جسر أبحر العظيم .. معلم حضاري متقدم جداً
<a href="mailto:[email protected]">dr_saaty@Yahoo.com</a>
استجابت حكومة خادم الحرمين الشريفين مشكورة واعتمدت في ميزانية أمانة مدينة جدة 26/1427هـ تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع بناء جسر يربط أبحر الجنوبية بأبحر الشمالية. ومن المسلمات التي نسلم بها أن أمانة مدينة جدة لا يمكن أن تطرح مشروعاً مكلفاً كهذا المشروع دون أن يكون قد درسه الخبراء دراسة عميقة من كل جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والسياحية والفنية، ولو لم تكن مبررات تنفيذه مقنعة لما وافقت على تنفيذه وزارة البلديات والشؤون القروية.
وأتصور أن هذا المشروع سيكون من المشاريع الحيوية المهمة لمدينة جدة السياحية، التي تفتقر إلى الكثير من المشاريع الثقافية والترفيهية والجمالية رغم أنها مدينة تتمتع بمقومات سياحية من الطراز الأول، سواء من ناحية موقعها عند مدخل الحرمين الشريفين أو من ناحية تاريخها الذي يترامى عبر آلاف السنين أو من حيث موانئها وأسواقها التجارية الكبيرة، ولكن مع ذلك لا توجد فيها أماكن أثرية للزيارات، ولا توجد فيها قاعات كبرى ولا قاعات للسينما، ولا يوجد فيها متحف يتكلم عن تاريخها، ولا توجد فيها مدينة رياضية تتناسب والإمكانات السياحية الطبيعية لهذه المدينة، ولا توجد فيها أندية للسيدات، ولا توجد فيها جسور تربط شواطئها التي تغيب عنها المشاريع الترفيهية الاقتصادية الأخاذة .. حتى الحدائق العامة طبقت عليها منح الأراضي مما عرّض رئة المدينة للاختناق.
وكذلك لو ألقينا نظرة على مشاريع التنمية التي تنفذ في مدينة جدة لوجدنا أنها قليلة، فالمدينة لا توجد فيها مستشفيات حكومية تتناسب والزيادة في معدلات عدد السكان، كما أنه لا يوجد فيها مطار يستوعب الملايين القادمة والمغادرة، ولا توجد فيها مدارس ومعاهد كافية، ولا يوجد فيها إلا جامعة واحدة يتزاحم عليها طلاب من مختلف مدن وقرى وهجر المملكة، ناهيك عن الأماكن السياحية فهي كما ذكرنا إما قليله وإما بسيطة، بمعنى أن مدينة جدة عريقة في تاريخها ولكنها قليله في أماكنها السياحية، وهو ما لا يتناسب مع أي مدينة تتمتع بكل المقومات الطبيعية المطلوبة للسياحة ولكنها تفتقر إلى أبسط المقومات العصرية للسياحة.
أعود الآن إلى موضوع الجسر الذي وافقت الحكومة، رعاها الله، على تنفيذه ليربط أبحر الجنوبية بأبحر الشمالية. إن المشروع لم يكن وليد اليوم والساعة، بل استغرق أكثر من خمس سنوات من الدراسة والتمحيص، وبعد أخذ وعطاء ومد وجزر تمت الموافقة عليه، ولكن بعد كل هذه الخطوات نفاجأ بالدكتور غازي عبد اللطيف جمجوم، وهو سليل أسرة جداوية عريقة، يتسلل إلينا بمقال يفتقر إلى أبسط قواعد الرأي المحجج ويقول بكل سطحية إن جسر أبحر ضرره أكثر من نفعه، ويسمي للأسف شرم أبحر بأنه منتجع بحري، ونسي أن شرم أبحر أصبح مدينة متكاملة، ما يؤكد أن الدكتور غازي بنى هجومه على أساس شخصي موجه ضد فئة من العقاريين الذين كان يعنيهم بمقالته، بينما كان المفروض أن يبني رأيه على مبررات موضوعية مقنعة .
وقول إن مشروع جسر أبحر يلحق أضرارا فادحة بالبيئة قول لا يستند إلى حجج علمية، ونؤكد أن مشروع الجسر سيضفي إلى البيئة جمالا وروعه، ويساعد على فك أزمة المرور التي بدأت تحكم قبضتها على الطريق من أبحر الجنوبية إلى أبحر الشمالية. كلنا يعرف أن مساحة كبيرة من ساحل أبحر قد تم تمليكها إلى الأشخاص، في غفلة من القانون، وأنه أصبح ملكية خاصة وليس ملكية عامة، وتبعا لذلك فإن الناس جميعا ومنهم المواطنون والمقيمون والزوار حرموا من التمتع بالبحر ومناظره الخلابة، والأبشع من ذلك أن أمناء سابقين أعطوا ترخيصاً لبناء كبائن وسواتر حتى تكون مانعة لرؤية الألوان التي يبرق بها البحر في ساعات اليوم.
وطبعا إن تحول السواحل إلى ملكيات خاصة يعتبر مخالفة لما هو سائد في كل دول العالم، ولذلك أستطيع القول إن مدينة أبحر بشكلها الحالي لا تستحق أن نطلق عليها منتجعا سياحياً لأنها تفتقر إلى أبسط متطلبات المنتجعات السياحية الجاذبة، فالمنتجع ليس مسكنا على البحر وإنما هو مشروع سياحي متكامل بكل المقومات الاقتصادية الترفيهية والجمالية، ويعتبر الجسر أحد مقومات المشروع السياحي الذي يوسع رقعة السواحل المتاحة للناس من أهالي جدة أو من المقيمين فيها والزوار الذين يأتونها للسياحة ويحلمون ببحرها ورمالها ومنافعها السياحية.
بمعنى أن الجسر مساحة مفتوحة على البحر ويمكن أن تؤسس على أطرافه مجموعة من المشاريع السياحية، كما أن الجسر يضفي جمالا أخاذا على منطقة نرى أنها من المناطق الأساسية للسياحة، ولاسيما أن الدولة تسعى إلى زيادة إيراداتها الوطنية من السياحة، ولاشك أن الجسر سيفتح آفاقاً اقتصادية جديدة، كما أنه سيعطي المنطقة كلها زخماً من التحديث والتطوير العمراني والجمالي.
ولكن رغم كل هذه المزايا التي يوفرها إنشاء هذا الجسر، فإن الدكتور غازي يقول إن جسر أبحر لا يخدم إلا أشخاصا معدودين، بل أكثر من ذلك يقول إن الجسر يسيء إلى معلم طبيعي من معالم جدة الأساسية ويسيء إلى الملايين من أبناء هذه المدينة وروادها. ثم استغرق الدكتور في كلامه المرسل وقال إن الجسر صفعة مؤلمة على وجه خليج أبحر.
وما يقتضينا توضيحه أن الجسر نفسه سيكون معلما رائعا من معالم جدة الوسيمة، وستزهو الأجيال المقبلة بالجسر وتحمد لمن بنى هذا الإنجاز العظيم، بل ستضطلع الأجيال المقبلة ببناء المزيد من الجسور المماثلة في شمال أبحر وجنوبها. وأؤكد مرة أخرى أن شرم أبحر ليس استراحة عقارية، بل هو امتداد طبيعي لمدينة جدة الكبرى داخل هذا الشرم، وتتوافر فيه كل ألوان الحياة وأشكالها، فهو ساحل ينعم فيه كل الناس بجمال البحر الذي وهبه الخالق سبحانه وتعالى للناس أجمعين، وليس عقارا مخصصا لعلية القوم الذين يذهبون إليه في الإجازات ليخلدوا إلى الراحة بعد عناء العمل طوال أيام الأسبوع.
إن الجسر سيؤدي إلى انتعاش اقتصادي واسع علي ضفتي الشرم، وستزيد معدلات المشاريع الاستثمارية في المنطقة، وسيحدث الجسر نقلة نوعية في المشاريع الاستثمارية ويصبح من أهم المشاريع الاقتصادية والسياحية في مدينة أبحر الواعدة.
إن أهم ما سيحققه الجسر هو أنه سيحول الشرم من منتج سياحي للخاصة إلى مدينة ساحلية سياحية للناس جميعا. ودعونا نرى ماذا حققت الجسور لمدينة مثل مدينة القاهرة، ثم لنبتعد قليلا ونرى ماذا أضافت الجسور لمدينة مثل إسطنبول، ثم لنذهب إلى أوروبا ونقف على نهر التايم، ثم ننتقل إلى الجسور التي بنيت في كبريات وصغريات المدن في الولايات المتحدة وكندا، ولا نذهب بعيدا لنذهب ونقف على جسر الملك فهد الذي يربط مدينة الخبر بالبحرين، ونرى ماذا أضاف هذا الجسر إلى اقتصاد البلدين وماذا أضاف الجسر إلى البحر الذي كان موحشا ومقفراً وأصبح بفضل الجسر مكاناً للنزهة والتمتع بالطبيعة التي منحها الخالق لخلقه، ولنتصور ماذا ستكون عليه هذه المدن لو لم تنفذ عليها هذه الجسور، إذا استطعنا أن نتخيل حالة القرع والتخلف التي سترتد إليه هذه المدن، فإنه يمكن عندئذ أن نتخيل حالة الازدهار والوسامة التي ستكون عليه مدينة أبحر بعد بناء جسرها العظيم.
لذلك أتمنى من أمانة مدينة جدة أن تسمي جسر أبحر باسم جسر الملك عبد الله بن عبد العزيز، لأن النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة في هذه الأيام يقف وراءها وأمامها هذا المليك القائد ـ يحفظه الله.