خفض الرسوم الحكومية.. أمنية طال انتظارها
<a href="mailto:Dr. [email protected]">Dr. [email protected]</a>
لقد مضى عقد من الزمان ونيف منذ أن تمت زيادة الرسوم الحكومية كجزء من سياسة ترشيد الإنفاق الحكومي وشد الحزام التي اتبعت لمواجهة الضائقة المالية جراء الانخفاض الحاد لأسعار النفط في السوق العالمية منتصف الثمانينيات وخلال التسعينيات. لم يدر في خلد أحد أبدا أن تنحدر الأسعار بشدة إلى مستوى ستة دولارات للبرميل الواحد أو أقل بعدما كان خلال السبعينيات ومطلع الثمانينيات قد تجاوز 40 دولارا. لقد تفاجأ الجميع بهذا الوضع المتأزم ولم يكن بحسبان أكثرنا تشاؤما أن تصل الأمور إلى حد استخدام الاحتياطي والاقتراض من الخارج. ولن أخوض في تفاصيل أسباب التراجع في أسعار النفط في السوق العالمية واكتفي بالإشارة إلى أن السبب الرئيس هو حربا الخليج الأولى والثانية اللتان أتتا على الأخضر واليابس واستنفذتا الخزينة العامة في دول الخليج. لقد كانت تكلفتهما باهظة اضطررنا إلى دفعها بسبب القرارات الهوجاء لبعض قيادات المنطقة التي أشعلت فتيل الحرب والكراهية ورغبة من قيادتنا الرشيدة في تفاديها والتقليل من تأثيراتها والإبقاء على التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
لقد استدعى الوضع الاقتصادي الصعب آنذاك تكاتف الجميع في مواجهة الأزمة المالية بكل وطنية وشجاعة، لأن تأثيرها عام وتداعياتها تطول جميع فئات المجتمع دون استثناء. لقد أثبتت تلك التجربة القاسية متانة العلاقة بين المواطنين وقيادتهم السياسية والمعدن الأصيل للشعب السعودي وقوة اللحمة والترابط بين أبنائه وتكاتفهم ومستوى الإدراك والوعي وتفهمهم في أن معالجة الوضع الاقتصادي تستدعي تقاسم أعبائه وتحمل سلبياته. ولذا جاءت ردة فعلهم إزاء الإعلان الذي أطلقه الملك الراحل فهد بن عبد العزيز (يرحمه الله) إبان افتتاحه إحدى دورات مجلس الشورى في مطلع التسعينيات بضرورة تطبيق سياسات الترشيد في الإنفاق الحكومي وزيادة الرسوم، متزنة ومتوافقة مع واقع الحال في أن العوائد النفطية لم تكن لتحقق جميع المتطلبات الاجتماعية، وأن الأمر يستدعي البحث عن مصادر مالية ووسائل تمويلية تسهم في تغطية عجز الميزانية العامة لحين تجاوزها. أحد تلك المصادر هو الضريبة غير المباشرة (أو غير المعلنة) والمتمثلة في زيادة رسوم الخدمات الحكومية وأسعار بعض السلع الضرورية مثل الوقود. هذا الارتفاع في الرسوم الحكومية أدى إلى تأثيرات مباشرة وغير مباشرة أدت إلى رفع تكاليف المعيشة لعموم المواطنين، من حيث إن تلك الرسوم ساهمت في رفع معدل التضخم الذي له التأثير الضريبي نفسه، إذ إنه يقلل القوة الشرائية للريال ما يعني خفض الدخل وهذا ما تفعله بالضبط الضريبة، وبالتالي فإن المواطن لم يتحمل فقط الزيادة المباشرة في الرسوم ولكن أيضا التكاليف غير المباشرة والمتمثلة في ارتفاع معدل التضخم. ثم إن رفع سعر سلعة ضرورية كوقود السيارات يؤثر في أصحاب الدخول المتدنية أكثر منه على أصحاب المستويات الأعلى من الدخل تأثيرا مباشرا وغير مباشر. فالمواصلات ضرورية لجميع الناس دون تمييز إذ يلزمهم الانتقال من السكن إلى مكان العمل والسوق وزيارة الأقارب والمدارس وغيرها، ولذا أصبحت تكاليف النقل تستهلك نسبة كبيرة من دخول الأفراد الأقل حظا في المجتمع. كما أن ارتفاع وقود السيارات يؤدي إلى رفع أجور شحن السلع والمنتجات بجميع أنواعها ما يعني ارتفاعا عاما في أسعارها.
لقد سعت الحكومة بتوجيه من الملك عبد الله منذ الوهلة الأولى لتولية مقاليد الحكم في البلاد إلى إقرار زيادة رواتب موظفي القطاع العام وهذا التوجه بلا شك توجه حميد ينم عن إدراكه، حفظه الله، لمعاناة المواطنين والحاجة إلى رفع دخولهم لمواجهة أعباء الحياة والتضخم الذي يطول كل شيء. وعلى أن الزيادة في الرواتب استحقاق كان ينتظره موظفو القطاع العام بفارغ الصبر حيث بقيت رواتبهم ثابتة على ما هي عليه ردحاً من الزمان، إلا أن ثمة إشكالية تتمثل في أن الرسوم الحكومية بقيت عند معدلها مرتفعة دون إعادتها كما كانت قبل الأزمة المالية ما يعني بقاء معدل التضخم عاليا ومن ثم تكاليف المعيشة مرتفعة خاصة على فئات من المجتمع ممن يعانون الفاقة والفقر من غير الموظفين أو حتى صغار الموظفين الذين لا تكاد رواتبهم الصغيرة تكفي لسد احتياجاتهم الأساسية.
إن الرسوم الحكومية هي لخدمات ضرورية لا غنى لأحد عنها مثل الكهرباء والماء والوقود وحتى تلك التي تشمل رسوم تأشيرات السائقين والخادمات، إذ إن أرباب الأسر مضطرون إلى جلب خادمات المنازل والسائقين لعدم مزاولة المرأة قيادة السيارة، وهنا لا أدعو ولا أرفض قيادة المرأة للقيادة وإنما هو وضع قائم يجب التعامل معه بكل منطقية، وإدراك كامل لجميع المعطيات. إن الوضع القائم لم يوجد بدائل نقل عام مقنعة للمجتمع، فلا وسائل مواصلات عامة مأمونة بأسعار مقبولة وذات مستوى عال من الخدمة. لم يعد بالإمكان الاستغناء عن السائق، لأن خدمة المواصلات لطلاب وطالبات المدارس ونقل المدرسات والعاملات من وإلى أماكن عملهن غير متوافرة بشكل كاف. وإلى حين يكون لدينا موصلات عامة مقبولة اجتماعيا كقطار أنفاق أو شبيه له يلزم أن نتعامل مع أوضاعنا الحالية بواقعية عملية، وندرك ألا مناص من جلب السائقين والخادمات وأنه أمر ضروري وحتمي. وإذا كان كذلك فإن رسوم التأشيرات ورخص العمل لها تأثير في جميع شرائح المجتمع ومن هنا كان الرأي في خفضها وإعادتها عند مستوياتها قبل الزيادة تخفيفا للأعباء المالية والضغوط الاقتصادية والتكاليف المعيشية التي يعانيها الكثيرون.
أمر آخر في غاية الأهمية يتعلق بزيادة الرسوم وهو مستوى الخدمات العامة المقدمة نظيرها. ففي حين أن الرسوم ارتفعت إلا أن مستوى الخدمات ظل على مستواه، وأصبح على المراجعين أن يصطفوا في طوابير طويلة للحصول على الخدمة. ومع طول العناء وخسارة الوقت والجهد يفاجأ المراجع في كثير من الأحيان بسوء المعاملة والتهكمية والتصرفات غير المهنية من قبل الموظفين. حتى إن المراجع إذا ما أتم معاملته وحصل على مبتغاه في دائرة حكومية يصيبه الفرح والسرور ويخالجه شعور في أنه أنجز المستحيل وحقق أمنية غالية. هذه معاناة ومصيبة كبيرة يجب الالتفات إليها فالمراجعون يدفعون الرسوم كاملة ولكن لا يحصلون على الخدمة التي تساوي ما دفعوه! أعلم أن العمل الحكومي عمل خدمي وإن من الصعب قياس إنتاجيته إلا أنني أتحدث عن المستوى المقبول في التعامل وتعجيل إنهاء الإجراءات الروتينية عند معايير توضع من قبل الإدارات لتستبين أوجه القصور وتحدد المسؤولية وتقيم الأداء الفعلي للموظف وليس الشكلي الروتيني.
لقد أصبحت الرسوم الحكومية تحاصر الجميع فما تكاد تنتهي من دفع رسم إلا وتفاجأ أن عليك أن تدفع آخر وهكذا. ليس ذاك فحسب ولكن عليك بذل الجهد والمجاهدة والبحث عمن يتوسط لك لإنهاء معاملة روتينية! التفسير المنطقي لذلك هو أن رفع الرسوم لا يؤدي إلى رفع الإنتاجية بل العكس تماما انخفاض الإنتاجية يؤدي إلى رفع الرسوم!. من هنا كان الحديث عن الحكومة الإلكترونية لتسهيل إجراء المعاملات في الأجهزة الحكومية وزيادة الإنتاجية في القطاع العام، لكن كيف السبيل إلى ذلك وما زالت ثقافة التسلط واستخدام الروتين البيروقراطي بشكل شخصي تسيطر على عملية اتخاذ القرار والتعامل مع المراجعين. كيف نتحدث عن الحكومة الإلكترونية وحتى الآن معظم الأجهزة الحكومية لا ترد على المكالمات الهاتفية، فهذا في ظنهم ترف زائد وخدمة مميزة لا يستحقها المواطنون. ولذا لم يكن مستغربا على بعض مديرات المدارس حين يهددن الطالبات في أن يتجنب أولياء أمورهن الاتصال بالمدرسة، مع أنه في جميع الأحوال لا يتم الرد على الهاتف.
خفض الرسوم الحكومية لا بد من أخذه بعين الاعتبار في معالجة كثير من القضايا الاقتصادية والظواهر الاجتماعية السلبية. إن مرد كثير من السلوكيات السلبية والتصرفات النشاز التي نشهدها في المجتمع عوامل اقتصادية في المقام الأول مثل البطالة وزيادة تكاليف المعيشة. ما نخشاه أن تكون الأجهزة الحكومية اعتادت على جني العائدات الكبيرة لخزانة الدولة وليست مستعدة لتقليلها والتنازل عنها. هذا تفسير تعرضت له نظريات المالية العامة والاقتصاد الكلي وتبين أنه السبب وراء تضخم حجم القطاع العام. ما نحتاج إليه في الوقت الراهن هو خفض الرسوم الحكومية وزيادة كفاءة وفاعلية الأجهزة الحكومية حتى يهنأ المواطن بطيب العيش وبكامل كرامته كما يريد له ولي الأمر حبيب الناس الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده الأمين.