الاقتصاد السعودي: هاجس النفط
<a href="mailto:[email protected]">fawazhf@yahoo.com</a>
تحدثت الأنباء أخيرا عن تسرب معلومات مفترضة داخلية تذكر أن احتياطيات الكويت من النفط ليست 99 مليار برميل، كما كان معروفا، ولكنها نحو 48 مليار برميل. جاء هذا الخبر على خلفية تحليلات علمية وأخرى افتراضية حول احتياطيات النفط في كل دول العالم، بدأت في هيوستن – تكساس في الخمسينيات، حيث ذكر جيولوجي كان يعمل لدى شركة شل في ذاك الوقت أن احتياطيات أمريكا من النفط سوف تصل القمة عام 1974 ثم تبدأ بالانخفاض تدريجيا ولاقى هذا التوقع السخرية من أغلب المراقبين في حينه. عمد أحد الخبراء في جامعة نرنستون إلى استخدام النموذج التحليلي نفسه، وأتى بتوقع أن إنتاج العالم من النفط سوف يصل الذروة عام 2005 – 2006 ليبدأ بعدها في الانخفاض التدريجي، كما حدث في أمريكا قبل 30 عاما.
قبل نحو 25 عاما وفيما كانت دول منظمة الأوبك تتنافس للحصول على أعلى حصة من إنتاج "الأوبك"؛ ذكر أن أحد المعايير هو حجم الاحتياطيات. فلذلك عمدت كل الدول إلى تضخيم حجم احتياطياتها من النفط ولو بدرجات متفاوتة.
ولعل ما ذكر أعلاه عن الكويت ليس بمعزل عن الآخرين، علما بأن حجم الاحتياطي للمملكة كان الأعلى حتى في الحقبة الأولى، مما يعظم دور المملكة أكثر وأكثر. هنا يجب علينا التفريق بين العمر الاقتصادي والعمر الجيولوجي للنفط فلم ينته العصر الحجري لأن الأحجار نفدت من العالم، بل لأن المركزية الاقتصادية للحجر انتهت بفعل ارتقاء الإنسان إلى مرحلة علمية وفنية أعلى. فبين العمر الجيولوجي والعمر الاقتصادي لمادة الخام الناضبة يأتي دور الزحف الحضاري علميا وتقنيا، وتأثيره في مجرى ودرجة العمر الزمني. من هذا المنطلق ترتفع قيمة المخزون السعودي تصاعديا. ارتفاع قيمة المخزون والإنتاج تركز الأذهان على هذا الهاجس، هذا الهاجس يوضح مدى المخاطرة والفرصة في آن واحد من عدم استخدام النفط وعوائده استراتيجيا. ولعل هذا الارتفاع في أسعار النفط على مدى السنوات القليلة الماضية نذير لحركة مهمة في منظومة هذه العلاقة بين الجيولوجيا والاقتصاد والحاجة إلى البديل من خلال ما هو علمي وتقني.
هذا التميز للمملكة من خلال ملكية أكبر احتياطي للنفط والعوائد المالية الناتجة عن ارتفاع الأسعار المصاحب له يجب أن يستغل بفكر استراتيجي وبعد نظر. الاستغلال الاستراتيجي هو استعمال هذه العوائد لتجاوز مرحلة مهمة في السلم الاقتصادي العالمي. فتطور الاقتصاد التاريخي يتبع نسقا معينا بدأ بمركزية الزراعة ثم الصناعة والتجارة إلى الاقتصاد الناعم بما فيه من خدمات ومعلومات، فعلى سبيل المثال تحصل شركة IBM الأمريكية على أكثر من 500 مليون دولار سنويا من حقوق براءة الاختراعات من معاملها وعلمائها.
مراجعة سريعة لتطور اقتصادنا تبشر بالخير، حيث استطعنا تجاوز مرحلة الرعي والقرية إلى عالم التجارة وبعض الصناعة وحتى بعض الخدمات، ولكن يبقى هذا التجاوز هشا لأننا لم نجمع المعلومات ولم نستوعب البناء المعرفي ولم نحقق الانضباط اللازم لتحقيق تنمية مستدامة. لعلنا هنا نستقرئ مستقبل الاقتصاد السعودي؛ فالمملكة لن تكون بلدا زراعيا، نظرا لعدم وجود المياه بوفرة، وصناعيا ليس لدينا الحجم الكافي لتصنيع المواد الاستهلاكية بالحجم الذي يضمن تكلفة أقل فيما عدا الصناعات البتروكيماوية، التي يجب علينا التركيز عليها والانفراد تدريجيا بكل ما يدور حول هذه الصناعة وارتقاء سلم القيم المضافة فيها تدريجيا. التجارب الأولى في الصناعات التحويلية لم تكن موفقة (كما في تجربة طيف وغيرها مع "سابك")، ولكن مع الإصرار تعميق المعرفة يمكن فتح ذلك الباب.
استراتيجيا الوفرة المالية تمكن المملكة من تعويض مسافات في بناء البنية التحتية التي سبق أن أهملت مثل المدارس، حيث إن الكثير منها مازال مستأجرا، وكذلك هناك نقص في وسائل المواصلات والاتصالات الحديثة، تطوير البنية التحتية يسهم اقتصاديا في تكوين نماذج جديدة من الاقتصاد الناعم، حيث الخدمات والصناعة المعلوماتية والسياحة هي الغالب على الاقتصاد الحديث. الجانب الآخر الذي سوف يكون العامل الحاسم في المنافسة الاقتصادية وخاصة بعد انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية هو تطوير الإنسان السعودي ليصبح أكثر إنتاجية. تطوير البنية التحتية يمكن الإنسان الجديد من تغيير الرموز والكلمات التي يتعامل بها، وبالتالي يغير وضعية تفكيره، ويجد نفسه في عالم جديد يجب عليه التفاعل معه، الجد في العملية التعليمية ركيزة أساسية في عملية التنمية.
المراقب للحياة الأكاديمية في المملكة لا يجد هذا التوجه الجدي نحو إيجاد الإنسان السعودي الجديد، على سبيل المثال، الكثير من خريجي قسم القانون من بعض الجامعات لا يستطيعون الكتابة باللغة العربية بكفاءة تتماشى مع متطلبات المهنة، التعامل مع القانون في قلب التعامل مع الصناعات الخدمية، فمتى نكون جادين؟ وهذا ينطبق على الكثير من المؤسسات التعليمية والفنية، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. أليس من الأفضل أن نعرف أن قسم القانون يخرج اثنين أو ثلاثة أفضل من عشرات لا نثق بقدرات الكثير منهم، بل إن هذه الأغلبية تخفض مستوى المهنة وتضر بالاقتصاد الوطني ويختلط الحابل بالنابل، ويكون المجتمع ضحية إهمال الصفوة المختارة من أبنائه من القائمين على الجامعات السعودية والوزارات المختصة بالتعليم الفني والعالي. بدون هذه الخطوات الجادة لن نستطيع تحقيق نقلة نوعية، بل حتى أي نقلة. وبما أن كلمة نفط تبدأ بحرف النون – نعمة، فيجب ألا تكون الصورة قاتمة، بل التقدم يحدث من خلال اختراقات هنا وهناك، ولعل أحدها الإعلان في جريدة "الرياض" يوم 21/1/2006 عن برنامج بعثات إلى جامعة أكسفورد من خلال اتفاقية بين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز وهذه الجامعة الرائدة. هذه قفزة طيبة حول البيروقراطية، ولعل آخرين يأخذون المنوال نفسه لتحديث أهم شيء، ألا وهو البنية التحتية البشرية للإنسان والاقتصاد السعودي.