سوق الأسهم بين المضاربة والاستثمار
<p><a href="mailto:[email protected]">f.albuainain@hotmail.com</a></p>
كثر الحديث في الأيام الماضية عن النطاقات السعرية الجديدة التي حققتها أسهم المضاربة في سوق الأسهم السعودية، والارتفاعات الكبيرة التي اختصت بها تلك الأسهم عما سواها من أسهم الشركات الأخرى. وبدأنا ننصت تباعا للأصوات التي تطالب الصناع بالتعقل وعدم جر السوق إلى كارثة أخرى تزيد من مصائب المستثمرين.
ورغم التحذيرات التي بدأ في إطلاقها بعض المحللين الماليين إلا أن المتداولين مازالوا يصرون على ملاحقة أسهم المضاربة، والنأي بأنفسهم عن أسهم العوائد، باعتبار أنهم يحققون أرباحا مجزية، ويعوضون بعض خسائرهم التي تكبدوها إبان الانهيار العظيم. فلسفة المتداولين قائمة على أساس الربح السريع، وطالما أنهم يحققون أهدافهم فما المانع من أن يواصلوا السير في نفس الاتجاه؟ لا أحد يستطيع أن ينكر عليهم توجهاتهم، بغض النظر عن النظريات الاستثمارية، ومصلحة السوق والاقتصاد العام. فالمستثمر الفرد يبحث أولا عن مصلحته الخاصة، ويقدم على شراء الأسهم التي تحقق له المكاسب المجزية في مدة زمنية بسيطة، قد يفعل ذلك وهو مطلع على نسبة المخاطرة العالية التي يتحملها بمجرد اقتنائه أسهم المضاربة. كثير من المتداولين لا يشغلون أنفسهم بدراسة القوائم المالية بقدر ما يدققون في الفوارق السعرية الإيجابية التي تحققها لهم أسهم المضاربة مقارنة بالأسهم الأخرى.
فأسهم المضاربة، وخلال مدة زمنية قصيرة، استطاعت أن تحقق مكاسب خيالية لمقتنيها تجاوزت في بعضها نسبة 300 في المائة من أدنى نقطة وصلتها بعد الانهيار حتى يومنا هذا، في حين لم تحقق أسهم العوائد 30 في المائة من الأرباح الرأسمالية، ولو أضفنا لها التوزيعات النقدية لبلغت في مجملها ما يقارب 32 في المائة فقط لا غير. وهنا تكمن المشكلة، إذ كيف نستطيع إقناع المتداولين بالاستثمار في أسهم العوائد وهي لا تحقق لهم إلا اليسر القليل من الأرباح مقارنة بأسهم المضاربة؟ قد يقول البعض إن عنصر المخاطرة عامل مهم لا يمكن إغفاله في حالة المقارنة، وهو أمر صحيح، لولا أن السوق السعودية تتجاهل دائما التمييز بين أسهم العوائد وأسهم المضاربة في حالة الانهيار. لا أقول هذا من باب التشجيع على المضاربة، بل أقولها بتجرد كي نقف على الأسباب والمسببات قبل أن نبدأ في وصف العلاج فالتنظير الاقتصادي لا يمكن القبول به إذا ما كان مخالفا للواقع المحسوس.
يجب أن نعترف بأن السوق السعودية هي سوق للمضاربة من الدرجة الأولى، بدءا من المستثمرين الأفراد ومرورا بالمجموعات المؤثرة، وانتهاء ببعض صناديق البنوك التجارية التي لا تتردد في ممارسة المضاربة على الأسهم الضعيفة، واستشارة بعض كبار المضاربين، والتنسيق معهم في عمليات الشراء المحمومة التي تؤدي إلى تضخم الأسعار وتكتل الاستثمارات المالية في أسهم المضاربة. والشواهد على ذلك كثيرة، إلا أنها تحتاج إلى شرح وتفصيل قد يطول ويتوسع ولعلنا نعود لها مستقبلا.
كيف نطالب المتداولين بتغيير استراتيجياتهم من المضاربة إلى الاستثمار في سوق يغلب عليها طابع المضاربة؟ تشهد فيها أسهم الشركات الضعيفة ارتفاعات كبيرة، وتتراجع فيها أسهم شركات العوائد القوية دون أسباب منطقية. سوق يعتمد فيها المتداولون على تكتلات المستثمرين، وأسماء المضاربين بدلا من اعتمادهم على قوة الشركات وأوضاعها المالية والإدارية.
ما زال صغار المستثمرين يبحثون عن أسماء مضاربي الأسهم من أجل مرافقتهم في ركوب الموجة الصاعدة دون التمعن في قوة الشركة و ربحيتها، أي أنهم يبنون خططهم الاستثمارية على أسماء المضاربين لا على نوعية الأسهم التي يقتنونها حتى اليوم، مازالت استراتيجية موجات المضاربين، المبنية على الاحتكار، تحقق النجاح تلو النجاح وتزيد من ثقة صغار المستثمرين فيهم، وهو ما يزيد من مشاكل السوق، ويهز من ثقة المستثمرين بأسهم العوائد، ويدفعهم قسرا إلى تبني استراتيجيات المضاربة والبعد قدر المستطاع عن الاستثمار في السوق. لن تنجح التحذيرات الموجهة طالما أن الواقع يثبت عكسها، ولن يتنازل المضاربون عن أرباحهم التي يحققونها لمجرد التقيد بنظريات الاقتصاد والتحليل المالي. ما العمل إذا؟ الأمر أكبر من أن يرتهن بتحذيرات تطلق من خلال القنوات الفضائية أو من خلال الصحف اليومية لإبراء الذمة لا أكثر ولا أقل. أعتقد أن الأمر يستدعي التدخل السريع من أجل إعادة هيكلة السوق، ورفع أيدي الأوصياء عن الأسهم القيادية، وأسهم العوائد التي أصبحت تستغل استغلالا سيئا من أجل التأثير السلبي على أداء السوق من ناحية، ومن أجل تشجيع المضاربة وتلميع الأسهم الخاسرة من ناحية أخرى. نحن في نهاية الربع الثاني للسنة المالية، وهو الوقت المحدد لإعلان النتائج المالية التي قطعا ستأتي في مصلحة أسهم العوائد، وقد تلحق الضرر ببعض أسهم المضاربة، وربما تكون نقطة تحول في مسار السوق، وهي نقطة مهمة يجب على المضاربين التنبه لها ووضع الاحتياطات اللازمة من أجل حماية استثماراتهم المالية.