سوق الأسهم.. ينتظر المؤسسات الصحافية السعودية

<a href="mailto:[email protected]">dr._saaty@Yahoo.com</a>

حينما تطرح قضية مستقبل الصحافة السعودية على بساط البحث.. يتجه التفكير إلى البحث في الصيغ التنظيمية المناسبة التي تمكن الصحافة من العمل بمهنية عالية وسط متغيرات محلية وإقليمية وعالمية زاخرة.
وبداية نستطيع أن نقسم تاريخ الصحافة السعودية الحديثة، وفقا للمعايير الأكاديمية إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي التي بدأت بما كان يعرف باسم صحافة الأفراد، واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1383هـ (1963م)، حيث توج هذا العام بإصدار أول نظام للصحافة السعودية باسم نظام المؤسسات الصحفية الأهلية، وهذا النظام أعاد هيكلة الصحافة السعودية من القاعدة حتى القمة، وشهدت هذه المرحلة تغيرات واسعة في تنظيم الصحافة السعودية عبر مؤسسات يملكها مجموعة من التكنوقراط، ويتولاها بالانتخاب (إدارة وتحريرا) صفوة من الأعضاء وتكون المؤسسة، مقفلة لا يدخلها إلا من يحمل تصريحاً بالعضوية من قبل أعضاء المؤسسة ووزارة الثقافة والإعلام (وزارة الإعلام).
وحينما صدر النظام كان يعبر فعلاً عن المتغيرات المحلية والإقليمية السائدة في الستينيات الميلادية، وهي مرحلة شهدت الكثير من الأحداث المؤلمة والانقلابات العسكرية والصراعات والحروب بين الدول العربية وإسرائيل من جهة، وبين الدول العربية فيما بينها من جهة أخرى.
ووسط هذه المتغيرات الساخنة كان الإعلام يلعب دوراً مهما جداً في تغطية الأحداث، ولاسيما أن التليفزيون كوسيلة إعلامية لافتة دخل للتو في حلبة الإعلام العربي، وبالذات في المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية المتحدة (مصر).
والحقيقة أن الصحافة السعودية - وسط هذا الكم الهائل والساخن من الأحداث - قامت بدورها في حماية الهوية السعودية والمكتسبات التنموية.
وإذا كانت تلك المرحلة قد اتسمت بالثورات العربية الفاسدة، فإننا بعد 44 عاما من صدور نظام المؤسسات الصحافية نعيش الآن مرحلة الثورة العالمية أو ما يعرف باسم العولمة التي تلعب فيها الثورة الإلكترونية دورا مميزاً في تغيير مفاهيم وتقاليد شعوب جميع دول العالم.
إذن نحن الآن - رضينا أم أبينا - نقف على مشارف المرحلة الثالثة من تاريخ الصحافة السعودية، وأحسب أن التغيير في الصحافة السعودية تبعا للمكانة التي تحتلها المملكة العربية السعودية في محافل المجتمع الدولي يتجه قسرياً نحو الشكل والمضمون. فإذا كانت المؤسسات الصحافية صيغة مناسبة في الستينيات، فإن الشركات المساهمة على قاعدة الخصخصة.. هي الصيغة المناسبة للصحافة السعودية في عصر العولمة.
بمعنى أن الصحافة السعودية في أمس الحاجة إلى إعادة ابتكار نفسها، كما استطاعت الحكومة اكتشاف اقتصادها، الصحافة السعودية في حاجة إلى إعادة هيكلة كاملة وفق برنامج تطويري يتناسب مع الكم الهائل من المتغيرات التي أسقطت الرقابة، وكرست حرية الرأي، وعززت المشاركة، وسوّقت حقوق الإنسان، وأصلت بالإفصاح نظافة اليد، وقومت بالشفافية العقل.
وإذا كان التغيير في المرحلة الأولى خياراً نقبله أو نرفضه، فإن التغيير في عصر العولمة هو تغيير قسري تفرضه وسائل الاتصال الحديثة، ويفرضه عصر الأسواق العالمية المفتوحة، ويفرضه عصر المعلوماتية المذهل الذي جعل العالم عبارة عن غرفة كونية، بعد أن تجاوز مرحلة القرية الكونية، وقريبا جداً سوف يصبح العالم كله يدار من خلال شاشة الموبايل.
وسط هذه التغييرات والمتغيرات التي بدأت من الإنسان فوق هذا الكوكب حتى قمة جهاز الدولة، كان لا بد أن يتغير جلد الصحافة السعودية ليواكب هذه التغيرات الهائلة التي يشهدها المجتمع السعودي والمجتمع العالمي، والتي عمقت دور الإعلام في صنع الأحداث وتشكيلها والمساهمة بقوة في إعادة هندسة المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة.
وكما قلت، فإن التغيير ليس خياراً طوعياً، بل هو خيار قسري لا يمكن أن نبرحه ونبقى - كما قال فوكوياما - خارج دائرة التاريخ. وإذا كان هناك ثمة تغيير في الصحافة السعودية، فإن التغيير الذي شهدته الصحافة السعودية في العقد الأخير هو تغيير أحادي يستند إلى اجتهادات فردية ولا يقوم على خطة استراتيجية أو رؤية مشتركة تمثل مجمل معطيات الصحافة السعودية، ولذلك كانت النتيجة أن الصحافة تعاني من اضطرابات غير مهنية في الأداء، وبدأ المجتمع يعاني من ممارسات بعض الصحف.
وفي هذا الإطار الأحادي، فإن صحيفة من الصحف تفكر في التقوقع وليس في الامتداد نحو الكونية، إحدى الصحف تفكر بأن تكون جداوية، أي أنها تفكر أن تكون صحيفة إقليمية بدل أن تكون صحيفة للوطن. وطبعا يأتي هذا التفكير المتوقع في غياب استراتيجية للصحافة السعودية، ولو كانت هناك استراتيجية للصحافة السعودية لكان تفكير الصحيفة يتجه نحو المنافسة في الأسواق وليس المحاصصة في سوق تقف فيه صحف أخرى في المنزلة الأكبر والأقدر على المنافسة ومواجهة التحديات.
وحتى لا يكون الرأي أحاديا، فإنني أقترح لتحقيق الإصلاح في الصحافة.. أن تتحرك هيئة الصحفيين السعوديين، وتصمم مشروعاً لتطوير العمل الصحفي الوطني وتضع مواصفات جديدة لمهنة الصحافة السعودية التي بدأت تفقد جزءاً من أوراقها أمام الإلكترونيات عابرة القارات، وأقترح على الهيئة أن تدعو كوكبة من الصحافيين وأصحاب الرأي والأكاديميين إلى عقد مؤتمر يناقش شؤون الصحافة الوطنية في عصر العولمة، ويسعى إلى وضع استراتيجية ورؤية مستقبلية واضحة تنقل الصحافة السعودية من مرحلة المحلية إلى مرحلة العالمية، ويحدد دور الصحافة وسط أمواج متلاطمة من المشاكل المحلية ولكنها ذات سمات عالمية.
والأمل أن يخرج هذا المؤتمر بنتيجة رفع مستوى مخرجات أقسام الصحافة في الجامعات السعودية، ويعالج أسباب تواضع خريجي الصحافة وتدني مستوياتهم المهنية، وإذا كانت هذه القضية من أهم مسؤوليات الجامعات السعودية فإنها من أهم واجبات هيئة الصحفيين السعوديين، فالدولة تصرف مليارات الريالات على ميزانيات هذه الجامعات، والمفروض أن تكون مخرجات التعليم الجامعي تتناسب مع شروط جودة التعليم العالي، وهو ما يطلبه سوق العمل.
والتطوير في الصحافة يفرض نفسه إذا تذكرنا أن رؤساء تحرير أهم صحفنا قد تجاوزوا سن التقاعد واقتربوا من السبعين ربيعا، ونتمنى لهم المزيد من الصحة والعافية وطول العمر ونشكرهم على الإنجازات الرائعة التي حققوها، ولكن الصحافة التي ننشدها تحتاج إلى صحافيين معولمين يحذقون لغة الكمبيوتر والإنترنت ويجوبون أجواء الفضاء بكل لغات العالم، كما ننشد لصحافتنا مديرين تنفيذيين متعولمين ممن يتقنون علوم التسويق الدولي ويتعاملون مع الشركات الإلكترونية وينطقون بكل لغات الدنيا.
وإذا كانت هيئة الصحفيين السعوديين لا يروق لها اتخاذ خطوة باتجاه المساهمة في وضع استراتيجية للصحافة وتصميم مشروع لتحويل المؤسسات الصحافية.. إلى شركات مساهمة، فإنني أقترح على معالي الأستاذ إياد مدني وزير الثقافة والإعلام، وهو من عاصر هموم الصحافة، تشكيل لجنة من أصحاب الخبرة ومن الأكاديميين المتخصصين لدراسة مستقبل الصحافة السعودية في عالم يتغير بحدة.
وإذا لم نتخذ هذه الخطوة، فإن مقولة فوكوياما سوف تصبح حقيقة وسوف تفقد صحافتنا دورها في التنمية المستدامة بمفهومها الحديث في عصر تتغير فيه مفاهيم المجتمعات كل يوم وتدخل في نفق ما زالت نهايته غير مرئية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي