رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أشعب اللامرئي

يحكى أن أشعب اعترته نوبة "عيارة" فوقف على ناصية الشارع يحض الناس على الذهاب إلى وليمة دسمة "هناك". فتراكض القوم مصدقين، وحين رأى أشعب أن كل مَن أخبره بأمر الوليمة هرول إليها، فصدّق عيارته وحدّث نفسه: لا بد أن هناك وليمة بالفعل، لا يعقل أن يكون كل هؤلاء الناس على خطأ، ومضى في أثرهم!!
ما يحدث لسلوكنا الاجتماعي أشبه بحالة أشعب. نخلق الإشاعة أو نسمعها أو نقرأها فنتبناها وننقلها. وهي ليست ظاهرة مقصورة على أيامنا هذه، إن لها جذورها في تراثنا الفكري، فأنت تجد كثيرا من الناس، وفيهم مَن يعتبرون أنفسهم علماء، أو أكاديميين أو مثقفين يحدثونك عن خزعبلات وحكايات ملفقة ومنسوجة، إما للإبهار أو للتضليل أو لخدمة مآرب الولاة أو طائفة أو ملة أو أقلية أو الحط من شأنها، على أنها حقائق لمجرد أنها وردت في كتب الأقدمين!! وتواجه بمن يريد إلقامك حجرا وسد فمك بالإشارة إلى أن هذا القول أو هذا الرأي أو هذا الاجتهاد ورد في كتاب العلاّمة فلان أو المؤرخ علان وأن مصنفاتهما من أمهات الكتب، معتبرا ذلك حجة دامغة، ناسياً أو متناسياً أن ما أورده أولئك كان نقلا عن نقل، جمعا من جمع، قولا على قول، لا منهجية فيه ولا تدقيق أو تمحيص، لا تأويل قائما على قواعد علمية صارمة ولا موضوعية.
هكذا كانت ومازالت تنشر النقولات في مؤلفاتنا متناسخة تناسخاً كسيحاً لا جهد فيها سوى إعادة تكرارها في سياقات أردأ من سابقاتها، وهكذا أيضا تنتشر الإشاعة بفعل رغبتنا في تصديق الخرافي واللا معقول لأنهما يعفياننا من إعمال عقولنا وعصفها لممارسة النقد والتأمل فيما نقرأ أو نسمع.
على الصعيد الاجتماعي يتبادل الناس مثلاً أحاديث عن قدرات هذا المشعوذ أو ذاك على كشف الحجب وهتك الستر ومعرفة المجهول والشفاء من العلل المستعصية, وتجد الواحد يقسم لك أنه رأى وسمع، وحين تطيل البال معه، وتحاوره ينتهي إلى نفض اليد، ودون أدنى حرج ينسف كل تأكيداته السابقة مرددا ببرودة: والله هذا الذي يقولونه!!
تلك الذهنية الاستقبالية الاتكالية الاجترارية هي ما يفسر أيضا ظواهر تكرار أنشطتنا ومجالات عملنا وأساليب تعاملنا مع بعضنا البعض ومع المنجزات الحضارية ومع ما يخصنا من سكن ومأكل ومشرب وملبس ووسائل نقل ومناسبات اجتماعية وسفر. فلو افتتح بعض منا مكاتب للعقار ملأنا الشوارع والحارات بمثيلاتها، ولو اتجهت طائفة منا للمطاعم الشعبية غرقت الواجهات الزجاجية لشوارعنا بالكبسة والمثلوثة. إن زاول بعض نشاط الخدمات العامة أو الملابس الجاهزة أو الأواني المنزلية أو أجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات أو ما شئت من نشاط تكأكأ القوم على النشاط نفسه، ولا يفيق كثير منا من خسائرة إلا عند تعليق اللوحة العتيدة، التي أصبحت علامة سعودية مميزة: "المحل للتقبيل"!!
حدث ذلك في الطفرة الأولى، تراكضنا وحدانا وزرافات لافتتاح المؤسسات والمحلات المتشابهة وغصت مدننا وقرانا بها حتى كادت فتحات الحوانيت تسطو على مداخل العمارات.. وكان من المضحك المبكي أن الدكان ذاته تتغير هويته من محل للحلاقة إلى الجزارة إلى المنجرة، إلى بوفيه في فترة وجيزة. ذاق كثيرون ويلات الفشل وعلعلات العمالة ونكد العمر.
يحدث السلوك نفسه في الطفرة الراهنة، طفرة الأسهم، طفرة تبديد شقى العمر وثروة الوطن أيضا. يبدو أن أشعب هلامياً غير مرئي أخذ يهتف في أسماعنا وتسلل إلى مخادعنا، يوسوسنا في أحلامنا، يضع جنة الثراء قيد أناملنا بمجرد زج ما لدينا من نقود في تجارة الأسهم. ومن ذا الذي يستطيع مقاومة إغراء نداء أشعب اللامرئي، خصوصاً والوليمة هذه المرة واضحة وضوح الشمس، فالمؤشر يتقافز برشاقة فاتنة تغري أشد الرجال تمنعاً وعفة.
نجح أشعب اللامرئي بشكل خرافي. هرولنا كالمسحورين إلى البنوك وصالات التداول وشاشاتها وأجهزتنا المحمولة والمكتبية، وبكل وقارنا، هيباتنا، شهاداتنا، مناصبنا، تشخيصاتنا، وبمزاعم رجاحة عقولنا صدقنا أشعب اللا مرئي. قمعنا الحذر والحيطة والسداد فينا ولم نجد حماية ممن يفترض فيهم أن يحمونا من تغريرات أنفسنا وتغريرات أشعب اللامرئي بنا.. وتركونا نلعق جراحنا النازفة فيما أشعب يضحك منا شامتاً!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي