سوق الأسهم.. كارثة من صنع أيدينا
<a href="mailto:[email protected]">amsultan@hotmail.com</a>
كتبت وكتب غيري الكثير عن الكارثة التي كانت تنتظرنا عند حدوث تراجع حاد متوقع في سوق الأسهم السعودية، فكل المؤشرات الاقتصادية كانت تدل بجلاء تام على أن مضاربات سوق الأسهم تتم تغذيتها من خلال اختلالات غير طبيعية في اقتصادنا الوطني كان من الواجب على صانع القرار الاقتصادي تفاديها، فخلال العامين الماضيين ارتفعت السيولة المحلية بنسبة 32 في المائة، وحيث إن معدل نمو اقتصادنا غير النفطي خلال الفترة نفسها يقل عن 12 في المائة، فإن 60 في المائة من نمو السيولة فائض ينتظر استغلاله قبل انجرافه لسوق الأسهم. والقروض الشخصية نمت حتى الربع الثالث من 2005 بنسبة 126 في المائة مقارنة بمعدلاتها نهاية عام 2003 وصولا إلى 165 مليار ريال. ومطلوبات البنوك من القطاع الخاص ارتفعت خلال عامين بنسبة 91 في المائة، بحيث وصلت نهاية عام 2005 إلى 436 مليار ريال. ترتب على كل هذه الاختلالات الواضحة ارتفاع في المؤشر العام للأسهم خلال عامي 2004 و2005 بلغت نسبته 277 في المائة ليصل في نهاية 2005 إلى 16.712 نقطة، وفي حين لم يتجاوز معدل التداول اليومي في عام 2003 ملياري ريال ارتفع في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2005 إلى ما يزيد على 24 مليار ريال يوميا.
المعاناة الكبيرة التي يشعر بها المتداولون في السوق حاليا وهم يرون مدخراتهم تتبخر أمام أعينهم بانسحاب السيولة من السوق لدرجة أنهم لا يستطيعون بيع ما يملكونه من أسهم حتى بأي سعر كان، يكون وقعها أكبر عندما ندرك أنها كارثة من صنع أيدينا وكان باستطاعتنا تفاديها لو اتخذت السياسات الاقتصادية المناسبة، فنمو السيولة المحلية وفق معدلات تفوق كثيرا معدل النمو في الاقتصاد المحلي يعني تلقائيا تضخم السوق المالية وضغطا متواصلا على أسعار الأسهم للوصول إلى مستويات لا تبررها مستويات الأداء المالي للشركات المتداولة. ومهمة صانع السياسة الاقتصادية إدراك النتائج المترتبة على أي تغيرات جذرية في الاقتصاد، وفي هذه الحالة اتخاذ السياسات التي تكفل امتصاص فائض السيولة وتجنب حدوث اختلالات خطيرة في الاقتصاد المحلي تؤثر سلبا في سلامته واستقراره.
ومن غير المقبول غياب أي دور إيجابي للأجهزة الحكومية المسؤولة عن إدارة اقتصادنا وهي ترى نموا هائلا في السيولة المحلية وتملك خيارات عدة للتعامل مع الوضع ومع ذلك لم تحرك ساكنا، فقد كان من الممكن مثلا استغلال السيولة الفائضة لتعظيم مكاسب الطفرة الاقتصادية من خلال طرح مشاريع كبرى في اكتتابات عامة، أو على أقل تقدير بيع ما تملكه الدولة من أسهم في الشركات المساهمة القائمة، حيث تصل ملكية الدولة في بعض تلك الشركات إلى 70 في المائة من إجمالي أسهمها المصدرة، لا أن تقوم بتوسيع ملكية الدولة في تلك الشركات ومنافسة القطاع الخاص على فرص الاستثمار المتاحة، كما حدث عندما اشترى صندوق الاستثمارات العامة نصيب الشريك الأجنبي في مجموعة سامبا بدلا من طرحه في اكتتاب عام. وأن تُسرع عملية تخصيص المرافق التي أعلن عن ترشيحها للتخصيص من خلال تجاوز المعوقات البيروقراطية التي تواجه عملية التخصيص المتوقفة منذ تخصيص 30 في المائة فقط من أسهم شركة الاتصالات السعودية قبل ما يزيد على ثلاث سنوات. وتسديد الدين العام لا يصبح أولوية في ظل النمو الكبير في السيولة، بل قد يكون الأنسب زيادة اقتراض الدولة لسحب فائض السيولة وتأجيل تسديد الدين العام إلى الوقت الذي نملك فيه خططا لتوظيف فائض سيولتنا. ومؤسسة النقد كان من الواجب أن تتدخل وتفرض قيودا تحد من توسع البنوك في منح قروض شخصية مستغلة ضمان تحويل راتب المقترض إليها، وتحد من تمادي البنوك في منح التسهيلات للمضاربين مستغلة كون عملية التداول تتم عن طريقها وتستطيع ضمان حقها ببيع أسهم المقترض في أي لحظة.
عدم تبني سياسات اقتصادية ملائمة تثير تساؤلا حول ما إن كان هناك تأثير لتعدد الجهات المعنية بالشأن الاقتصادي في بلادنا وعدم وجود جهة محددة يمكن تحميلها المسؤولية عن التخطيط الاقتصادي. على سبيل المثال اتخذ قرار قبل ثلاث سنوات بفصل مرفق الاقتصاد عن وزارة المالية وضمه لوزارة التخطيط تحت مسمى وزارة الاقتصاد والتخطيط، إلا أنه حتى الآن لم ينفذ القرار وبقي الاقتصاد تائها بين الوزارتين وجهات حكومية أخرى، هذا الوضع يترتب عليه تشتيت لمسؤولية وضع السياسات الاقتصادية وضمان تنفيذها في الوقت المناسب، فإن كان هناك قناعة بعدم ملاءمة قرار الفصل فليعد الاقتصاد رسميا لوزارة المالية، وإن كنا لا نزال نرى صواب قرار ضم الاقتصاد للتخطيط فليفعل القرار وتحدد المسؤولية بوضوح ودقة. ومن غير المقبول أن نجد أنفسنا في وقت يفترض أننا ننعم بطفرة اقتصادية هائلة نتيجة لنمو متواصل في إيراداتنا النفطية، نتحدث عن كوارث اقتصادية ومعاناة مالية لشريحة واسعة من مجتمعنا بانعكاسات اقتصادية وأمنية واجتماعية خطيرة، نتيجة عدم تبنينا سياسات اقتصادية ملائمة في الوقت المناسب.