الاقتصاد السعودي: ما بعد الانضمام إلى منظمة التجارة
استطاعت المملكة أخيراً وبعد جهد مضاعف أن تنضم إلى منظمة التجارة العالمية، وأن تبدأ الخطوة الأولى في دخول نادي المنافسة العالمية، حيث استحقاقات العضوية الاقتصادية والقانونية. وبعد أن تجاوزت المملكة هذا المنعطف المهم تنفتح لها جبهات جديدة، ولكن كما يقول المثل الصيني "في كل تهديد ووضع جديد هناك فرص جديدة".
تتلخص هذه الفرصة في دفعنا إلى الأخذ بتنظيم اقتصادي أكثر فاعلية عموما وأكثر إنتاجية على وجه الخصوص. فنظريا وفي ظل سوق أكثر انفتاحا ستكون الاختلافات في الإنتاجية هي العامل الحاسم في درجة التفوق اقتصاديا. وباختصار إن معركتنا الأولى هي هدم القيود الداخلية من ناحية وبناء أطر جديدة من ناحية أخرى لكي نتمكن من المنافسة الإيجابية.
التاريخ التنظيمي لدخول المملكة إلى المنظمة مر بعدة مراحل: أولا التراخي في الانضمام إلى جات GATT الاتفاقية العالمية للتجارة والتعرفة، والتي سبقت تأسيس المنظمة، هذا التراخي قبل أكثر من عقدين من الزمان كلف المملكة كثيرا وضيّع على المملكة فرصة سهولة الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. كانت هناك قلة في الكوادر المؤهلة وحتى عدم الجدية في بعض المراحل. وبعد أن أصبح الموضوع ملحا، استطاع سمو الأمير عبد العزيز بن سلمان ومن معه من فريق أن يختصروا المسافة الزمنية ويعظم الجهود التنسيقية بين الجهات الحكومية ذات العلاقة. وبذل سموه جهدا شاقا ومضاعفا لإقناع المسؤولين في الجهات الغربية ذات العلاقة وتعويض المسافات الزمنية بإجراء مباحثات مع عدة دول ومنظمات إقليمية على المستويين الاقتصادي والسياسي.
تنظيميا، يلزم المملكة متابعة الجهد الجبار في جلب هذه القوى من الطاقة والعزيمة لمواصلة التحدي المذكور أعلاه، فالجهاد الأكبر يكون داخليا وليس خارجيا. الأسئلة المطروحة هل هو الفرد أم الأطر التنظيمية هي التي حققت الهدف؟ وما علاقة ذلك بالحاجة إلى التعامل مع بعض المسائل الاقتصادية الملحة حاليا؟
إحدى المهمات الرئيسية هي إحداث نقله نوعية في الفكر الاقتصادي، حيث يجب علينا التغيير تدريجيا لتعظيم وزيادة الدخل من الزكاة والضريبة على حساب العوائد النفطية المباشرة. وحيث إن سمو الأمير وكيل لوزارة البترول، لعلنا نطمح إلى بناء هذا الجسر بين الوزارة من خلال تغيير هذه الهيكلية بداية بتخصيص بعض القطاعات ذات العلاقة في قطاع النفط وجني الزكاة والضرائب عليها.
عمليا، هناك عدة مسائل اقتصادية يجب علينا التعامل معها، الكثير منها يتطلب أكثر من مقال وحده، ولكن نذكرها تباعا حيث إنها موضوعيا في صلب استحقاقات التنظيم الاقتصادي الحديث.
ومن أهمها تأطير عملية صنع السياسة الاقتصادية والتخطيطية والتنفيذي والمتابعة. فالمجلس الاقتصادي الأعلى يخلط بين التنفيذي والاستشاري من جانب، بينما وزارة المالية ومن خلال هيمنتها تاريخيا على الاقتصادي السعودي وضعف وزارة الاقتصاد والتخطيط يخلط الأدوار. تأطير عملية صنع القرار تجعلنا أكثر قدرة على أخذ المبادرة من ناحية، وتمكننا من إيجاد آلية ثواب وعقاب تتماشى مع متطلبات المساءلة والإنتاجية من ناحية أخرى، وكذلك أكثر قدرة على التفاعل مع المتغيرات والمؤثرات الخارجية. وسبق أن ناقشنا تفصيليا عملية صنع القرار في مقال سابق.
الناحية الأخرى هي موضوع التخصيص، فقد استهلك هذا الموضوع كتابة وتحليلا وتعليلا لأهميته، ولكن في ظل هذه الوفرة المالية لا بد أن يكون هناك ضحية، ونأمل ألا يكون التخصيص، ولكن علينا ألا ننسى أن الهدف المالي ليس هو الهدف الرئيس للتخصيص، بل إن الهدف الرئيس هو تعظيم الفاعلية في الاقتصاد، وفصل القرار الاقتصادي عن القرار السياسي تدريجيا، كل فيما يخصه لكي يتمكن من رفع درجة الأداء في المجتمع.
سياسة الحكومة العليا تذكر أن التخصيص أحد أهدافها، ولكن التنفيذ ومصلحة المؤسسات البيروقراطية يغلبان على مصلحة البلاد العليا.
وناحية أخرى هي إيجاد توافق حول سياسة عمالية شاملة، فالمراقب اليوم يجد أن وزارة العمل تأخذ بسياسة تدعم السعودة بينما قطاع الأعمال في المملكة يجد هذه السياسة مرحليا لا تخدم مصلحته، ترفع التكاليف وطاردة للاستثمار و... إلخ.
فالوزارة بين متطلبات الحكومة لخدمة أكبر قطاع من المواطنين وأبنائهم وبناتهم، وبين أهمية التسهيلات لتحفيز رجال الأعمال على الاستثمار داخليا. العامل الرئيس الآخر الذي لا يقل عن سابقيه هو التعليم، وإحداث نقلة نوعية في الفكر عموما من خلال التجريب والحث على المبادرة. هذه المسؤولية تتطلب دوراً أكبر للوزارة من خلال إيجاد سياسة وطنية شاملة يكون هدفها نمو الاقتصاد من خلال تحفيز العنصر السعودي الثري.
أسست المملكة عدة مؤسسات حديثة مستقلة إما رقابية مثل هيئة سوق المال أو هيئة الغذاء و الدواء أو غيرها من المؤسسات المتخصصة، وهذه بدأت تأخذ بدورها، بعضها بدأ بقوة وعزم والبعض الآخر على خجل. الدور المنوط بهذه المؤسسات مركزي لإدارة اقتصاد حديث تكون فيه سلطة القانون المبنية على المعرفة والفنية والعلمية هي المقياس. لكي تكتمل هذه السلطة النظامية يجب أن تكون هيئة الادعاء العام والمحاكم على وعي بهذه المؤسسات الجديدة ودعم عملها تشريعيا وتنفيذيا.
هذه التحديات ومواجهتها هما ما سوف يحدد مدى نجاحنا واستعدادنا للقيام بدور بناء في هذه المنظمة العالمية وما يتبعها من تحديات اقتصادية. يجب ألا نكون زوارا في هذا النادي الجديد، بل أعضاء فاعلين متفاعلين.
فواز بن حمد الفواز
عضو جمعية الاقتصاد السعودية
[email protected]