سوق الأسهم: بين القصور المؤسساتي وروح المضاربة
يتعرض سوق الأسهم لهزات كبيرة هذه الأيام والتي بينت مدى هشاشة بعض المسلمات فيها. هذا التذبذب عادة ما يصاحب القمة حينما يكون هناك انفصام واضح بين القيمة الجوهرية في عوائد الشركات على المدى المنظور وأسعار الأسهم. هذا التذبذب ركز الأذهان وهز القلوب وذكر البعض وخصوصا المسؤولين بالمخاطر المترتبة على وضع غير متوازن. من أهم الملاحظات على سوق الأسهم تساهل المسؤولين عن الوضع المالي وروح المضاربة لدى الكثير من الناس. بين هذا وذاك هناك مسافات شاسعة يختلط فيها المبدئي والمقصود به رسم العلاقة الواضحة بين سوق المال ـ الأسهم وحاجة الاقتصاد الفعلي ودرجة التفاعل بين الاثنين من ناحية، ودور صناع السياسة الاقتصادية والمالية في تنظيم إيقاع بين الاثنين من ناحية أخرى كما تختلط فيها عدم قدرة الكثير من المستثمرين وخصوصا حديثي التجربة منهم بأسس التقييم وسلطة الإشاعة وعقلية المضاربة، كما يختلط فيها عدم الوضوح والشفافية ومحدودية حوكمة "إدارة شركات" الكثير من الشركات. كما يجب ألا ننسى دور البيروقراطي الذي يدير تلك المؤسسات الرقابية في قدرته على لوم الآخرين مرات ومرات أخرى يستغل الفجوات والعلاقات سواء الأعلى منه أو الأقل في مناورات لشراء الوقت على حساب المخاطرة بقرارات شجاعة للخدمة العامة. نظرا لتعقيد وتشابك ما ذكر أعلاه لعل أسهل الطرق لتفكيك هذه التشابكات أن نذكر عدة نقاط كل على حدة كالتالي:
* تم التركيز على دور هيئة سو ق المال وكأنها البعبع في الحلبة بينما لا يذكر الكثيرون أن ظاهرة ارتفاع سوق الأسهم في الأساس هي ظاهرة تضخم أصول، حيث إن الطفرة الأولى كانت في العقار فهي هذه المرة في الأسهم وخاصة بعد "تنظيم" المساهمات العقارية. لذلك فإن فشل وزارة المالية في قراءة الحاجة إلى عرض أسهم لسوق متعطش هي أحد أهم وأول الأسباب الرئيسة في هذا الارتفاع. بل أسهمت مباشرة في شراء أسهم "سامبا" ولم تطرحها في السوق كما ذكرت سابقا على سبيل المثال. المذنب الآخر هو مؤسسة النقد بتراخيها في الإقراض لأغراض تعرف وتعرف البنوك أهدافها بالتفصيل. القروض أسهمت في ارتفاع الأسهم وقلصت توافر السيولة لأغرض أكثر إنتاجية وزادت مستوى المخاطرة عامة على الناس والبنوك والاقتصاد.
* تركز الحديث عن دور هيئة سوق المال في كبح جماح المضاربات دون وعي. المضاربة هي روح السوق، فبدون المضاربة يفقد السوق جزءا مهما من حساسيته اللازمة ورفع درجة أهمية المعلومة واستغلالها لأخذ مركز مالي. بدون مركز مالي يقرب بين البائع والمشتري لا تكون هناك سيولة وإذا فقدت السيولة لا يكون هناك سوق وإذا لم يكن هناك سوق لا يوجد اقتصاد حر.
لا شك أن هناك ضحايا بين المضاربين وخاصة من رغب في دخول اللعبة دون خبرة لذلك يجب أن يكون هناك فرق بين الخداع واستعمال وسائل الاتصال والمعلومات لنشر معلومات مضللة وبين روح المضاربة الضرورية للسوق. فعلى الهيئة استخدام الحكم والتقدير والقياس للتفريق بين الاثنين.
* هناك حديث عن سوق أسهم ثانوي ولعله يكون أصغر سوق أسهم ثانوي في العالم من حيث عدد الأسهم المدرجة فيه. لا أرى أن هناك مبررا، بل قد يكون هناك خطر في التنازل عن تطبيق الأنظمة وحوكمة الشركات في الأسهم المدرجة في السوق الثانوي (سوق ينظر ويتوقع منها كل شيء سيء) ونحن بحاجة إلى رفع المستوى في كل النواحي. لعل الحل يكمن في تخلص الهيئة من ترددها وخجلها في طرح بعض الشركات. ولعل أفضل مثال أن هناك ثلاث شركات أسمنت استطاعت جمع رأس المال اللازم ولديها المواد الخام والدراسة الاقتصادية الموضوعية، كما أنها وقعت عقودا لإنشاء المصانع مع شركات دولية معتبرة، ويشرف على هذه الشركات رجال أعمال ذوو خبرة ومصداقية. فهذه شركات بإمكان الهيئة التسريع في طرحها للسوق لتوسيع الدائرة قطاعيا وجغرافيا وسوقيا. هناك شركات أخرى قادرة على الوصول إلى هذه المرحلة.
كما أن دور الهيئة يأتي من زاوية أخرى في تباطئها في الترخيص لمديري حقائب ووسطاء لملء الفراغ الذي يشغله مديرون غير مرخصين وغير مؤهلين. فهذه المؤسسات الرسمية المؤهلة تعطي السوق درجة أعلى من المهنية وبالتالي استقرارا في المدى البعيد.
* يتردد كثيرا أن سبب ارتفاع سوق الأسهم هو ارتفاع السيولة في النظام المالي في المملكة، هذا التذبذب بيَّن مدى هشاشة هذه المقولة في سوق الأسهم في الوقت الحرج. اقتصاديا يصعب تعريف السيولة حين ارتباطها بالحالة النفسية للمشاركين في السوق، فحين أحجم الكثير عن البيع جفت السيولة فكثرت عروض البيع دون وجود المشترين فبرز أحد عيوب السوق الهيكلية في غياب صناع السوق. هذا الدور الذي تقوم به مؤسسات أخرى كما ذكر أعلاه.
* هناك دور رئيس للإعلام في نشر ثقافة استثمارية تبين أن الغالبية من ضيوف الندوات والمناقشات تفقد التحليل المالي الموضوعي الرصين. بل إن الكثير يستغل للتطبيل وبث معلومات ذات مغاز مصلحية ولا ترتقي إلى ما يخدم المستثمر الجاد عدا حالات قليلة.
التعامل مع هذه القضايا بشمولية سوف يسهم في إيجاد سوق مال صحي يخدم الاقتصاد على المدى المتوسط والبعيد ويتفادى ضرر الناس في المدى القصير إذا أمكن.