رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


النخبة السعودية: تحدي التنمية

<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>

يولد الإنسان ويهبه الله بقدرات ومواهب متنوعة وبدرجات متفاوتة وبما في ذلك من حكمة في الاستفادة والتعاون والتعاضد، هذا التنويع يعطي المجتمع درجة من التماسك من خلال تكافؤ الفرص وتقدير المواهب وتغيير الأدوار والمنافسة الشريفة، من سنن الحياة الحركة الدائبة والتغيير وطريقة التعامل معه.
يقول علماء الاجتماع إن عملية صنع القيادات في المجتمع تأتي من خلال عملية تفاعلية بين القاعدة العريضة ورغبة القيادات في إيجاد كوادر مؤهلة لتكون خير خلف لخير سلف، ولذلك نجد أن قيادة المملكة تنبهت إلى هذا المفهوم، وتحاول أن تعطي الفرصة لعناصر جديدة قادرة على المساهمة في التطور من ناحية من خلال فرصة التعليم أو بعثات إلى الخارج، ومن ناحية أخرى أدخلت عملية التغيير كل أربع سنوات لإعطاء الفرصة ومراقبة الأداء.
المجتمع السعودي كغيره من المجتمعات في حركة دائبة بعضها ظاهر وبعضها يتطور وينمو حتى تحت السطح ليظهر بطريقة صحية أو غير صحية، التعامل مع هذه الظاهرة وتسخيرها بل حتى قيادتها وتوجيهها بغرض تعظيم الفائدة من أفضل العناصر الفاعلة القادرة على تحمل المسؤولية. ليس الموضوع مسألة عدالة فقط بما لها من أهمية، بل هو يصب في مصلحة البلاد في الاستفادة من الموهوبين والشرفاء القادرين.
لتحقيق طموحنا في التقدم علينا الاستمرار في فرز القادرين من غير القادرين لأنه كما قيل لكل زمان رجال، عملية الفرز هذه ليست للنخبة فحسب، لكن لا يكون مجتمعنا نخبويا بدون قاعدة صلبة – أي مجتمع ضعيف. فإدخال ثقافة عمالية عامة يكون ميزانها آلية واضحة للثواب والعقاب يرفع إنتاجية المجتمع عموما من ناحية، ومن ناحية أخرى يحرج النخبة ويجعلها تحت ضغط مستمر لكي تفوز باحترام هذه القاعدة العريضة المحكومة بالعدل لإنجاز أهداف البلاد التنموية.
يقابل هذا الإطار العام سواء من ناحية نظرية أو عملية طبيعة الإنسان وما جُبل عليه من رغبة في البقاء في الوظيفة، والاستقرار والخوف من البديل وحتى المصالح الشخصية الضيقة لدى البعض. جزء من طبيعة الكثير من الناس سواء من النخبة والقيادة أو من العامة أيهم يخشون المجهول ومنها التغيير في كبار مسؤولي المؤسسات الحكومية الكبيرة، لذلك نجد أنه مع الوقت الجميع يقبل الركود والاستقرار على حساب الحاجة الماسة إلى التغيير في مسؤولي هذه المؤسسات الحكومية.
إضافة إلى هذه الرغبة الطبيعية والمصطنعة نجد أن هناك تراخيا في تطبيق أنظمة عليا في تجاوز فترة الأربع والثماني سنوات وتجاوز سن التقاعد من تمديد إلى تغيير الاسم الوظيفي كالمدير الذي يصبح مستشارا والمسؤول الذي هو عضو في كل لجنة مهمة دون الوقت الكافي والتجربة في بعض الأحيان لفهم طبيعة أوضاع معقدة.
البيروقراطية لديها قدرة لافتة للنظر، فنجدها تتكيّف مع الطبيعة البشرية والهوى الإنساني إلى قدرتها على تأويل وتخويف واستغلال ثغرات في الأنظمة واستعمال التوقيت والإحراج لتمرير إما ما تعتقد جاهدة أنه يخدم المجتمع أو من زاوية مصلحية ضيقة. في الغالب النتيجة على المجتمع واحدة وهي للأسف ليست إيجابية. فنجد موظفين قدامى قد استهلكوا يصاع لهم كيل المديح ويُلبسوا ثيابا جديدة ليأتوا في وظائف جديدة.
قد يكون التراخي في الانضباط خيارا ممكنا في فترة ماضية ولكن اليوم وبعد دخول المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، وسياسات المملكة المعلنة والممارسة لتحرير الاقتصاد ليصبح الإبداع أهم من الماديات، يستحسن أن يكون هناك تلاقح للمواهب بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص. من الملاحظ أن الغالبية العظمى من قيادات المؤسسات الحكومية تأتي إما من الجهاز البيروقراطي نفسه أو من الجامعات بينما القلة القليلة تأتي من القطاع الخاص، كما أن هناك عددا لا بأس به من السعوديين الذين عملوا في شركات عالمية في الخارج وأثبتوا قدرة فائقة ويستطيعون أن يسهموا في تقدم بلادهم بأفكار جديدة وطرق وأساليب إدارية حديثة. الأمل أن يستطيع البيروقراطي المجرب والمحنك التوجه إلى القطاع الخاص لكي يثبت مدى قدرته على بيع خدماته, كما أنه اختبار صعب لمن تعوّد مرونة ووضوح القرار في القطاع الخاص وبأجر أعلى أن يتعامل مع المؤسسة البيروقراطية بما فيها من بطء ومجاملات وأحيانا عدم الوضوح وتلامس بين أدوار المؤسسات.يقدم القطاع العسكري نموذجا جيدا على التغيير في القيادات وخاصة في القوات المسلحة، حيث يعطي الكثير من الضباط الفرصة في تعلم القيادة من خلال الإسراع في عملية التحفيز والتشجيع والتقاعد المبكر، كما أن زيادة البعثات مؤشر إيجابي ولكن يجب التفكير في توظيف هذه المواهب المتعلمة إنتاجا وإعطائها الأمل بالتقدم.
كذلك يسعى الكثير من الدول إلى تأهيل جامعة معينة أو معهد عال متخصص لتخريج الكفاءات القادرة على القيادة، المراقب للتعليم الجامعي اليوم يلاحظ الكثرة على حساب التخصص والتميّز، فحبذا لو استطعنا تمييز إحدى الجامعات بهذا العرف.
اتخذت الحكومة بعض الخطوات مثل مرونة تبادل المنافع بين التقاعد والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وتحديد مدة الوظيفة العليا بأربع سنوات وثماني سنوات. هذه خطوات في الاتجاه الصحيح وعلينا مواصلة هذه العملية الجريئة والبناء على هذه النجاحات مثل قصر المدة فعليا وليس نظريا فقط على الثماني سنوات كحد أعلى للجميع، وتحديد سن التقاعد الرسمي بـ 60 – 65 سنة لأغلبية قيادات الوزارات والمؤسسات الحكومية كخطوة أولى على سبيل المثال، هذه الخطوات البسيطة والمرحلية ستخدم المجتمع السعودي في إيجاد طريقة نحو التنمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي