البنك الدولي: القطاع العام الخليجي غير قادر على توفير
أكد تقرير اقتصادي أن دول الخليج ستواجه تحديات غير مسبوقة خلال هذا العقد والعقد المقبل في مجال التنمية البشرية وإيجاد الوظائف المناسبة للمواطنين بالنظر إلى التبدلات الهيكلية في أعداد الداخلين إلى أسواق العمل ونوعيتهم، علاوة على التغييرات البنيوية في الاقتصاد.
وقال تقرير حديث صادر عن البنك الدولي حول تحديات التنمية البشرية وأسواق العمل في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن دول المجلس سوف تحتاج إلى توفير نحو 5 - 8 ملايين فرصة عمل جديدة حتى عام 2020 وذلك من مجموع 80 فرصة عمل مطلوب توفيرها في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويبلغ إجمالي قوة العمل في هذه الدول 110 ملايين شخص عام 2004 ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 146 مليوناً في 2010 و185 مليوناً بحلول 2020.
وأضاف التقرير أن هؤلاء القادمين الجدد إلى أسواق العمل هم أكثر تعليماً وشباباً وإناثا، فقد تزايد معدل نمو القوة العاملة في المنطقة بنسبة 3 في المائة سنوياً بين عامي 1970 و2000. ومن المتوقع إن يزداد هذا المعدل إلى 3.5 في المائة سنوياً بين عامي 2000 و2020، ولا يتوقع انخفاض الضغط على أسواق العمل إلى النسب المعتدلة التي عرفتها المنطقة خلال ستينيات القرن العشرين قبل عام 2030.
أما التحدي الأكبر فيتمثل في نسبة نمو القوة العاملة للإناث المتوقع أن تبلغ 5 في المائة خلال الفترة ذاتها، حيث لم تواجه أي منطقة نامية أخرى في العالم هذا المقدار من الضغط المتواصل على أسواق العمل. ومع بلوغ معدلات البطالة ما يزيد على 15 في المائة يبدو أن الهدف الأكثر طموحاً والمتمثل في استيعاب العاطلين عن العمل فضلاً عن إيجاد الفرص لتوظيف القادمين إلى سوق العمل يعني وجوب خلق ما يقارب 100 مليون فرصة عمل جديدة مع حلول عام 2020. أي مضاعفة عدد فرص العمل الحالي.
وأكد أن الأنماط القديمة لخلق فرص العمل لم تعد قابلة للاستمرار، كما أن الكثير من الأنظمة التقليدية لإيجاد فرص العمل في المنطقة مرشحة للزوال سريعاً. فقد مثل القطاع العام المحرك الأساسي لخلق فرص العمل خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. واستمر يلعب دورا مهما خلال التسعينيات. ويوظف القطاع العام اليوم ثلث القوة العاملة في المنطقة. وتصل هذه النسبة إلى 80 في المائة في عدد من دول مجلس التعاون.
ولكن لا يمكن للقطاع العام أن يستمر في دور المنفذ للتوظيف الذي لعبه سابقاً، إذ تشير الدلائل عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن معظم فروع القطاع العام يعاني من تضخم في عدد الموظفين بلغ الثلث أو أكثر في بعض دول المنطقة ويؤدي إلى تآكل متواصل في الإنتاجية وحتى إذا وضعت الخسائر في الفعالية جانباً، فإن استراتيجية تأمين فرص العمل للأعداد الهائلة من العاطلين عن العمل والقادمين الجدد إلى سوق العمل لم تعد قابلة للاستدامة في ظل التغيير الجذري في الوضع المالي عبر المنطقة. وما لم تتسارع وتيرة توفير فرص العمل في القطاع الخاص المنظم، فسيتم دفع إعدادا متزايدة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل نحو الاقتصاد غير المنظم.
وما يزيد من خطورة تلك التحديات – كما يوضح التقرير – التغييرات الهيكلية في الأوضاع الاقتصادية لدول المنطقة سواء على صعيد التدفقات النفطية أو المساعدات الخارجية. فقد اعتمدت التنمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على ثلاثة موارد مالية هي: النفط، تدفقات المعونات الخارجية، وتحويلات العمالة. وشكلت هذه الموارد الثلاثة مصدرا ضروريا من الإيرادات العامة والأرباح الخاصة، ما دعم التوظيف الواسع النطاق في القطاع العام وأدى إلى استمرار استراتيجيات التنمية الموجهة من الدول والمبنية على التخطيط المركزي وعلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعنية بإعادة توزيع الدخل والعدالة الاجتماعية.
وتشير التوقعات للعقد المقبل إلى أن أسعار النفط قد تتذبذب في نطاق محدود على المدى البعيد، وحتى على فرضية بقائها مرتفعة، فإن هوامش الفوائض منها سوف يتقلص بحكم الاحتياجات المتزايدة لمشاريع البينة التحتية والتنمية والنمو السكاني. كما يتوقع أيضا انخفاض مستوى تدفقات المساعدات الخارجية السبب المذكور نفسه. أما فيما يخص تحويلات العمالة فإنه من غير المرجح الارتفاع بنسب مهمة، وذلك نتيجة تناقص فرص هجرة العمالة.
ففي حين شكلت هجرة العمالة داخل المنطقة منفذاً مهماً للعمالة الوافدة من البلدان غير المنتجة للنفط خلال الفورة النفطية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، شهد عقد التسعينيات انخفاض صافي هجرة العمالة البينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعدلات متسارعة، حيث تباطأت الهجرة إلى الدول الخليجية.
كما أن هجرة العمالة إلى خارج المنطقة صارت أكثر تعقيداً. فالطبيعة الديموغرافية للتركيبة السكانية الشابة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتنامي أفواج البالغين سن العمل. وتدنى نسب القوة العاملة في أوروبا وتزايد أعداد المسنين فيها تشكل كلها فرصاً للإفادة المتبادلة من هجرة عمالة المنطقة إلى أوروبا لكن هذه الهجرة وحتى المعتدل والمؤقت منها ما زالت تصطدم إلى حواجز كبيرة.
ويخلص التقرير الدولي إلى تأكيد أن المحركات التقليدية لتوفير فرص العمل في دول المنطقة لم تعد قادرة على مواجهة تحدي العمالة في القرن الـ 21. وعلى هذه الدول إن أراد التعامل مع تحديات التنمية البشرية وأسواق العمل أن تحدث ثلاثة تحولات بنيوية رئيسية.
وأول هذه الإصلاحات هو تحويل الاقتصاد من هيمنة القطاع العام إلى هيمنة القطاع الخاص وذلك عبر خفض العقبات أمام النشاطات الخاصة مع وضع اطر تنظيمية تحقق التعاضد المتبادل بين المصالح العامة والخاصة. وتعتبر مساهمة القطاع الخاص في القيمة المضافة متدنية مقارنة بمناطق أخرى. وقد ارتفعت بمجرد شكل هامشي خلال تسعينيات القرن العشرين. ولم تكن الزيادة في نسبة الاستثمارات الخاص من مجموع الاستثمارات كافية للتعويض عن الانخفاض في نسبة الاستثمارات العامة. لذلك، فإن المجال لتوسع الاستثمارات الخاصة في دول الخليج وهموم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كبير جدا. ولكنه يحتاج إلى بيئة اقتصادية واجتماعية مواتية.
وثاني تلك الإصلاحات هو التحول من الانغلاق إلى الانفتاح وذلك من خلال تسهيل عملية التكامل مع الأسواق العالمية للسلع والخدمات وعوامل الإنتاج، مع وضع الضمانات اللازمة للاستقرار المالي والرعاية الاجتماعية. فالمنطقة تمتلك قدرات تجارية كبيرة . بينما تمثل الصادرات غير النفطية ثلث إجمالي الصادرات فقط. أما واردات الصناعات التحويلية فتشكل نصف إجمالي الواردات. ومن الممكن أن تكون تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خمس أو ست مرات أكثر من معدلاتها الحالية.
وأخيرا، فإن تلك الدول مدعوة لتحويل اقتصادياتها من اقتصاديات متقلبة ومعتمدة على النفط إلى اقتصاديات أكثر استقراراً وتنوعاً وذلك من خلال استحداث تغييرات جوهرية في المؤسسات التي تقوم بإدارة موارد النفط وفي كيفية تحويل هذه الموارد باتجاه القوى الاقتصادية. وقد أضحى التنوع الاقتصادي أولوية متزايدة حيث شهدت حصة الفرد من الصادرات النفطية خلال العقدين الماضيين انخفاضاً مستمراً وذلك نتيجة عدة عوامل كانخفاض أسعار النفط الحقيقية وارتفاع الطلب المحلي على النفط، والنمو السكاني السريع وأصبح التنوع ضرورة ملحة في بلدان مثل البحرين وعمان حيث أوشكت الاحتياطيات النفطية على النضوب.