أن نستغرب أن يعقد مجلس الأمن جلسة غير رسمية وغير فعالة وغير ذي بال, فعلى قدرك يكون التقدير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي