"الهيئة" و"سابك" والبنوك .. تصحيح التصحيح
حصل أسوأ ما كنا نتوقع وانهارت السوق ودخلنا مرحلة الأزمة التي قد لا تنتهي آثارها سريعا ما لم تتخذ قرارات صائبة وفي وقتها المناسب. هذه هي النتيجة الطبيعية جدا لسوق افتقدت صناعها الحقيقيين ووسطاء تداول وشركات مضاربة على مستوى أخلاقي رفيع وفوق ذلك كله إفصاح وشفافية على مستوى الأحداث. كانت مجموعة من الكتاب قد حذرنا من الارتفاعات المذهلة في أسعار الأسهم والسيولة الضخمة المجهولة المصادر لمعظم السوق على الأقل وأشرنا إلى ضرورة الإسراع بهيكلة السوق وفصل عملية الوساطة عن أعمال البنوك والإشراف الكامل على المحافظ الاستثمارية بشتى أنواعها. وأشرنا كذلك إلى تخفيض نسبة التذبذب وأنها ضرورية. بذلت الهيئة جهودها في ذلك وإن كانت قد اتسمت أعمالها بالبطء قليلا، ويبدو كما قال وزير المالية السابق الدكتور سليمان السليم إنه ليس كل ما يريده الوزير يستطيع تنفيذه.
خلال الأزمة الحالية وجهت الانتقادات كلها إلى الهيئة, وعندما كانت الأسعار ترتفع فوق معدلاتها الطبيعية وجهت الانتقادات أيضا إلى "الهيئة" وكأن عليها أن تلعب دور شماعة الأخطاء وكبش فداء المسؤوليات. لست أرفع يد "الهيئة" مما حصل ويحصل ولكن من العدل أن نقول الحق في وقت لا يريد أحد أن يسمعه، ومن الحق أن نقول إن "الهيئة" لم تكن أكثر من منظم لهياكل السوق وليست مشتريا فيه ولا بائعا. نعم عليها مسؤوليات أنجزت بعضها وتعثرت في بعض, تعجلت في بعض الخطى وتأخرت في بعض ولكنها ليست المسؤولة الوحيدة عما يحدث وغيرها يسلم من النقد.
إني أحمل جل المسؤولية في كل ما حدث على البنوك التجارية ومؤسسة النقد على وجه الخصوص فلقد كانت التركة التي سلمتها المؤسسة إلى الهيئة كارثية بمعنى الكلمة، على الرغم من 15 سنة أو تزيد والسوق في يد مؤسسة النقد، فلا بورصة ولا صناع أو شركات وساطة أو مضاربة باختصار سوق بلا سوق. لم تقم هذه المؤسسة المهمة والبنوك العاملة تحت مظلتها في دولة ذات سوق ناشئة مثل المملكة بكل ما هو متوقع منها سوى جني الأرباح والهروب من أول مخارج السوق، تاركة كل من أقرضتهم أو أدارت أموالهم يغرقون وحدهم ودونما رحمة ولا شفقة. وزادت الآلام أن عملية الإقراض وفتح المحافظ عملية شديدة التعقيد ومرتفعة التكاليف، وهذا له مساوئه الكبيرة على السوق على الأقل في أزمة مثل هذه. وأرى أن الصناديق الاستثمارية التي ادعت أنها تمتلك أصولا ومحافظ بقيمة تصل إلى 108 مليارات ريال وتديرها عقول استثمارية كبيرة، خيبت الظن فيها وخاصة ظنون هيئة السوق المالية عندما لم تقم بممارسة دورها المطلوب كصانعة للسوق، وهو الدور الذي فقدته السوق السعودية خلال مرحلة الطفرة الحالية ومازالت.
للعودة إلى السوق وتصحيح المسار لا بد أن يقوم كل بدوره الأساسي وترك إطلاق الإشاعات ورمي اللائمة على الغير. كما أن الأزمة نتيجة تفاعل عواملها فإن النجاح يتم بتضافر الجهود. بداية فإن الاقتصاد بخير ومازلنا نتوقع الأفضل خلال الأيام المقبلة بإذن الله، وخاصة في قطاعات: الاتصالات، الصناعة، والبنوك. ولدفع السوق لتعويض خسائرها لا بد أن تفصح الشركات عن نتائج أعمالها بطريقة منظمة تسمح للسوق بفهم هذه النتائج واستيعاب أثرها في السوق وألا تتنافس الشركات على المتاح من السيولة عن طريق إعلانات غامضة وهنا يأتي دور الهيئة. يكفينا إعلان "سابك" الغامض الذي يجب أن تحاسب الشركة وبشدة على طريقته وتوقيته. فعلى غفلة من يوم الخميس ودونما الإشارة إلى اجتماع مجلس الإدارة الذي كانت السوق تنتظره منذ أكثر من شهر وكانت في أمسّ الحاجة إلى دعمه رمتنا "سابك" بدائها وانسلت. من المصيبة ألا يهتم مجلس الإدارة في شركة تقود الاقتصاد السعودي كله إلا بما يحقق أهدافه فقط. متى اجتمع مجلس الإدارة، ولماذا كان اجتماعه سريا إذا كان قد عقد فعلا وإذا لم يكن كذلك فلماذا تعلن الشركة مثل هذا الإعلان دون الإشارة إلى مجلس الإدارة وانعقاده؟ لقد أسهم إعلان "سابك" في انهيار السوق بنسبة كبيرة، ولا لوم عندما تقيّم شركة زراعية ضعيفة خاسرة بشركة صناعية تربح 19 مليارا وتعلن عن معالجتها بالطريقة التي أعلنت عنها "سابك"، ويزداد العجب عندما تشيع أنها بحاجة إلى قرض عن طريق إصدار سندات لتثير الأسئلة حول الوضع المالي الحقيقي لـ "سابك" وهل فعلا حققت أرباحا بهذا الحجم أم كانت مجرد خداع محاسبي؟ كنت أتمنى لو خرج رئيس مجلس إدارة "سابك" لتوضيح موقف الشركة الغامض حول عدة أمور وطمأنة الناس عن حقوقهم في الشركة ونتائج اجتماعات المجلس أم أن على حملة أسهم "سابك" أن يتضرسون عندما يأكل غيرهم الحصرم. وهكذا فإن دور مجالس إدارة الشركات في غاية الحساسية بالنسبة للسوق في مرحلته المقبلة وكم أتمنى أن يتولى التصريح عن أخبار الشركات والإجابة عن أسئلة الناس والصحافة خبراء في الإعلام ومتحدثون رسميون. ما زالت السوق بحاجة إلى معلومات أكثر عن حملة الأسهم في كل شركة أثناء وبعد انتهاء التداول لمعرفة أهم قرارات تمس مصالح السوق ككل ألا وهي قرارات كبار المضاربين للدخول أو الخروج من أي سهم. وأعتقد أنه من حق أي مساهم أن يعرف من هم شركاؤه في أي شركة وخاصة كبارهم حتى يتخذ قراراته على بصيرة، وأرى أن أي تطوير لنظام تداول يجب أن يشمل هذه النقطة بالذات.
لتصحيح المسار لا بد أن تعود البنوك لتمارس دورها الأساسي من خلال قبول الإيداعات وفتح المحافظ دون شروط معقدة وممارسة عملية الاقتراض بشروط ميسرة وتخفيض نسبة الفائدة وخاصة من قبل مؤسسة النقد لتتوسع البنوك في عملية الإقراض وليكن لنا في السياسية المالية اليابانية مثل يحتذى. كما أن على الصناديق الاستثمارية أن تتخلى عن بعض الأرباح قصيرة الأجل لتقوم بصناعة السوق ولفترة من الزمن حتى تعود السوق إلى وضعها الطبيعي.
وأخيرا يبدو أن الفرصة الآن سانحة للهيئة أكثر من أي وقت مضى لتنفيذ سياسات مهمة وإعادة هيكلة السوق. كانت الانهيارات في الأسواق وعلى الدوام فرصة حقيقية لفرض بعض الشروط التنظيمية التي لم تكن لتقبل في الحالة الطبيعية دون حدوث هزات مؤلمة, أما وقد حدثت الهزة فإنه لا بد من هيكلة السوق بطريقة سليمة وتقسيمها إلى سوقين على الأقل لتلافي حدوث مثل هذه الهزات العنيفة في المستقبل. كما أن الفرصة مواتية إذا كان لدى الهيئة مشاريع لتجزئة الأسهم. والله ولي التوفيق وهو أعلم.