صيانة عقود التشغيل والصيانة

إن مشاريع مثل بناء المرافق وتشغيلها وصيانتها لتعد من أكبر إن لم تكن أكبر البوابات التي يتم الصرف عليها سواء على مستوى القطاعات الحكومية أو القطاع الخاص, وذلك لاعتمادها وتأسيسها على عقود ببنود تختلف في طبيعتها ونوعيتها عن أي أبواب وبنود صرف أخرى. كما أنها تحمل المتعاقدين فيها التزامات أدبية وتنفيذية محكومة بزمن معين وجهات معينة للتنفيذ والإشراف. لذلك فمن دون تأطيرها بعقود مصانة من الأطراف قبل أن تكون لصيانة المواقع التي يعمل بها هؤلاء الأطراف, فإن الالتفاف حول تنفيذها لمنفعة اجتماعية محددة وغير نظامية أمر وارد في معظم الأحوال ولأي عقد مهما كانت قيمته. وبما أن الاختلاف وارد لأسباب منها عدم تحديد حدود وحقوق أي من الطرفين بما يرضي الطرفين فعلا, فإن أداء وتنفيذ العقد يمكن من جهة أن ينعكس سلبا على تطوير أو تقدم عمل الجهة المستفيدة, ومن جهة أخرى يمكن أن يؤدي إلى خسارة أو تعثر المقاول وبالتالي تكون الخسارة للطرفين فيلجآن إلى تغليف تعاملاتهما بما يثير الشبهات في مثل هذه العقود.
لقد أجازت وزارة المالية لعام 25/26هـ (3176) عقدا لمشاريع إنشائية وتشغيل وصيانة ونظافة وإعاشة بقيمة إجمالية قاربت الـ 45 مليار ريال. استحوذت عقود التشغيل والصيانة على 13 في المائة منها وكانت موزعة على القطاعات الحكومية كافة. وبما أن قطاعا مثل المشاريع والتشغيل والصيانة يتأثر ويؤثر بشكل مباشر في النشاط الاقتصادي في المملكة, فإن من المسلم به أن عدم دراسة تأثيرات أي أنظمة قانونية في تغيرات الوضع الاقتصادي ومتطلباته واختلال الإشراف بتخصصية ومتابعة منتظمة لمثل هذه المشاريع يكون مدعاة لاستشراء الخلل والفساد المالي. ومن الغريب أننا في طريقنا لفتح أبوابنا أمام التجارة والاستثمار العالمي التي تتطلب كثيرا من العمل لإعداد الأجواء المناسبة, إلا أن العمولات والسمسرة والدفعات المقدمة ما زالت تخيم على بعض الأفكار الأمر الذي يحولها إلى نظام من دون تنظيم أو أسس ومن ثم تنتهي المعاملات والتعاملات إلى مصالح شخصية واستنزاف للمال العام. الجدير بالذكر أن العقود تكفل لجميع الأطراف الحماية من أي تضارب وتحقق لها ديمومة أطول للعمل سويا واستمرارية تحافظ على المواقع والممتلكات ووظائفها كما تضمن للمقاول خبرة وسمعة ينتشر بها إلى رقعة أكبر مع مرور الزمن إلا أن النظرة القاصرة تسببت وعلى مر العقود الماضية إلى ما وصلنا إليه الآن وستؤثر حتما في مدخراتنا للأجيال القادمة إذا ما استشرت من دون اهتمام من قبل أصحاب الصلاحية.
إن أكثر ما يشوب العلاقات بين الأطراف في المشاريع الحكومية هو طريقة تفسير بنود العقد, التغييرات الإدارية المتكررة في الجهة الحكومية, اختلاف آراء المسؤولين بالموقع عن المسؤولين الموقعين للعقود في الجهاز المركزي, وآلية صرف المستحقات. لذلك فهناك مجال خصب لممارسة هواية المنح والمكآفات وفرض الأتاوى لشدة الإغراءات في حجم العقود, وتوفر التبريرات, والقدرة على خلق وإيجاد المخارج في كل حالة. قد يكون استخدام التقنية في تقنين المتابعة والتنفيذ عبر آلية مكتوبة ومسجلة خفف كثيرا من وطأة المشكلة, فكان الالتزام من الطرفين بتأدية معظم البنود حسب الصلاحيات ولصعوبة تنفيذها بالأساليب القديمة. إلا أن استمرار بعض المشاكل مثل: عدم وجود خطة عامة وتنفيذية يتم على أساسها تنفيذ العقد, وعدم وجود ملف خاص لكل مرفق أو مبنى بمحتوياته وموجوداته الذي قد يؤدي إلى اجتهاد الطرفين في الحصر والتسمية والترقيم والتقييم, ودمج التشغيل مع الصيانة في عقد واحد المؤدي إلى الخلط والخطأ في التنفيذ والمحاسبة, سيبقي تنفيذ العقود في دائرة الفوضى الإدارية والمالية.
إن الأساليب والسلوكيات المتبعة حاليا في تنفيذ معظم هذه العقود لا تحقق المحافظة على المكتسبات الوطنية, ولا تجعلنا نطمئن على تنفيذها على المدى البعيد وهي تتنامى في ميزانياتها عاما بعد آخر نتيجة التوسع المأمول في القطاعات كافة. لذلك فبآليات بسيطة واشتراطات معينة يمكن اقتراحها نتوقع سلاسة في العمل وضبطا في الأداء والتنفيذ وجودة في المخرجات واستدامة في الرقي والتطوير. من أهم هذه الاشتراطات:
1- أن يتم إعداد المنافسات بناء على بيانات المنشآت والتجهيزات المعدة سابقا أو عن طريق متخصصين من الجهة.
2- أن تشرف على التنفيذ الجهة المستفيدة ولكن لا بد من أن تكون متخصصة ليكون التنفيذ ضمن إطار محدد المعالم ويمكن التنبؤ بما يمكن أن يطرأ في مستقبل العقد من طوارئ. ومن أهم عناصر نجاح هذه المشاريع الاهتمام بتوظيف القوى العاملة والتعاقد معهم بآلية لا تدرج فيها اشتراطات من شأنها تحديد توظيف أشخاص معينين وبأسقف مرتبات غير ما اتفق عليه.
3- تجنب ضعف صياغة العقود, أو فتح بعض العبارات بعمومية المعاني والمقاصد لئلا تكون نقاط اختلاف تتسبب في إحراج الطرفين, ومن ذلك تدقيق وإيضاح الالتزامات المتبادلة والتعامل معها تحت مظلة "الدين المعاملة" وذلك بتخصصية وأسلوب مقنن حتى لا يلوح بالمساس بنسب شهادات الآن جاز وغيرها.
4- عدم استسهال إصدار الآن انذارات وتقارير الأداء من قبل الجهة المستفيدة إلا بناء على توثيق ممنهج وثبوتيات بينة.
5- في حالة تداخل تنفيذ عقود قائمة لم تنته بعد في الموقع نفسه واستمرار اعتمادات مبالغ للصرف سواء من الجهة نفسها أو جهات أخرى لا بد أن تفصل الجزئيات بعضها عن بعض وبشكل دقيق لحماية المال العام.
6- تقييم أداء تنفيذ العقود ودراسة جوانب القصور فيها, ومن ثم تكوين قاعدة بيانات ومعايير يفاد منها لمستقبل الجهة والمقاولين أنفسهم مع كتابة ومراجعة الدروس المستفادة من كل مشروع تم تنفيذه.
إن كلا الطرفين سواء المقاول أو الجهة المستفيدة مسؤول عن تنفيذ العقد وليس لأي منهما الحق على الآخر إلا فيما اتفق عليه من قبلهما ليكون بذلك العقد مصانا ما دامت العلاقة بينهما. وقد يقترح دراسة الموضوع بشكل منهجي وموسع لمحاولة حل وفك ما تلازم مع عقود التشغيل والصيانة من سوء إعداد وتقدير وتنفيذ وبما يحفظ الحق العام والخاص معا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي