تناقضات اجتماعية في العلاقة بين المرأة والرجل
<a href="mailto:Dr. [email protected]">Dr. [email protected]</a>
أتحدث اليوم عن موضوع فيه من الحساسية ما يجعلني أتردد في طرحه لئلا يساء فهمي أو يكون هناك تفسيرات خارج ما أقصده وما أرغب في مناقشته على أساس من التناصح وحب الخير والصلاح. ففي مجتمع مثل مجتمعنا الذي أصبح الناس يصنفون ويقسمون إلى اتجاهات ويوصمون بالتبعية لتيار أو فكر بعينه دون آخر تكون الكتابة أمرا صعبا. إلا أني آثرت طرح قضية على قدر كبير من الأهمية كان لا بد من مناقشتها بشفافية متبادلة حتى يتسنى للجميع الاطلاع عليها وتصحيح المفاهيم، لا أن يحجر على العقل وتصادر الآراء ويغفل الواقع.
إن عملية التعلم والتثقيف الاجتماعي تقتضي المصارحة والمكاشفة وطرح الآراء والرد عليها بكل وضوح من الجميع على أن تعتمد الموضوعية وينظر للمقال لا للقائل فيتم بذلك توضيح الصورة في الأذهان عند أطراف النقاش ويكون الحوار مثمرا يوجد أوضاعا تتيح التعايش والإسهام بما فيه المصلحة العامة.
لقد أصبح ظاهرا في مجتمعنا خلط الأمور في بعض القضايا بين ما يصح وما لا يصح وما يجوز وما لا يجوز، تارة على أساس رؤى شخصية وعادات وتقاليد اجتماعية، وتارة أخرى على أساس شرعي ورأي فقهي يحاكي الواقع ويتعامل معه بحكمة ومنطق العقل، ومرات الأخذ بفتاوى لعهود وأزمنة مضت وآراء تناسب حقبة زمنية بعينها لها معطياتها وخصوصيتها، وفي كثير من الأحايين خلط بين هذا وذاك. بل إننا نسقط بعض من آرائنا الخاصة وما اعتدنا عليه على بعض الأحكام الشرعية خاصة فيما يتعلق بالتعاملات والعلاقات بين الناس، فتجدنا انتقائيين في تطبيق تلك الأحكام بما يتفق مع ما ألفناه ويتماشى مع تقاليد وعادات الآباء والأجداد، بل قد يصل بنا الحال إلى تعظيم وتقدير تلك التقاليد والأعراف الاجتماعية إلى حد أن نلتزِمها ونُلزمها الآخرين وكأنها من الدين! أو من الثوابت التي لا تقبل النقاش والانتقاد ولا التمحيص والتدقيق.
لا أحد ينكر أن مجتمعنا مجتمع تقليدي فيه من العادات والتقاليد التي نقدرها ونجلها ونحافظ عليها ونصونها ونفاخر بها العالمين، لكن لا يعني ذلك أن تأخذ القدسية الشرعية وألا تكون مجالا للنقاش والتصحيح والتعديل. تعديل يتفق مع واقع الحال والمستجدات والاهم أن يكون منسجما متوافقا مع الشرع الحنيف بمنظوره الواسع الرحب الذي يستوعب الجميع ويسهل ولا يعسر ويحقق الرحمة التي جاء بها نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
إن هذا الوضع، أقصد الخلط بين التقاليد والأعراف والأحكام الشرعية خاصة فيما يتعلق بالمصالح المرسلة دون مجاراة التغيرات السريعة التي يمر بها مجتمعنا، والأخذ بعين الاعتبار المستجدات التي تطوقنا من كل حدب وصوب يشكل إخفاقاً في إدراك الواقع أو تداركه، بل أزمة حقيقية لها تبعات ونتائج وخيمة أخشى أن يكون التطرف الذي نشهده والسلوك غير السوي للأفراد والجماعات بين الإفراط والتفريط والازدواجية في المعايير والنفاق في التعامل الاجتماعي والتمسك بالشكليات والمظاهر دون المعاني الأساسية والمفاهيم الأصيلة والأهداف السامية والغايات النبيلة للشرع الحنيف، هي من نتاج تخلينا عن النظر للأمور بنظرة واقعية مرنة تلبي احتياجاتنا وتستجيب لمتطلبات المرحلة التي نعيشها.
إن ما نحتاج إليه في هذه المرحلة الحاسمة من حياة الأمة هو التصدي للضغوط وعوامل التغيير، ليس بالتقوقع والانكفاء على النفس، وأن تأخذنا العزة والمكابرة في التصرف وكأن شيئا لم يكن، أو أننا نعيش في جزيرة نائية لا يطولنا طوفان ثقافات الشعوب الأخرى ولا التقنيات الحديثة التي تحتاج منا إلى تأهيل وإعداد الأفراد الصالحين القادرين على الاستيعاب والتمحيص، والتفريق بين ما يصلح وما لا يصلح من داخل ذواتهم وبكامل قناعاتهم.
واقع الحال هو رفض تام لكل ما هو جديد وتغافل عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي تدور حولنا أو قبول بكل شيء دون تمحيص بين الغث والسمين، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، تخل تام عن أبسط الواجبات الشرعية وقيم الأمة الحضارية.
وبين هذا وذاك تقع مأساة الأمة في التطرف والابتعاد عن الوسطية وفقه الواقع، ووضع الحلول المطلوبة بكل موضوعية وتجرد اعتمادا على تعاليم الدين والإطار العام للشرع الحنيف، لا حسب الأهواء والتقاليد التي حُق للبعض رفضها لأنها لا تتناسب مع روح العصر ولا تتماشى مع واقع الحال، بل إن هذا الخلط بين الدين والتقاليد والأعراف يصيب الدين في مقتل، إذ إن شرع الله يتوافق مع الفطرة السليمة ويدور حيث ما دارت ويتوافق مع كل زمان ومكان بمرونة لا تمس جوهره ولا تتعارض مع مبادئه وتعاليمه الأساسية. وإذا لم ندرك هذه الحقيقة ونطبقها فإن ذلك من شأنه أن يزيد من فتيل التطرف البغيض حتى يوغل كل فريق في وجهته ويصم سمعه وفكره وقلبه عن سماع الآخرين بدلا من البحث عن حلول عقلانية واقعية تنجذب إليها الأطراف عند منتصف الطريق وتوجد أوضاعا مقنعة تتوافق مع العقل والشرع.
إن استشراء ثقافة "إن لم تكن معي فأنت ضدي" ثقافة يمقتها الإسلام، لأن في الأصل جميع المسلمين إخوة، حتى أولئك الذين وصل بهم حد الاختلاف إلى الاقتتال فيما بينهم، سماهم مؤمنين ليؤكد أن مسألة الاختلاف واردة. وهذا دليل واضح على سماحة الإسلام ومساحة الاختلاف الكبيرة التي يسمح بها، من أجل ذلك تعددت المذاهب الإسلامية والاجتهادات الفقهية.
ذكرت كل ما سبق لأقدم بين يدي القارئ سبب استغرابي وتعجبي من أمور اجتماعية فيها من التناقضات ما يعجز الإنسان عن فهمه فضلا عن تقبله. من تلك الأوضاع التي هي في حقيقة الأمر ظاهرة لمشكلة الخلط بين التقاليد وما ألفناه وتعاليم الدين، "علاقة الرجال بالنساء". ففي حين يسمح للنساء بالتسوق والتبضع ومقابلة البائعين والتحدث معهم وجها لوجه (ولربما كانت سلعا خاصة جداً بالنساء)، وركوب السيارة مع سائق أجنبي، توضع حواجز بين أعضاء هيئة التدريس والطالبات في قاعات الدراسة تسمح لهن بالرؤية دون المحاضرين! غريب! أليس كذلك؟! أن نثق بالبائع الذي يتفرد بالحديث مع نسائنا (على ثقتنا بهن وبصلاحهن) وفي مكان عام وعلاقة غير مقننة وحديث مفتوح على مصراعيه، بينما لا نثق بعضو هيئة التدريس الذي نأتمنه على العقول والفكر وتربية الناشئة داخل قاعات دراسية في أوضاع منضبطة، وجود عدد كبير من الطالبات، وموضوعات أكاديمية محددة بالإضافة إلى الالتزام بالحجاب الشرعي. إنه وضع مستهجن! كيف نفسر لبناتنا أن المذيعة الملتزمة بالحجاب تظهر لتذيع على الملأ الأخبار وتجري المقابلات التلفزيونية وهو عمل مقبول ومهم وفي ذات الوقت يحجبن في قاعات الدراسة! كيف نفسر لهن وجود بعض الفاضلات في مؤتمرات دولية، ومشاركة آخريات في عضوية مجالس إدارة بعض الشركات وترشيح أنفسهن للانتخابات في الغرف التجارية الصناعية! كيف نفسر أن الطالبات يسمح لهن متنقبات أو متحجبات أن يستقللن سيارة خاصة أو بأجرة تنقلهن إلى بيوتهن مع رجل أجنبي أقل تعليما وثقافة! كيف نفسر عدم تنقب كثير من نسائنا حين السفر إلى الخارج وقبولنا بالاكتفاء بالحجاب الشرعي! وأخيرا كيف يسمح بتدريس الطالبات دون حواجز في بعض الكليات ويمنع في أخرى في الجامعة نفسها! كيف نفسر هذه الأشياء "المقبولة شرعا ومنطقا" أن تطبق في حالات وتمنع في حالات أخرى!
يبدو أننا توقفنا عن التفكير في بعض المسائل واكتفينا بعمل الأسهل والأقل جهدا وهو المنع والرفض دون محاولة للتقنين ووضع حلول للمستجدات والتكيف مع المتغيرات خاصة فيما يتعلق بالقرارات الرسمية. قد يكون هذا الأمر مجديا حينما كانت الأوضاع بسيطة نعيش في وسط العائلة الممتدة لا تعليم ولا أسواق ولا أطباق فضائية ولا إنترنت. كانت القدرة على التحكم والرقابة ممكنة إلا أن أوضاعنا المعيشية اختلفت ووعينا الثقافي والاقتصادي والسياسي وتقنيات الاتصال غيرت الكثير. ببساطة لم نعد كما كنا عليه في السابق لذا لزم علينا إيجاد الأطر والقوانين وقبل ذلك الفكر والوعي وثقافة البحث والتغيير والإصلاح والتطوير التي تهيئنا لمقابلة هذه المتغيرات والتصدي للقادم الذي أتوقع أن يكون زخمه أكثر بكثير مما نعايشه في الوقت الراهن.
إن أفضل طريقة لاحتواء التغيرات هو إحداث التغيير. إن الاستباق إلى إحداث التغييرات المطلوبة يمكننا من الاختيار بدلا من أن تسيطر علينا الأحداث. لم يعد بالإمكان إغفال أننا نواجه أزمة حقيقية في العلاقة بين الرجال والنساء في مجتمعنا تتمثل في عدم تقنين تلك العلاقة ضمن إطارها الشرعي الصحيح والطبيعي، حتى أصبحت تلك العلاقة شيئا غامضا مجهولا لا يحسن الرجال أو النساء التعامل معها، فالبعض من الجنسين يصيبه الخوف أو الخجل لأي موقف يجمعهما، حتى ولو كان استفسارا أو إرشادا للطريق، بينما يتجرأ البعض بسلوكيات خارجة عن الأدب والحشمة والشرع الحنيف، ذلك أننا لم نُهيأ ونُربى على أصول التعامل فيما بين الجنسين.
لقد حان الوقت أن نفهم أن الرجل والمرأة شخصيات متكاملة لهما فكر وأحاسيس وفلسفة ورؤية وإمكانات وقدرات وإبداعات وحاجات إنسانية كثيرة تتعدى كونهما فقط من جنسين مختلفين وأنه العامل الوحيد المؤثر في العلاقة بينهما!
أتمنى من وزير التعليم العالي ومديري الجامعات وجميع المعنيين أن ينظروا في المسألة ويتخذوا القرارات لتصحيح الوضع القائم، ويرد للأستاذ الجامعي اعتباره وأنه يستحق الاحترام على الأقل بالقدر الذي يستحقه البائعون في المتاجر والسائقون.