صندوق النقد: اقتصادات الخليج بحاجة إلى تحصين ضد الصدمات
أكد صندوق النقد الدولي أن دول مجلس التعاون الخليجي شهدت تحولا اقتصاديا واجتماعيا غير مسبوق خلال العقود الثلاثة الماضية بعد أن عمدت هذه البلدان إلى استخدام عائداتها النفطية لتحديث البنية التحتية وإيجاد فرص العمل وتحسين المؤشرات الاجتماعية.
ويعتقد صندوق النقد أن دول المجلس في هذه المرحلة بحاجة إلى تنفيذ استراتيجية متوسطة الأجل تتألف من مراحل متتابعة للإصلاح الهيكلي الشامل. وتستند هذه الاستراتيجية – وفق الصندوق - إلى عدة ركائز رئيسية هي: ضبط أوضاع المالية العامة من خلال تقوية الميزانية هيكليا لضمان استمرارية الإنفاق على الأجل الطويل بما يتفق مع الأهداف الاقتصادية الخاصة بتحقيق العدالة بين الأجيال، تحصين الاقتصاد ضد صدمات معدلات التبادل التجاري، وتحسين الحوافز المساعدة على نمو القطاع الخاص.
وفي مايلي مزيداً من التفاصيل
أكد صندوق النقد الدولي أن دول مجلس التعاون الخليجي شهدت تحولا اقتصاديا واجتماعيا غير مسبوق خلال العقود الثلاثة الماضية بعد أن عمدت هذه البلدان إلى استخدام عائداتها النفطية لتحديث البنية التحتية وإيجاد فرص العمل وتحسين المؤشرات الاجتماعية، وتمكنت في الوقت نفسه من مراكمة احتياطيات رسمية والحفاظ على مستوى الدين الخارجي المنخفض نسبيا ومواصلة دورها كجهات مانحة مهمة للبلدان الفقيرة.
وأضاف في دراسة اقتصادية أنه نتيجة لذلك، شهدت السنوات الـ 20 الماضية ازدياد المتوسط العمري المتوقع في دول مجلس التعاون بما يقرب من عشر سنوات، حيث وصل إلى 74 سنة خلال الفترة 1980-2000، وارتفعت معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة بما يعادل 20 نقطة مئوية فبلغت نحو 80 في المائة على امتداد الفترة ذاتها. وكان متوسط الدخل الفردي في بلدان مجلس التعاون يقدر بنحو 12 ألف دولار في 2004، بينما وصل إجمالي الناتج المحلي الاسمي المجمع لهذه البلدان إلى ما يقرب من 340 مليار دولار "أي أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي للبلدان العربية كلها".
ونظرا إلى مستوى التضخم شديد الانخفاض، بلغ متوسط النمو الاقتصادي الحقيقي الكلي 4 في المائة سنويا خلال العقود الثلاثة الماضية مع اكتساب الأنشطة الاقتصادية غير النفطية أهمية متزايدة على نحو مطرد، ما يعكس جهود بلدان المجلس لتنويع النشاط الاقتصادي. وإضافة إلى ذلك، تبلغ الاحتياطيات الدولية لدى البنوك المركزية وحدها في بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي ما يعادل نحو عشرة أشهر من الواردات. وتحقق هذا التقدم في ظل نظام سعر الصرف والتجارة المنتفح والتدفقات الرأسمالية الحرة، إلى جانب الحدود المفتوحة أمام العمالة الأجنبية.
ونظرا لأن الثروة الهيدروكربونية تؤول بالكامل إلى الحكومة، فإن جميع بلدان المجلس تطبق نظاما واسع النطاق للرعاية الاجتماعية. وتقدم الخدمات الحكومية في كثير من هذه البلدان بالمجان أو بأسعار مدعومة شديدة الانخفاض، ولاسيما المياه والكهرباء، بينما تتميز الضرائب غير النفطية بالانخفاض، حيث تتألف في الأساس من الضريبة على دخل الشركات الأجنبية.
إلا أنه في الجانب الآخر، ترى الدراسة أن تركيز السياسة النقدية نحو هدف الحفاظ على استقرار سعر الصرف والسيطرة على التضخم، أصبحت سياسة المالية العامة هي الأداة الأساسية لتحقيق الأهداف الاقتصادية الأخرى، بما في ذلك النمو وتوظيف العمالية وتحقيق العدالة الاقتصادية. لكن ما يقيد سياسة المالية العامة هو شدة اعتماد الإيرادات الحكومية على متحصلات الصادرات النفطية المتقلبة وإضافة إلى ذلك، تراجعت مرونة سياسة المالية العامة في العديد من هذه البلدان بسبب فاتورة الرواتب الكبيرة والمتزايدة، كذلك ضخامة مدفوعات خدمة الدين المحلي في بعض الحالات. وأدى استكمال مشاريع كبرى للبنية التحتية إلى تقليص دور الإنفاق الحكومي في تحقيق النمو غير النفطي وتعني ضخامة حجم القطاع العام. كما أن استثمارات القطاع الخاص ظلت منخفضة نسبيا كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي، رغم تزايد معدلاتها.
إضافة إلى ذلك، برز خلال العقدين الماضيين بالذات تحديات جديدة آخذة في الظهور. فارتفاع النمو السكاني، مع تزايد مشاركة المرأة في سوق العمل، يترجم الآن إلى نمو متسارع في حجم القوى العاملة الوطنية. وواصلت القوى العاملة المحلية في بلدان مجلس التعاون الخليجي نموها على امتداد العقد الماضي بمعدل يزيد على 4 في المائة في المائة سنويا.
وهي وتيرة يرجح أن تستمر في المستقبل المنظور، لأن من ثلث إلى نصف السكان في هذه البلدان دون سن الخامسة عشرة حاليا. ونظرا لمحدودية المجال المتاح لتوظيف مزيد من العمالة في القطاع الحكومي، بدأت البطالة تزيد بين العمالية الوطنية في معظم بلدان المجلس. وتدرك الحكومات أهمية تحقيق تحسن مستمر في نمو القطاع غير النفطي إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري والإصلاحات المؤسسية من أجل تحقيق التكامل في سوق العمل، ومن ثم معالجة ضغوط البطالة الناشئة.
وتؤكد دراسة الصندوق أنه نتيجة لهذه التطورات، سارعت دول المجلس ولاسيما خلال السنوات العشر الماضية من وتيرة الإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى تنويع مصادر الدخل بغية تقليل الاعتماد على النفط وإيجاد أنشطة قادرة على إيجاد مئات الآلاف من الوظائف للمواطنين، مع الحد من التعرض لصدمات أسعار النفط. وهي تدرك الحاجة إلى التكيف مع التحديات الناجمة عن التكامل الإقليمي وعولمة الاقتصاد العالمي، كما تدرك أن التصدي لهذه التحديات لن يخلو من المتاعب.
لذلك، فإن دول مجلس التعاون، كما تستخلص الدراسة، مطالبة بتنفيذ استراتيجية متوسطة الأجل تتألف من مراحل متتابعة للإصلاح الهيكلي الشامل، على أن تستند هذه الاستراتيجية على خمس ركائز رئيسية هي:
ضبط أوضاع المالية العامة من خلال تقوية الميزانية هيكليا لضمان استمرارية الإنفاق على الأجل الطويل بما يتفق مع الأهداف الاقتصادية الخاصة بتحقيق العدالة بين الأجيال، تحصين الاقتصاد ضد صدمات معدلات التبادل التجاري، وتحسين الحوافز المساعدة على نمو القطاع الخاص. ويتطلب هذا تحسين الإدارة الضريبية، اعتماد نظام ضريبي حديث، خفض المصروفات الجارية، إعادة توجيه النفقات صوب تكوين رأس المال البشري والمادي معا. وإضافة إلى ذلك، يتعين وضع سياسة المالية العامة في إطار متوسط الأجل بافتراض سعر متحفظ للنفط، وهو منهج من المرجو أن يؤدي إلى الحد من اعتماد النفقات على الإيرادات النفطية في الأجل القصير وإلى تكوين مدخرات احترازية لمواجهة الصدمات الخارجية. وفي غضون ذلك، سيوضع الدين المحلي على مسار هبوطي متواصل، ما يتيح مجالا أكبر للإنفاق الإنتاجي من المالية العامة.
كذلك توسيع قاعدة القطاع الخاص عن طريق إصلاحات قانونية ومؤسسية إلى جانب تخصيص المؤسسات المملوكة للدولة. ويتطلب هذا عدة خطوات هي: زيادة تخفيف الضوابط والقيود على استثمارات القطاع الخاص، اعتماد معاملة موحدة لجميع المستثمرين- بما في ذلك المستثمرون الأجانب، ضمان حقوق الملكية لإرساء نظام سوق تنافسي كفء، بجانب وضع إطار واضح التحديد لتخصيص المؤسسات المملوكة للدولة من أجل ضمان ثقة الأسواق، والتعجيل بتصحيح التباعد بين الأسعار القائمة على السوق وأسعار المدخلات والمخرجات- بما في ذلك أسعار المرافق العامة والتمويل طويل الأجل وغيرها من الخدمات التي يقدمها القطاع العام.
أيضا تحرير التجارة والمنافسة المحليتين من الممارسات التقييدية التي ربما تكون قد تسببت في تثبيط استثمارات القطاع الخاص.
إضافة إلى ذلك، تحرير تدفقات الرساميل الأجنبية الداخلة من القيود حتى يتم توفير رأس المال اللازم وما يرتبط به من أشكال التكنولوجيا لدعم عملية الخصخصة وتنمية القطاع الخاص. ويمكن أن تؤدي الخطوات المتخذة لتحقيق هذا التحرير إلى معالجة ثلاثة قيود محددة: القواعد واللوائح التمييزية التي تحكم هذه التدفقات مقارنة بالقواعد واللوائح التي تحكم الاستثمار المحلي، عدم تكافؤ الفرص أمام المستثمرين المحليين والأجانب، وهو ما يتضح مثلا في اختلاف المعاملة الضريبية رغم الجهود المبذولة أخيرا لتقليص هذا الفارق، وعدم تطور أسواق رأس المال نسبيا في بلدان مجلس التعاون الخليجي. ومن خلال إطلاق مبادرات لمعالجة هذه القيود بما في ذلك رفع كفاءة النظام المالي على المستويين الوطني والإقليمي. وستعلق على تقوية الإطار التنظيمي والرقابي المصاحب أهمية خاصة في إقامة أسواق مالية تتميز بالانفتاح وتنوع النشاط.
أيضا إصلاحات سوق العمل التي تحول دون انحراف جهود الإصلاح عن مسارها الصحيح من جراء ضغوط البطالة، وتجنبا لإضعاف القدرة التنافسية، ربما يتطلب الأمر مواجهة هذا التحدي من خلال استراتيجية طويلة الأجل تستهدف تنمية المهارات اللازمة لدى القوى العاملة الوطنية. ويتعين إيجاد وظائف للمواطنين الذين يدخلون سوق العمل، بما في ذلك الذين يمكن أن تتغير وظائفهم نتيجة لإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، مع تحقيق التكامل في أسواق العمل المجزأة حاليا. وينبغي السعي إلى تحقيق هذا الهدف طويل الأجل بإجراء إصلاح شامل لسياسات التعليم والتدريب وإعادة توجيه النفقات الحكومية نحو بناء رأس المال البشري. أما في الأجل القريب، فيجب النظر في اتخاذ خطوات لإصلاح سوق العمل عن طريق الإزالة التدريجية لتقسيمات السوق، وهو ما يمكن أن يشمل إنهاء العمل بسياسة الأمر الواقع المتمثلة في توظيف طالبي الوظائف الوطنيين في القطاع العام، وسد فجوة الأجور بين القطاعين العام والخاص بالنسبة إلى العمالة الوطنية، وتوسيع بنوك المعلومات لتحقيق التعارف بين طالبي الوظائف وأرباب العمل من القطاع الخاص.كذلك تحقيق تكامل أكبر بين اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي وزيادة التنسيق بين سياساتها الاقتصادية. وسيؤدي توسيع السوق المشتركة ليس فقط إلى تيسير إعادة الهيكلة وعملية التخصيص، وإنما أيضا إلى تيسير إصلاح السياسات الجماعية, وسيساعد هذا التكامل دول المجلس أيضا على تحقيق الاستفادة القصوى من عملية العولمة الجارية، وذلك بما توجده من سوق أكبر وأكثر جذبا وما تحققه من تعزيز للقدرة التنافسية.