تلويحة لمعرض الكتاب
مكتبة الإسكندرية التي كانت شمس مجد العصر الهلنستي في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد كانت جسرا عبرت عليه حضارات من الموات إلى الازدهار, هذه المكتبة مدينة بالأساس لرجل اسمه "فيلاديلفيوس" وهو بطليموس الثاني الذي آمن بأهمية الكتاب ودوره في إحداث تحولات نوعية كبرى في مسار الوعي الإنساني والرقي الحضاري.
أصدر هذا الرجل قانونا يسمح بموجبه لكل قادم إلى الإسكندرية أن يحضر ما شاء من كتب معه إلى البلاد, شريطة أن يتركها أو يترك نسخا منها في مكتبة الإسكندرية. وهكذا ضمت هذه المكتبة كنوزا من المعرفة والمعلومات مما أنجزته البشرية آنذاك, وصارت حديث الدنيا إلى أن اختفت ثم أعيدت اليوم.
أقول هذا بمناسبة إقامة المعرض الدولي للكتاب في الرياض والفعاليات المصاحبة له. فقد أدرك الجمهور أن القائمين على تنظيمه والإشراف عليه صعدوا به إلى سدة المسؤولية الجوهرية للكتاب وإلى حق الناس في أن تجد أمامها ما تسمع عنه أو تقرأ حوله من إنتاج مفكري ومبدعي العرب. وأن يلتقوا على أرض المعرض مختلف دور النشر العربية, خصوصا تلك التي بادرت إلى مناصبة العداء للتخلف وتواصلت مع المنجز الثقافي الواعي.
لقد جاءنا أزمنة كان فيها الكتاب تطبق عليه مقاييس مزاجية منغلقة, كان الكتاب يقصى ويبعد على الهوية حينا وعلى سوء الظن حينا آخر. وعن سابق إصرار وتعمد حينا ثالثا. يقرر ذلك بعض ممن أنابوا أنفسهم للتفكير نيابة عنا دون أن ننيبهم!! حدث ذلك على نحو يتناقض مع واقع حال العصر ومع واقع تعامل منافذنا البرية والجوية والبحرية مع الكتاب حيث كان موظفوها غالبا ما يعتبرون ما نحمله من كتب شأنا خاصا بنا لا يلتفتون إليه.
هذا ما نجح منظمو معرض الكتاب الحالي في تحقيقه بامتياز, فقد أعطوا للرقيب إجازة ولم يطبقوا مقاييس المنع والحذف أو الحكم على المكتوب من عنوانه وبالتالي إتاحة الفرصة لكل الإصدارات أن تجد طريقها إلى رفوف المعرض, ورحبت بكل دور النشر العربية التي بادرت إلى طلب المشاركة.
كذلك منح منظمو المعرض له روحا حضارية ونفسا اجتماعيا وأسريا حين وضعوا في اعتبارهم احترام العائلات لتمارس حقها في أن يأتي الأزواج مع أولادهم, ينتشرون في المعرض ويتجوّلون فيه كما يفعلون في الأسواق دون حرج, وقد كان ذلك في السابق إجراء معطلا, ولا شك أن لوجود الأبناء مع أهاليهم فيه تعزيز وترسيخ للقيم الأسرية من جانب, ولتعميق الإحساس بأهمية الكتاب والثقافة لدى الأبناء من جانب آخر, والأمر نفسه ينسحب على حضور الفعاليات المصاحبة للمعرض من ندوات أو محاضرات.. لأننا نلفت انتباه أولادنا كما نلفت انتباه بعضنا البعض إلى أن في الحياة ما هو أهم من سفه الفضائيات والبرامج والفنون الهابطة ومن سُعار الاستهلاك والتنابز بالمظاهر الفارغة!!
هذه الإضاءات نثرها معرض الكتاب في سماء الرياض, ملأت بالحبور العفوي النقي بيوتنا على نحو لا نجد معه إلا أن نشد على أيدي كل من عمل على إخراج هذا المعرض بحلته ومحتواه الجديدين الرائعين. وفي الصدارة من هذا المنجز معالي وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري وسعادة وكيل الوزارة الدكتور عبد الله المعجل.