رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ضرورة تخصيص نظام للمديرين التنفيذيين في الخدمة المدنية

ثمة حقيقة لم يدركها أو لم يشملها ويقنن لها نظام الخدمة المدنية، وهي أن طبيعة عمل المديرين التنفيذيين تختلف عن عمل وأدوار مديري الإدارات الوسطى والإشرافية. هؤلاء الذين تتراوح مناصبهم بين وكيل وزارة ومدير عام تعتمد أدوارهم الوظيفية في المقام الأول على التخطيط والقدرة على التحليل وفهم المتغيرات والربط بينها وتوقع المستجدات ووضع التنظيمات اللازمة لمواجهتها، ما يعني لزاما أن تكون لديهم أفكار وطرق جديدة لأداء العمل. هذه القدرات والخبرة لا تتوفر إلا في عدد قليل من الموظفين، لذا كان من الضروري وضع نظام لهم يختص بالبحث والتوثيق واختيار وتنمية وتقييم أداء هذه الفئة المميزة من موظفي الدولة أو غيرهم من القطاع الخاص. إن على مثل هؤلاء تقع مسؤولية صنع القرارات والمساهمة في التخطيط للسياسات العامة. هذا النوع من القرارات مهم جدا ليس لأنها تؤثر على شريحة كبيرة من المجتمع فحسب ولكن أيضا يبقى أثرها لفترة طويلة من الوقت.
إن المعطيات الحالية تدعو إلى الاستعجال في وضع نظام موظفين (كادر) خاص بالمديرين التنفيذيين يحدد معايير مهنية وخبرات عملية وقدرات شخصية للدخول فيه، لذا يستلزم اقتصار التعيين في المراكز الإدارية (القيادية) العليا على من أثبتوا نجاحات في مواقع إدارية مختلفة وقاموا بتطوير إداراتهم وحل مشكلاتها، فالخبرة بمعناها الروتيني لا تؤهل الموظف لتقلد منصب قيادي. فماذا يعني من أمضى وقتا طويلا يؤدي العمل نفسه دون اكتساب خبرات جديدة والدخول في تجارب وتحديات دون أن يظهر قدرات متميزة ومبادرات شجاعة في معالجة المشكلات ووضع السياسات والاستراتجيات والتنظيمات؟
وضع نظام للموظفين لاختيار وتعيين وتطوير (تدريب) وتقييم أداء هذه النخبة المتميزة في نظام الخدمة المدنية وعدم مساواتها بقيادات الإدارات الوسطى والإشرافية من شأنه وضع القيادي المناسب في المكان المناسب، وأهم من ذلك جعله يمارس ما يميزه وهو الدور القيادي. لذا يجب التنويه هنا إلى أن القصد من اقتراح نظام خاص بالإدارة العليا ليس متعلق بالمكافآت والمخصصات المالية وحسب، وإنما بتحديد من لديه الكفاءة القيادية والقدرة على تصور المستقبل ورسم سياسات وخطط تعالج المتغيرات المستقبلية وتتصدى لها، وبالتالي اختلاف طريقة ومعايير تقييم أدائهم. وتبعا لذلك فإن تنمية وتطوير مهارات وقدرات هذه الفئة من المديرين تختلف تماما عن تلك البرامج التدريبية المخصصة للإدارة الوسطى. وإذا كان المسعى نحو البحث عن القدرات الإدارية المتميزة فيفترض ألا يكون الاختيار لهذه المناصب العليا حكراً على موظفي القطاع العام، بل يمكن الاستعانة بالقيادات الإدارية الوطنية في القطاع الخاص التي أثبتت جدارتها في إنجاح مشاريع كبيرة أو معالجة أزمات طارئة.
لم يعد بالإمكان الاعتماد على الولاء التنظيمي فقط كمعيار لاختيار القيادات الإدارية، فنحن في حاجة لمن يكون مبدعا مبتكرا ولديه القدرة على استقراء المتغيرات المستقبلية وتحديد ما يجب علينا عمله لمواجهتها.
إن ما نحتاج إليه بالفعل هو أولئك الأفراد الذين تميزوا عن غيرهم بأفكارهم الخلاقة وما يطرحونه من حلول جديدة وتصورات جريئة وغير اعتيادية لتنقلنا إلى أوضاع أفضل، ليس فقط من ناحية زيادة الإنتاج ولكن لاختيار التوجهات الإنتاجية الصحيحة. أي ليس فقط رفع مستوى الكفاءة في الإنتاج ولكن الأهم الدخول في مجالات أكثر نفعا وعائدا للمجتمع. وفي ظني أن التركيز على تقييم الموظفين بشكل عام والقياديين بشكل خاص على الكفاءة في تطبيق الإجراءات وعدد الساعات التي يمضونها في العمل والسفر والترحال دون ربطها بالنتائج هو أحد أهم أسباب تدني المستوى الإداري.
يجب النظر إلى القيادات الإدارية كعناصر تغيير تسهم في نقل المنظمات العامة (الأجهزة الحكومية) إلى أوضاع تكون قادرة على الاستجابة للمتطلبات الحقيقية للمجتمع، إضافة إلى التصدي للتحديات والاستعداد لها. يجب أن نعلم أن المحك الرئيس لنجاح الاقتصاد الوطني في النمو والتطور وإيجاد حلول لمشاكل البطالة والفقر والتصدي للمنافسة العالمية هو قدرة القطاع العام على اتخاذ القرارات وصنع السياسات العامة التي من شأنها الدفع نحو تهيئة الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتشجيع الاستثمار في قطاعات مطلوبة. هذا التوجه يتطلب قيادات إدارية واعية بعقليات فذة وأفكار جديدة تبحث دائما عن الأفضل، مبادرة وشجاعة وأهم من ذلك القدرة على التحليل وربط المتغيرات وتصور المستقبل بكل تفاصيله وكأنهم يعيشونه، حينها فقط نتمكن من العبور إلى المستقبل وأن نوجه طاقاتنا ونحفز مجتمعنا نحو تحقيق الأفضل لنا وللأجيال المقبلة.
إن تحديد وجهة المستقبل تستلزم قياديين لديهم بعد النظر والعزيمة والتعامل مع المجهول وتحمل المسؤولية والمخاطرة المحسوبة والتصدي للضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمراهنة على النجاح والوقوف في وجه المشككين في آرائهم الخلاقة الجريئة.
القيادي الحقيقي لا يرضى أن يختبئ تحت كومة من الأوراق والملفات أو الدخول في دوامة من الإجراءات الروتينية أو حتى الانشغال بتوقيع معاملات تستهلك الوقت والجهد ليس لها أثر محسوس في المستقبل. من هنا كانت الدعوة نحو تطوير نظام خاص بالقيادات الإدارية ليس فقط في حصرها في قاعدة بيانات تصنف حسب إنجازاتها وتوضيح معايير اختيارها وتعيينها، ولكن الأهم معايير تقييم أدائها على أساس النتائج بعيدة المدى وقدرتها على التأسيس وتوجيه القطاع الحكومي وقيادته نحو آفاق أرحب وأوضاع أفضل.
إن المشاكل التي نعاني منها والقصور في أداء بعض الأجهزة الحكومية هو بسبب أن نظام الخدمة المدنية يتعامل مع الوظائف القيادية كتعامله مع الإدارات الوسطى، وبهذا يتحول المديرون التنفيذيون إلى ممارسة أدوار الإدارة الوسطى في التركيز على القضايا الداخلية للجهاز تتعلق بالأداء وتطبيق الإجراءات.
إن العبرة بالنتائج وليست الناتج. هذا لا يعني بطبيعة الحال ألا نعمل بجد واجتهاد وتحقيق الأهداف ولكن بحكمة ووعي وإدراك لتأثير هذا الجهد. وإلا أصبحنا كالشخص الذي أعد العدة للسفر وعمل جميع الترتيبات اللازمة وقاد سيارته بكل اقتدار ووصل في الوقت المناسب ولكن إلى المكان الخطأ!
الحقيقة إن استحداث نظام موظفين خاص بالمديرين التنفيذيين هو مطلب أساسي لتطوير العمل الإداري يستلزم أن يصاحبه تطوير للأنظمة الإدارية والمالية التي تمكن من صنع القرارات المطلوبة. فاعلية وكفاءة النظام المالي مرتبطة بتهيئة الفرصة للقيادات الإدارية لإحداث التغييرات والتطوير المطلوب لإداراتهم. لذا لا يكفي تخصيص الموارد بل يلزم ربط هذه المخصصات بالبرامج والمشاريع التي نرغب في تحقيقها والسبل الكفيلة بالوصول إلى الأهداف المنشودة. وهذا يحتم منح المديرين التنفيذيين كامل الصلاحية في الصرف من المخصصات المالية وفق ما يرونه من أولويات. هذا التوافق بين المسؤوليات وحرية الصرف من المخصصات المالية وربطها بأداء العمل تعطي صاحب الصلاحية القدرة على توجيه العمل والعاملين ومن ثم محاسبته على النتائج وليس تطبيقه لإجراءات الصرف فقط.
ما نلحظه في نظام المالية العامة أنه مبني على التشدد في إجراءات الصرف وإغفال النتائج, كل ذلك للحفاظ على المال العام من الناحية الشكلية الروتينية بطبيعة الحال، وإلا فالصرف دون نتيجة وتطوير وارتقاء بالخدمة هو عين الهدر للمال العام.
إن المشكل الرئيس في النظام المالي أنه مبني على عدم الثقة التي هي مطلب أساسي في عمل القيادات الإدارية. فوزارة المالية هي الجهة التي تقرر حجم المخصصات ونوعية المشاريع وطريقة الصرف دون أن يكون للأجهزة التنفيذية المعنية الخيرة من أمرهم وحرية التصرف في المخصصات. كما أن افتقار النظام الإداري إلى الشفافية والمحاسبة على أساس النتائج المحققة كل ذلك مدعاة للتقاعس أو اللامبالاة أو إحباط القيادات الإدارية عن العمل الحقيقي وهو رسم المستقبل والتخطيط له، وأسوأ من ذلك أن يتولى المراكز القيادية من يفتقرون إلى القدرة والكفاءة والحس القيادي. إن عدم تمكين القيادات الإدارية من اتخاذ قرارات الصرف وربطها بالأداء والنتائج وليس بإجراءات الصرف الروتينية لن نكون مدركين بوعي تام وواقعية لماذا نصرف على مجال دون آخر؟ وما هي النتائج المترتبة على ذلك الصرف؟ لذا تجد أن التركيز يكون على الإجراءات وتطبيقها حتى ولو شكليا ما أتاح لوزارة المالية, التي هي في الأساس سلطة مساندة واستشارية, الفرصة للتحول إلى سلطة تنفيذية تحدد حجم ونوع المشاريع ومتى وكيف تنفذ. إنها أزمة إدارية ـ مالية حان الوقت للتصدي لها بجعلها من أولويات العمل الحكومي. ومن هنا تتضح الحاجة إلى تطوير الأنظمة الإدارية والمالية على أساس الثقة ليس الأخلاقية وحسب ولكن الفنية والنفسية والذهنية وأن يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب ليؤدي الدور المناسب في مساحة من الحرية تمنحه فرصة الإبداع والابتكار, وبعدها يحاسب بشفافية على أساس الأداء والنتائج وليس تطبيق الأنظمة والإجراءات الروتينية التي افتقد بعضها المعنى الحقيقي وراء إصدارها إما لتقادمها وإما للتغافل عنها أو مصادرتها بالاستثناءات.
الأوضاع التي نواجهها في الوقت الحاضر من العولمة إلى ثورة الاتصالات أدت إلى تشابك المصالح والثقافات ولم يعد في الإمكان العيش بمعزل عن الآخرين والعمل بثقافة الولاءات والعلاقات الشخصية في طريقة أداء الأعمال واختيار من يؤديها. وإذا ما كان علينا مجاراتهم بنفس وتيرة تطورهم في جميع مجالات الحياة، فلن نستطيع إلا بقدرات قيادية إدارية مميزة وإجراءات تنظيمية قادرة على إحداث تغييرات إيجابية ونقل مجتمعنا إلى مجتمع واع يربط بين الفعل والنتيجة، دائم التجديد والبحث عن الأفضل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي