رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الصريح في رد الصريخ

<a href="mailto:Dr. [email protected]">Dr. [email protected]</a>

الأفكار كشلالات المياه من أجل أن تُفهم وتُقبل يجب أن تُطرح في وقتها المناسب. ففي الشتاء تتجمد الشلالات وتصبح جليدا صلدا وتتوقف عن الحركة حتى إذا ما أقبل الصيف وسطعت عليها شمسه الدافئة عادت إليها الحياة من جديد تجري بغزارة سيّالة بقوة. ويبدو أن الموضوع الذي طرحته في الأسبوع الماضي لم يكن البعض بعد مستعدا لتقبل مناقشته بحيادية تامة فضلا عن عرضة ابتداء، فقد تفاوتت ردود الفعل بين مؤيد ومعارض وهذا متوقع في قضية اجتماعية حساسة لم نعهد طرحها أو حتى الاقتراب منها. إلا أن ما أحزنني حقيقة أن الكثيرين لم يتفهموا ما كنت أهدف إليه من إثارة القضية. فقد سيطرت على البعض العاطفة الجياشة بين الانفلات الممقوت والبعض الآخر التحفظ الشديد غير المبرر، وقلة كانت مداخلاتها موضوعية. بعض الردود لم تكن متوافقة مع ما جاء في المقال حتى أكاد أجزم أنهم لم يقرؤوه بتمعن أو أنهم لم يعوا فحواه، فقد ادعوا أني أنادي بالاختلاط والسفور وتدريس الطالبات في جميع مراحل التعليم واستبدال المدرسات بالمدرسين وهذا ظلم وبهتان وافتراء عظيم ولَيّ للحقائق وتقويلي ما لم أقله. ما تساءلت عنه هو لماذا يوضع حاجز زجاجي عاكس في قاعات التدريس عندما يضطر إلى الاستعانة بعضو هيئة تدريس في الجامعة (محاضر أو دكتور) لتدريس الطالبات بالتعليم الجامعي في وضع يتوافق مع التعاليم الإسلامية والعلاقة مقننة في موضوعات أكاديمية محددة، بينما نتساهل ونغض الطرف في أوضاع اجتماعية أخرى مخلة بالشروط ذاتها. إن الوضع الحالي في تدريس الطالبات لا يتفق مع المعايير التربوية ويعوق العملية التعليمية. الرسالة التي أردت أن أقولها وبشكل واضح هي أن هناك تناقضات وازدواجية في المعايير مشاهدة في المجتمع وأن الكثيرين لا يفهمونها! البعض منا قد لا يكون مدركا لها في الأساس ولا لتداعياتها وخطورتها حبيسة اللاوعي والرهاب الاجتماعي. والبعض الآخر مدرك لها لكن لا يعلم لماذا لدينا مثل هذه التناقضات؟! وفي الوقت ذاته لا يجرؤ على طرح السؤال.
لا اعتقد أن هناك من يحاجج في عدم وجود هذه المتناقضات، لكننا اعتدنا على عدم مواجهة كثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إما بتغييبها أو تجاهلها أو القفز فوقها!. المعضلة الحقيقية هي عندما نعتقد بعدم وجود مشكلة! وهذا ما أردت الإشارة إليه. أنا لا أتحدث عن قضية بعينها حتى لو أوردت تدريس الطالبات كمثال فهناك أمثلة أخرى كثيرة، وإنما هدفت إلى تبيان حال المجتمع ووضع نعيش تناقضاته. إن أسلوبنا في التعاطي مع القضايا الحساسة يجب أن يكون أكثر شفافية وانفتاحا حتى نعلم ما يدور في أذهان الناس ومن ثم محاولة إعادة تثقيفهم تثقيفا إسلاميا رشيدا يكون فيه الأفراد على قدر من الوعي والفكر النير والمبادئ الراسخة والقناعة الذاتية داخل إطار من الفهم الصحيح للدين يصدهم عن فعل المنكرات ويحثهم على السير في الطريق المستقيم. لم أقصد من مقالي السابق (والعياذ بالله) الفتنة أو إثارة البلبلة أو دعوة للاختلاط أو السفور. إن تربيتي الإسلامية تمنعني من جرح مشاعر الآخرين فضلا عن التحدث بما يتنافى مع تعاليم الشرع الحنيف. إلا أن التناقضات في المجتمع يجب الالتفات إليها ومعالجتها ليس بإحداث تغييرات ظاهرية شكلية وإنما مراجعة طريقة التفكير وكيفية تناولها ومناقشتها وأسلوب طرحها ومعالجتها بالقدر الواسع الذي ضمنته الشريعة السمحاء. بشكل أدق مراجعة كيف نفكر ونطرح ونناقش ونتحاور في قضايانا المهمة من جميع جوانبها لا أن نهتم بجانب ونهمل جوانب أخرى قد تكون أكثر أهمية، ولا أن نتشنج ونلقي أحكاما مسبقة على كل من يختلف معنا في الرأي، أو يمنعنا ما ألفناه واعتدنا عليه من مراجعة النفس وإعادة النظر في الأمور كلها. إن مراجعة نمط التفكير وأسلوب التعامل مع القضايا المختلفة في غاية الأهمية لأنه يتعلق بالهدف الأسمى وهو دعوة الناس الالتزام بتعاليم الإسلام، التزاما واعيا واقعيا يكون منهجا مطبقا في حياتهم في جميع حركاتهم وسكناتهم. التزام يدعو إلى تعبد الله في كل وقت وكل حين في الأقوال والأفعال. التزام بقيم الإسلام جميعها دون انتقائية. التزام يدفع نحو الإنتاجية، وصدق التعامل، واحترام الوقت، والحقوق، والمواثيق، والقوانين، وإكرام المسلمين والتواضع لهم وجميع القيم الراقية للإسلام. الالتزام الحق بالتعاليم الإسلامية يقود نحو جعلنا أمة متحابة ومنتجة وقوية كما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم. ويقيننا أن الإصلاح لآخر الأمة يكون بما صلح أولها. إن منهج الدعوة المحمدية اعتمد على إعمال العقل والتفكير والاجتهاد والبحث عن الحكمة فهي ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بأخذها.
لقد تناولت في مقالات سابقة قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية وضحت فيها بعض التناقضات. ومع أهمية تلك القضايا المطروحة والتي تمس مصالح الناس وتتعلق بالمصالح العليا للأمة إلا إنها لم تلق الاهتمام الذي لقيه مقال الأسبوع الماضي. قد يكون مرد ذلك أن الهم العام لا يستهوي الناس، أو قد يكون قصورا في ثقافتنا الاقتصادية والسياسية. وأيا كانت الأسباب فإن التركيز على جوانب دون جوانب في تناولنا لقضايانا من شأنه تعطيل المشروع التنموي للأمة والنهوض بها.
وأجدها مناسبة لأعرض بعض القضايا التي كنت قد طرحتها في السابق لعلها توضح وجهة نظري في أنني أحاول الكتابة الملتزمة الهادفة الموضوعية من أجل الإصلاح والمناصحة وعرض القضية على الجميع. لا أدعي أن ما أطرحة هو الأجدر والأفضل وإنما رأي يثير التساؤل فيتم النقاش وتصحح المفاهيم ويكون الجميع على بينة من الأمر. في مقال معنون " ظواهر محيرة في الاقتصاد..!" جاء فيه: لنعترف أننا مجتمع غير اقتصادي أعني أننا مجتمع نستهلك أكثر مما ننتج، نفتقد لثقافة الندرة بل لثقافة الزهد، نتصرف بلا مسؤولية تجاه أنفسنا والأجيال المقبلة وكأننا لا نخشى نضوب النفط أو إيجاد البديل له ونفاد الموارد. لا نجيد صرف الريال على النشاط المناسب ذي العائد الأعلى، أولوياتنا إما غامضة أو غائبة أو غير مرتبة، في كثير من الأحايين نصرف دون خطة ومعرفة بالبدائل المتاحة فتجدنا لا نحسب لكل ريال والعائد من صرفه، بل إن هاجسنا وهدفنا من الاستهلاك أن نجاري بعضنا البعض ونتنافس في المباهاة والشكليات ثم نحاول إيجاد مبررات منطقية أو غير منطقية لهذا السلوك الاستهلاكي. الأدهى والأمر أن وصل بنا الحال إلى نعت من يسلك سلوكا اقتصاديا أنه بخيل! هناك الكثير من المظاهر الاجتماعية العجيبة التي يصعب فهمها وتبريرها.
واقتطع من مقال بعنوان "الأنظمة العامة بين جمود التطبيق وغياب التجديد": يبدو أن فكرة تقديم الخدمات العامة بأكبر كمية ممكنة حتى ولو على حساب الجودة تسيطر على صناع القرار، وهذا انعكاس للثقافة الإدارية المبنية على زيادة الكم دون الجودة ودون الاهتمام بالنتائج والتأثير النهائي للأداء. اقترن ذلك بالافتقار أو الضعف في التخطيط والتحسب لما يجب عمله وبأي مستوى. كل ذلك أدى إلى عدم الاهتمام بالجوانب القانونية وتطبيقها في الشؤون والقضايا العامة وكل ما يتصل بعموم الجمهور. فهناك بعض القصور في التشريعات التي تنظم العلاقة بين مقدمي الخدمة ومستخدميها. بحيث شكلت فراغا قانونيا جعلت مقدمي الخدمة في القطاع الخاص يفعلون ما يشاءون دون تشريعات تردعهم ولا حسيب يراقبهم. حتى ولو بلغت هذه التعديات مبلغ التأثير في الصحة والسلامة العامة وحياة الناس بشكل عام. أما بعض التشريعات واللوائح التنظيمية الحكومية فيكتنف بعضها الغموض والتعميم ويمكن تفسيرها في كل اتجاه بل أصبحت مثل بيت العنكبوت يصطاد الحشرات الضعيفة بينما تجتثه الرياح العاتية حتى لا تبقي له أثرا. إن لذلك تكلفة اجتماعية كبيرة غير محسوسة بشكل مباشر ولكنها موجودة ولها تبعات خطيرة. وباستطاعتي أن أسرد الكثير من الأمثلة على ذلك: المدارس المستأجرة التي لا تمت بصلة للعملية التعليمية، الشوارع التي شوهتها الحفر ولم يمض على استلامها إلا بضعة أشهر، الطرق السريعة التي أعيد رصف بعضها عدة مرات!، افتقار بعض المطاعم والمحال التجارية للحد الأدنى من أساسيات الصحة والسلامة العامة، إلى قصور الخدمات في محطات الوقود داخل المدن وعلى الطرق السريعة والقائمة طويلة.. هذا لا يعني بأي حال إغفال الإنجازات التنموية الهائلة والتقدم الذي شمل كثيرا من القطاعات. إلا أن التقدم المادي لم يسايره التطوير التنظيمي والقانوني. إننا كمجتمع لا نستطيع أن نتوقف عند حد معين من التنمية بل يلزم علينا مسايرة المتغيرات ومواجهة التحديات بتطوير أنظمتنا وقوانيننا والالتزام بتطبيقها لنكون كما ينبغي لنا دولة قانون في ظل تعاليم الإسلام الحنيف.
هذا كان نموذجا لما أطرحه من موضوعات وهناك مقالات أخرى للكاتب يمكن الاطلاع عليها عبر الموقع الإلكتروني لـ "الاقتصادية" ويسعدني تلقي مداخلاتكم وآرائكم على الموقع.
خلاصة القول إن المجتمع مثله مثل الكائن الحي يتطور وينمو ويتأثر بما يدور حوله وقد تكون القدرة على التكيف والاستجابة للمتغيرات هي ما يميز المجتمعات الأكثر حيوية. التكيف لا يعني بأي حال من الأحوال التخلي عن الثوابت ومسخ لحضارتنا وتقليد الآخرين تقليدا أعمى، إنما يعني أن نستوعب وندرك أن التغير سنة الحياة وأن علينا التنبؤ بهذه التغيرات والإعداد لها باحتوائها بل وإحداثها. لا بد من استباق الأحداث ورؤية الصورة كاملة بجميع جوانبها لا التركيز على أمور دون أخرى حتى لا نكون كمن بيده الخطام ظانا أنه يمسك بزمام دابته وقد انفلتت منذ وقت! لا بد من النظر إلى الأمور بمنطقية وواقعية والتخلي عما يعوق التعلم والاستفادة من خبراتنا السابقة وخبرات الآخرين في إطار الشرع الحنيف. بقي أن أشكر جميع الإخوة والأخوات دون استثناء الذين تفضلوا بالرد والمداخلة، فلقد تعلمت منهم الكثير فجزاهم الله خير الجزاء. وأتمنى على من لم يقرأها بتمعن أن يعيد قراءتها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي